منهج العقل العلمي بين الانفتاح على الآخر ورفضه المسبّق

 

في فضاءات الوطن بمجمل منطقتنا شرق الأوسطية، ونتيجة تفشي الأميتين الأبجدية والحضارية (الثقافية القيمية)، تسود حالات مرضية عديدة.. على رأسها كما مرّ في معالجات أولية سابقة شيوع منطق الخرافة، على خلفية التجهيل والتخلف المنتشرة. وفي إطار ذلك، تصير حال تسويق الأنوية، والانعزالية ومن ثمّ سمات التعالي والتكبر الفارغ والتقاطع مع الآخر؛ هي سمات الشخصية المتضخمة من فراغ وفيه…

إننا نجابه في فضاء التجهيل والتخلف، صداً مسبقاً لأية محاولة للتنوير ولاجتذاب إنسان غزاه منطق الخرافة، إنه صد بالضد من منطق العقل العلمي وما يراد من الإنسان من إعمال العقل والاجتهاد والتفكر والتدبر.. فذاك الذي تسطو عليه الخرافة؛ نجده يصر على قداسة ما يمتلك من مسلَّمات بديهة لا تقبل الجدل.. وعنده كل ما يخالف (مسلَّماته) يخالف القدسية التي لا تُمَسّ…

وبهذا فـ(الآخر) عنده وعلى وفق منطق قداسة الخرافة ومفرداتها، هو طرف يريد النيل من قدسية ما يؤمن به ويعتقد! وهو عادة ما يربط الأمور باعتقاده [خلط الديني بالدنيوي] ومن ثم يتجه لتكفير ما يرده من هذا الآخر.. إنه هنا يركب رأسه معانداً أية فرصة للتفكر والتدبر؛ فيمتنع عن ذلك ويتمترس خلف حال تخندقٍ لا يقبل فيه جدل..

إنّ غلق فرص الحوار والتفاعل مع الآخر هي سمة لتضخم الذات في ضوء الفراغ والخلو من العمق القيمي الفكري، ومن ثمّ هي استناد إلى قرار داخلي يمتنع فيه الفرد (علادة هو الفرد أو الشخص الأمي) عن تشغيل العقل ويحظر أية فرصة للتعاطي مع منطق العقل ومنهج اشتغاله… وهذا الترابط بين وقف تشغيل العقل وغلق طرقات التفاعل مع الآخر يبقى ترابطاً عضوياً بنيوياً..

المشكلة الأضخم والأكثر كارثية، عندما تتفشى الأمور بتصيب قوى يُفترض إيجابيتها وانفتاحها على الآخر. المشكلة جوهريا في أن تتسع مساحات انتشار سمات التمترس والتخندق خلف المواقف الذاتية لطرف أو آخر، وهي من أمراض مجتمعية تضرب الفرد وتضرب أيضا الجماعات والمنظمات على وفق طابع قياداتها وفلسفاتهم وتوجهاتهم.. ولربما وجدتَ\تِ من يدعي قبول الآخر لكنه عند الاختبار العملي الفعلي في أي حوار تستغلق الأمور عنده ويتمترس خلف قرار أو موقف اتخذه لمجرد أنه يرى في قبول مقترحات الآخر تنازلا ومنقصة يشعرانه بالذل والهزيمة!

إن العناد والتخندق حول الذات وموقفها، ليس قضية أو إشكالية فردية حسب وإن انطلقت من المواقف الفردية كونها قيمة سلوكية تقع موقع المعارضة التي تتحول إلى السلبية مع حال الإدمان في ممارسة ردود التعارض مع كل رأي من دون تفكر وتدبر، بخاصة في الشخصنة للقضايا العامة والخاصة بما يحصرها في إطارات ضيقة، تضع رؤيتين أو معالجتين في تعارض من منطلق المساواة [غير الموضوعية] بين عميق فكرياً ومفرّغ سطحي!

