الحب بين معضلتين : الاختيار والقدر


 

في لحظة ما، تتّجه مشاعر الإنسان إلى شخص محدّد في الوقت الخاطئ. فيشتعل القلب وتُسلب الإرادة حدّ التّفلّت من الواقع والاستسلام إلى واقع آخر. أو تُكبت المشاعر وتتحوّل إلى ألم مضنٍ وشاق يقيّد صاحبه. فلا هو قادر على التّعبير عن هذا الحبّ ولا هو قادر على الاستمتاع به. فما الّذي يتحرّك في الأحشاء الإنسانيّة حتّى يقتادها الحبّ إلى حيث تريد أو لا تريد؟ وما الّذي يوقد بين شخصين شعلة تلغي كلّ منطق وتُسعد وتُشقي حتّى استنزاف الإرادة الإنسانيّة؟

يقول الأديب الفرنسي لاروشكفوكو إنّ الحبّ يضرب ضربته حيث يريد لا حيث نريد. ما يسرق منّا إرادتنا ويتحكّم بها بشكل أو بآخر. فيمسي الإنسان رهن هذا الحبّ وأسيره ما دامت المشاعر متّقدة. ولئن كان فعل الحبّ غير إراديّ، فهل يمكن القول إنّه يفقد الإنسان جزءاً من حرّيّته ويستعبده وإن بلذّة وفرح؟ أم نقول مع شيكسبير إنّ الحبّ ما هو إلّا جنون؟ فمن غير المنطقيّ أن يبدّد الإنسان حرّيّته في حين أنّه يستميت في سبيل الحصول عليها. أم إنّ هذا الجنون الأعمى حرّيّةً تفكّك عقد النّفس الشّديدة التّعقيد؟

سنغرق في الكثير من التّساؤلات وسيرهقنا البحث في ما لا يمكن تعريفه كمعادلة حسابيّة. فالحبّ اختبار شخصيّ حميم يختلف بين شخص وآخر، وتجربة حيّة لا يعانيها إلّا من يعيشها كما تعبّر سيمون دو بوفوار. لكنّه في النّهاية قوّة تفتك بالإنسان، تنهك إرادته وقد تجلب له السّعادة إلى حين أو إلى الأبد.

الحبّ كفعل إنسانيّ ينزاح إلى التّناقض وتجتمع فيه المشاعر المتناقضة. لذلك قلّما يمكننا الحديث عن حبّ أبديّ إذا لم يستمدّ هذا الحبّ قوّته وقدرته من الحبّ كفعل إلهيّ. وإذا كان الحبّ البشريّ غير إراديّ، وخالٍ من كلّ قرار. فالحبّ الإلهيّ قرار إنسانيّ بمحض الإرادة، وجوع حقيقيّ إلى حبّ الحقيقة. فالألوهيّة حبّ صرف، والله غير مرتبط بفعل الحبّ لأنّه هو الحبّ بذاته. ولئن كان الله حبّاً فهو حرّيّة تتفاعل مع حرّيّة مثلها، أي الإنسان. ولا بدّ من أن تكون العلاقة بينهما إراديّة غير خاضعة لأيّ ضغط، أو خوف.

نقرأ في الشّعر الصّوفي مناجاة حرّة لله الحبيب، تمكّننا من تبيّن الإرادة الحقيقيّة والرّغبة الثّابتة في الحبّ. كما بالعودة إلى الآباء القدّيسين نتبيّن العشق الحرّ لله كما يترجمه المغبوط أغسطينس بقوله: “ربّي قد تأخّرت كثيراً فى حبّك أيّها الجمال الفائق فى القدم والدّائم إلى الأبد”. أو كما يبيّنه الحلّاج قائلاً:

لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي ونجوائـــي
لبّيك لبّيك يا قصدي ومعنائـي
أدعوك بلْ أنت تدعوني إليك فهـلْ
ناديتُ إيّاك أم ناجيتَ إيّائـــي.

لا ريب أنّ الله يزرع في الإنسان بذور الحبّ لكنّ الإنسان بإرادته ينقاد إليه، وإلّا لكان الحبّ الإلهيّ مجرّد رادع للخوف من الغيب. يقول السيّد المسيح: “أحبّوا بعضكم كما أحببتكم” (يوحنا 12:15). فيمنح الحبّ مقاماً إلهيّاً من جهة ومن جهة أخرى يؤكّد على أنّ فعل الحبّ الحقيقيّ الأبديّ لا بدّ من أن ينطلق من الله الحبّ.

لا تعليقات

اترك رد