الزاوي في المغارة


 

المعيشة على أرصفة الطريق تترك أثرها خيوط ذل على جسد مغموس في عظم، الكلاب تنهش في توحش، غير أني وسط الضباع وقد توزع حلمي ضياعا. لكل متشرد مأوى يحنو عليه حتى ولو كان مغارة في جوف جبل، أو حتى بناية خربة تسكنها بنات الليل أو أنثى الغول، تقذف قاطرات السكة الحديد بأمواج من بشر يأتون من قبلي وبحري، يرسمون لوحة تجتمع ألوانها من المنبوذين، يرتدون الجلابيب فوقها صدريات دون أكمام، الأحذية تأخذ شهيقا وزفيرا، تتلاعب الطواقي فوق رؤوس مثل حب الليمون، منفى اختياري للجوعى، حيث عربة الفول والأرغفة الموزعة على أرصفة الطريق، حبات الفول تتراقص بالزيت الحار، للبنايات رائحة عتيقة، ربما احتفظت القاهرة من كل هذا بأسرار للقادمين بعد مئة عام، تندثر الأشياء ويبقى الحجر شاهدا على رجل قادم من بعيد، ذات يوم صعد جبل المقطم، تقول الحكاية : إنه اختفى بجواده عن العيون؛ صعد إلى السماء، الأرض تأبى أن تطوي أجساد الأولياء، تجرى الخيول ضبحا، تثير الغبار نقعا، وحده الخضر يعلم السر، يجادله موسى الكليم، عند ملتقى البحرين أدرك علما!
عم الشيخ إمام من الصعيد الجواني، فقد صنفوه ثلاثا: صعيدا طيبا، وآخر جرذا، لكنه دائما يصر أن يكون زلقا، ضمته المدينة يسبح في تاريخها، يمجد الفرعون، القلب مثل لبن الشاة صفاء، يتماوج مثل عصفور أخضر، العم إمام يتحرك بكل جسده حيني غضب، يحب الوطن لكن على طريقته التي اشتهر بها، فالكل يدعي وصلا بليلى، وحده يلاعب الجن في مربض الساحة الخالية عندما يأتي الخضر سيجد القلوب غضة مثل الربيع، تدور الحكاية عن فارس جميل يتبع ضوء القمر، ينساب عطره في الأزقة وفي الحنايا ، بين التلال نبحث عن الأثر، محروسة بنت سلامة، جدائلها تتحرك في لهفة المحب، الذئب في الليل لص، وحين يطلع الفجر يرعى مع الغنم، الأزقة تغفو في صمت، تتحرك العيون في حلقة فارغة، من هنا كان يمر الخضر، قرب التلة المباركة تغنى على الربابة الشعراء، مداح النبي يتطوح يمينا وشمالا: الزرع أخضر والورد تفتح، والليل برعم والصبية غزال!
مع الفجر أتى يحمل بيديه الطيبتين عسلا مصفى، الحب نهر قرب الهرم، أصوات المؤذن نداء علوي، يا عم إمام والطريق طويل، العثرات تملأ البر، القطار من بعيد يرفع الراية البيضاء، حمامة وادعة تطير حيث أبواب السماء، القلم الرصاص رسم لوحة جميلة، القلعة فوق الجبل، وعمرو يجوب الصحراء، الأرض مباركة لكنها مطحونة بحجري الرحى، أنا وحدي وأنت إمام، من ذا لا يتبع المقام، للنخيل رقصة سماوية والهوى مائل ثمل، كثرت الحكايات عن وطن مسروق الخبز، الفرن خمدت نيرانه؛ لأن القمح اشتعلت به النيران، من يأتي يا عم إمام بالماء لمجرى العيون؟
العتمة شديدة، موكب السلطان يثير الرعب، والحسين كل آونة شهيدا، الرايات الخضراء صارت بلا لون، الرائحة الندية ذبل ريحانها، وحدك أيها الخضر تضرب فساد الأمكنة بسيفك الذي أماته الصدأ!
مرت أعوام صعاب وأنت الشيخ والإمام، تصلى والجمع بلا وضوء.
عم إمام يعيش في متلازمة الزمن الذي تقزم، يظن الوحش بقلب، ليته ابتعد عنه، مخالبه تقتل البراءة في عيون الصغار ساعة نزول المطر. حيث تدفعه رغبة جارفة إلى الأهل، النيل حيث يجري بلا غاية نحو البحر الفاتح فمه، الطريق به غيلان ومردة، جريدتك الخضراء تراقصت في وسط الرمال القاحلة، هبت ريح السموم، من متاهة الصمت كنت المرتجى، لم يا عم أبعدت وجهتك في معبد تآكلت حيطانه؟

لا تعليقات

اترك رد