والعناد هو تمسك شديد بالرأي من طرف السطحي الذي لا يمتلك عمقاً ودليلا من أي شكل على صواب ما يتبناه.. ومن كوارثنا أنْ يأتينا أحدهم بمصطلحات متعكزاً شكلياً على التجديد والاجتهاد وعلى ما يُلزِمنا بالتخلي عن كل قديم على أساس أنه مستهلَك سلبي لمجرد أنه قديم، ونُبتلى بعبثية تجديد لا علاقة صائبة لها بجوهر تجديد ولكنها مجرد حال توظيف سطحي لمصطلح تجديد على سبيل المثال بمجابهة قديم مجرب فهو عند من يدعي التجديد والاجتهاد سلبي لقدمه، فيتمترس خلف ما يسوقه على أنه تجديد!

إن حديثنا عن منطق العقل العلمي يقتضي توصيف الشخصية العنيدة سواء بوجودها الفردي إنسانياً أم بوجودها الجمعي مجتمعيا بالمعنى الأوسع للمصطلح ودلالالته على سياقات تنظيم المجموعات.. إنّ العناد يتأتى من شخصية مضغوطة تحولت إلى أنبوبة غاز بسبب أوضاع بعينها؛ ولعل الشخصية التي عانت من الاحباط والإهمال والتهميش تنتفض لأول وهلة قبل أن تصقلها التجاريب متسرعة مستعجلة في ركوب موقع الاهتمام وتصدر المشهد، وتحتضن تلك الشخصية سمات: الانفعالية، الحساسية المفرطة، التمركز على الذات والأنوية العالية، الظن والتشكيك بالآخر بعد مسلسل الإهمال والتهميش، وهي شخصية ضعيفة ربما محطمة ببعض أبعادها ينقصها دقة تحديد الهدف والعيش من أجله، سوى هدف تصدر المشهد بالاعتراض الدائم سلبيا على كل شيء وبركوب الرأس إلى درجة الإسفار عن ارتكاب الخطأ مع معرفة بأن ذلك خطل في منطق الأداء ولكنه مجرد عناد ونكاية بالآخر أيا كانت العلاقة معه؛ تصل الأمور حدّ إسقاط خصال التمرد وارتكاب الأخطاء بما يجرح الآخر ولو كان صديقاً أو رفيقاً في ذات المنظمة والحركة أو من أحد أفراد العائلة أو أي طرف آخر…

إذن القضية تتجسد في مشكلة نرصدها بطريقة التفكير لدى الفرد أو المجموعة وكلاهما يبحث عن إعلان مَظلمة أو إشكالية يتعكز بقراره عليها مع معرفة بخطأ القرار وأحيانا جهل بذلك.. وذاك الفرد شخصا ماديا أو معنويا كمنظمة أو حزب ضعيف الاتصال بمحيطه ومن ثمّ ضعيف الأثر فيبحث عن وسائل خلاص من وضعه بارتكاب أخطاء يسميها قرارات وهي ليست سوى حلقة أو حلقات عناد، يتحدى فيها الآخر؛ حيث لا يجوز منطقيا علميا ذاك القرار. ولربما أضفنا بهذا الشأن، أن الطرف المعني بحاجة لقدرات تعبير مناسبة تفتح له جسور التفاعل مع الآخر بصواب ولكنه يفتقد لتلك القدرات والمهارات والدربة في فتح التفاعلات بطريقة تخدم أهدافا سليمة صائبة في الاشتغال وما يدفع الطرف للتخندق علامات ومؤشرات من تاريخه في التعامل مع بيئته ومحيطه أو مع الآخر من داخل وجوده ومن خارجه…

والأطراف المتمترسة خلف الأداء أو القرار الخطأ، عادة ما تفقد صلتها بعمقها الفكري الفلسفي حيث العمر العقلي بالنسبة للفرد وحيث العمر الأيديولوجي بالنسبة للمجموعة… وعادة أيضاً، لا تجد اتساقا مناسبا في أداء تنظيمي بسبب فروض قسرية ضاغطة من بيئة أو محيط يستعجلها لقرارات تتخذها من دون رجوع فعلي لمجمل الخبراء وأعضائها كافة، فتقتصر على بعض أعضاء بعجالة مفروضة عليها خارجيا قسريا.. وهذا يؤثر حتى على البعد النفسي وعلى الاستعداد المناسب لاتخاذ القرار من فرد أو تنظيم في ضوء الخلل الذي نشير إليه؛ وهو الخلل الذي يصادر العمق المجتمعي والعلاقة مع بيئة مطلوب تبادل الرأي معها بدل التقاطع معها والتمترس خلف ما فرضت ظروف قسرية خارجية ركوبه…

