الجامعات وكهنة البحث العلمي

 

الجامعة مؤسسة للعقل والعلم والحرية تنشر الضياء في الفضاء الفسيح ، وتصنع الأجيال والعقول المتبصرة في حقول العلم والمعرفة والتمدن .

فبين حيطان وقاعات وأروقة الجامعة لا بد أن يسمو العلم وثقافة الحرية ، وتسود العقليات الأكاديمية المحترمة ، التي تبجل المواهب و العطاءات العلمية، وتقدر فن الاختلاف ، و احترام الرأي والرأي الآخر ، وتمجد قيم التسامح ، والبسالة الأكاديمية .

لا بد أن تكون الجامعة مناراً لحرية العقل والضمير ، وأشد القلاع دفاعاً عن حرية الرأي وكرامة الإنسان ، وأكثر المؤسسات تشجيعاً لثقافة النقد ، ضد ثقافة الكبت والإلغاء والاحتواء والتكفير والتخابث والتآمر .

فالجامعة ليست مؤسسة فوق النقد ، وليست صنماً للرهبنة والتقديس والكهانة الروحية ، ليست موقعاً مقدساً لممارسة الركوع والسجود وتأدية فروض الطاعة لمن يدمرون القيم الجامعية .

فهل الجامعات العربية دفعت بعمليات النماء إلى الأمام ؟ ولماذا تتقدم جامعات العالم وتتقهقر الجامعات العربية ؟ وهل مشكلة الجامعات العربية هي مشكلة تجهيزات ومباني وخرسانات مسلحة أم هي مشكلة عقل وكفاءات وقوانين إدارة ؟ ولماذا يطحن المناخ الأكاديمي الرديء الرأسمال البشري المؤهل ويطلق النيران على كل عقل متنور ؟ وهل استطاعت الجامعات العربية هز عروش التخلف وخلخلة البُــنى والمؤسسات الصلدة والعتيقة في الفضاء العام ؟ وهل التدخل الخشن وغير المنطقي للسياسة كسر موازين العلم وأضعف القيم الأكاديمية النجيبة ؟ أين يكمن الخلل ؟!!! .

فأوضاعنا مقلوبة رأساً على عقب جعلتنا نترنح على شفير الهاوية ، فالأولوية المطلقة فيها للسياسة وثقافة التعصب والتحزب السياسي ، الأمر الذي مهد السبيل للانتهازيين للصعود السريع في سلالم المناصب الأكاديمية ، ومكن المداهنين وكهنة البحث العلمي من إطلاق أفكار مبتذلة لا تطاق عن البحث العلمي مؤدية إلى سراب خادع .

فكلما كثر الحديث عن البحث العلمي ، كلما تشققت جدران البحث العلمي وضربت الصواعق والرياح الضمير الأكاديمي واتسعت مساحة الفساد ، (( فالمناخ الفاسد – على حد تعبير د. عاطف أحمد فؤاد – يفرز فكراً فاسداً )) .

فالبحث العلمي اليوم (( يقتصر على أغراض وظيفية تهدف الى الترقية أو الحصول على اللقب العلمي، فمعظم الدراسات المقدمة لهذا الغرض لا تحتوي على إشكالية تعالجها أو سؤال تجيب عنه ، فضلاً عن الانقطاع بين الموضوع الذي تعالجه وقضايا العصر من ناحية ، واحتياجات المجتمع الذي نتوجه إليه من ناحية أخرى . أما النتائج التي تتوصل إليها فهي في معظمها اجترار لدراسات سابقة دون إضافة إبداعية أو إعمال لفكر نقدي خلاق )) ” د. اعتدال عثمان ” .

فالبحوث العلمية الرصينة التي ينتجها البعض من النجباء هي ثمرة إبداع حقيقي لعقول وضمائر نظيفة كسرت قوقعة الرتابة واخترقت جدار الصمت القاتل ، في ظروف قاسية وبيئة علمية متصحرة غير مشجعة للبحث العلمي وخانقة لأنفاس المتميزين .

ففي جوف هذا الزمن الرديء تنتفخ صور المتغندرين بالبحث العلمي ، بعقولهم الحجرية وثيابهم المرقطة ، وكلماتهم المتحذلقة التي تعمي الأبصار بطنينها وبريقها الزائف .

نعترف لكهنة البحث العلمي بذكاء التلون ، ولا نقر لهم بالإبداع إلا من زاوية أخرى غير زاوية البحث العلمي .

لا تعليقات

اترك رد