وفي العناد أشكال وأنواع تخص العلوم النفسية التربوية في درسها الأولي الابتدائي.. وتخص كذلك، الدراسات الاجتماسياسية عندما نتسع بمنظورنا إلى الإشكالية في إطار منهج العقل العلمي وحركة التفكير المتسقة في ضوئه.. فهناك عناد سلبي يطبع الفرد بأداء الإطاعة لكن مع التذمر وإقلاق الآخر بضغط التذمر والاعتراض عليه بالتشكي والتبرّم، ولطالما كانت الشخصية البرمة بأوضاعها شخصية عنيدة ولكنها في الغالب مطيعة تنفذ وتلبي ما يفرضه الآخر المسيطر.. ومثل هذا التوصيف هو ما يطبع تنظيمات بعينها وبعض جماعات بسمات اجتماعية سياسية، اقول يطبعها بالنفاق وبتمشية أمور مثل انتخاب الفاسد وإعادته والاشتغال بمزاجية مرائية ازدواجية قيمياً. فهي أطراف تشخّص الإيجابي علنا وتمالئ السلبي خفية وتقية أو تمشية لآليات بعينها…

ومن العناد التحدي علناً والاستعداد لحرب ربما تتضمن أبعد حالات التشنج تجاه الآخر بتسقيطه وإلغائه ومصادرته والعمل على إنهاء وجوده، سواء كان قريبا ناصحاً مفيدا بتقديم خبرة أو رؤية أم بعيدا يقدم ولو مجرد مقترح للتداول…

والكارثة عندما يكون التمترس خلف من يقود تنظيما نحو تخندق في قرار أو خطأ أداء، عناداً حقوداً فعندها لا الفرد ولا التنظيم الواقعان بتشخيص خصلة العناد، يقدمان شيئا أكثر أو أبعد من انتظار الآخر ليفعل أو يقول أمرا ليأتي التفاعل بعمل العكس وقول خلاف ما قال، لا أكثر ولا أقل.. ليس سوى العكس وليس سوى النقيض والمخالف بالضد مع من أحقد عليه لأي سبب أو ذريعة، أذكّر بما يسمى الحقد الطبقي عندما يكون سلبيا في الاستغلال ولا أقصد أي أمر أوسع…

وإذا ما أردنا البحث في ذرائع العناد فرديا جمعيا فسنجد أن المرء والتنظيم بقيادته ومن يوجه خطابه يبحثون عن فرض رؤية أو قرار على الآخرين لمقاصد ومآرب بعينها، أغلبها لمجرد تمشية الرأي على الآخر من باب استعادة اهتمام أو موقع أهمية بعد مصادرتها والبرهنة على صواب ما لا صواب فيه…

وفي مجتمع تختل فيه القيم على خلفية اضمحلال الوعي وتدني الثقافة ويغيب العقل ومنطقه ومنهجه تسود سلبيات كثيرة نفسيا اجتماعيا فتتشكل هويات الشخصية كما يصفها المجتمع بعنادها… وكما مر معنا للتو فإن الاحباط والانكسار وعدم تلبية المطالب والحاجات والحرمان منها يدفع لردود قاسية متشنجة متشددة وربما يدفع التجهيل وشيوع منطق الخرافة والتخلف لعدم التمييز بين الخطأ والصواب فيوقع أصحابه بركوب الرأس والتمترس عنادا خلف رأي كارثي، لا يسنده سوى الادعاء والإيمان بالذات بطريقة أنوية فجة متكبرة تقوم على لا شيء سوى الفراغ…

إن حالات الحرمان من التفكير بمصادرة حق التعبير عن الرأي وحجب أو حظر الحريات يمهد لحال كسل ضد شحذ التفكير وإطلاق اشتغال العقل وإغنائه، فيسود خواء عقلي أو ضعف تجربة ودربة وخبرة ويعلو وضع من عدم نضج فلا يمكنه التمييز بين خطأ وصواب.. كما تتعاظم فرص التمركز الأنوي حول الذات، ويتخيل أو يتوهم (الأنا) وجوده فوق الآخر من كل لون.

لابد هنا ايضاً، من البحث في فكرة ما يصيبنا من إجهاد وفقدان العزيمة وقدرات المواصلة والاستمرار فنتجه إلى قرارات لا صحة ولا صواب فيها؛ لكننا نبرر ونداور ونضلل كي نمررها محاولين إبعاد الآخر عن اكتشاف خوار العزيمة فينا…

إن افتقاد فلسفة التسامح تدفع بالمقابل لحال افتقاد المرونة للتفاعل مع الآخر وقبول مقترحاته بعد اتفاق وتنضيج للرؤية ووسائل تلبيتها.. وهذا ينطبق، أجدد مرة أخرى التوكيد، ينطبق على الفرد والجماعة وبحسب وضع كل منهما أهو وضع متوتر مشحون بالضغوط حد تحويلنا إلى أنبوبة غاز مضغوط أم وضع مريح يوفر فرص التفكير بمنطق العقل العلمي واتخاذ قراراتنا بناء على انفتاح على الآخر وتفاعل مع معالجاته ورؤاه؟؟

عليّ أن أختم القول بأنّ الانفتاح على الآخر ومبادلته الرأي إيجاباً سمة جوهرية في منهج العقل العلمي بينما يبقى ركوب الرأس عناداً ونكاية في ذاك الآخر مجرد موقف سلبي مرضي مسبق لا يقود إلا إلى مطبات الفشل وفخاخها ولكل منهما أسباب ودواع مررنا على توصيف جانب منها في إطارها الأشمل وليس في حدود الإشكالية عند الإنسان بمراحل نموه المختلفة..إن تفعيل منطق عقلي لوجودنا الشخصي الفردي والجمعي المجتمعي العام يتطلب معالجة أمراض تفرضها علينا الأوضاع المرضية الشاذة في بيئتنا بينما تأتي مقاومتنا تلك الحالات بمزيد اتساق وانفتاح على الاخر وبشكل يلبي تغيير الموقف عندما يثبت لنا سلامة التغيير والامتناع عن التمترس وراء خطأ وخطيئة..

1 تعليقك

  1. Avatar تيسير الآلوسي

    ما رأيكِّ بالعناد و ركوب الرأس موقفا يتقاطع مع صواب رؤية الآخر ومحاولته تعديل خطى مسيرة إنسانية بشكل موضوعي هادئ لا يتلقى سوى الصد والتمترس خلف5 الخطأ لمجرد الدفاع عن ذات تدرك خطأ ما تفعله وما اتخذته من رد فعل؟؟؟

    كيف يمكننا تجنب التمترس حول مواقف مخطئة لندخل بوابة تؤدي بنا إلى ميادين رحبة من الاستفادة من تفاعلنا مع الآخر لتضعنا حيث يقاضي منطق العقل العلمي وسلامة التجربة؟؟

    كيف نتخلص من تبريرات التخندق وأوهام الصواب المطلق أو الانحياز إلى طرف ندرك خطأ ما اتخذه؟؟؟

    أسئلة قد تجد مقترحا يعالجها بهذه المقالة ولكن بالتأكيد ما تتفضلون به سيكون مهما للتنضيج ولفتح بوابات التفاعل واحترام الآخر في ممر من ممرات أو بوابات الحوار والوصول إلى الأنجع

    فشكرا جزيلا لكل تداخل وتفاعل وبما يشمل مناحي وجودنا وفضاءات مجريات الحدث بيومنا في الشؤون العامة والخاصة

    الكاتب

اترك رد