بين النقد والرسم التشكيلي عند الفنان غالب المنصوري

 

عبر مسيرته التشكيلية تعانقت وتجانست معه حيثيات الاداء الفني للرسم الذي أتسم بالمهارة عبر مراحل التأسسي الأكاديمي, مرورا بمراحله الاحقة التي تنحو نحو منطقها الحداثوي المعاصر, والذي يرتكز الى جذوره التأريخية للبلد مجسدا في ذلك الحروف العربية بأنواعها المتناظرة بحركتاه وموقعها السيميتري المتناظر, كي يشكل عملية التوازن الا شكلي الحر, وبألوان تستوقف الناظر بشفافية وحيوية, تجسد ذلك في معرضه القريب زمانا ومكانا لي, ونحن في شكمال الدول العالمية, في ولاية مشيغان الأمريكية, أنه معرض متنوع في الخطاب والأفصاح, ومتوافق في الأتجاه الأسلوبي, يعد من المعارض المهمة خارج العراق الذ جلب الحظور من جمهور متنوع, ومن ضمنهم الفئة المثقفة الادبية والفنية المعروف.

لقد كان المعرض أيصال لمنجز متنوع من المضامين والأهداف, وفي مقدمتها عكس الوجه الحقيقي لبلد أنغمرت فيه معالم الأبداع في وقته الحاظر, تلك الأيصالات, هي هوية البلد عموما, وهوية الفنان خصوصا. لقد أقترنت مع أنجازاته الفنية, قدرة متواصلة في الكتابات النقدية بطريق التأمل والتفسير والتحليل, لأعمال الفنانين التي تحتاج الى أيصال معرفي الى عموم التركيبة الأجتماعية, ونحن في زمن تقمصت فيه تلك المهام النقدية والأعلامية على حد سواء.
العالم فراغ كبير فيه نقطة …

في أعمال الفنان غالب المنصوري (العالم فراغ كبير فيه نقطة) لو عدنا الى تأسيسات الفنان المنصوري قبل عقدين ونيف من الزمن، نجد أن نمطية البحث لديه المصحوبة بالجدية والتفتيش عن الأرتقاء في الأداء الأكاديمي كتطبيقات دراسية أولية – في الموديل والطبيعة وغيرهما، لاسيما في معرضه داخل الأكاديمية، أو معارضه الأخرى في الفترة ذاتها, حيث المنجز الغزير وخاصة في التخطيط – وقد كانت تخطيطات تنم عن مهارة أكسبتها الممارسة المستمرة – خطوط رشيقة لا تشوبها خطوط أخرى لغرض التصليح والموازنة، تلك الصورة بقيت راسخة في الذاكرة – كان الفنان غالب المنصوري يبحث عن الجديد، بعد التزامه الى فترة طويلة بأصول الأعمال الواقعية كرسم الخيول، الطبيعة، سمات عامة, ومواضيع, بعد تلك المخاضات التي أشبعت ملامح الرؤى لديه،


بدء يتلمس آفاق أخرى من الرؤيا منعمة بأطراف المطلق، وتحقيق الذات معاً، تلك المنطلقات بدأت بوادرها عند الفنان لتحقيق عالمه المرئ، برغم أن تلك الهواجس كانت جذورها تستند الى الأصول التي انطلق منها – الفنان – فالممارسة لديه خصبت عوامل ولادة تلك الملامح الأدائية في الأتقان الأكاديمي خدمة لتلك السمات التي أرتئاها لنفسه، ومن الجدير بالذكر أن أعماله الواقعية ومنها الخيول في تلك الفترة مستمدة أجوائها من البيئة العراقية – حيث تختلط الألوان الترابية مع المفردات الأخرى كالبسط والمنمنمات، فإنتماء الفنان الى جيل – السبعينات – قد حدد سمات عامة لذلك الجيل منها تأثيرات أستاذه فائق حسن، الا أن تطلعات الفنان الذاتية عن تطبيقات منهج رؤيته الخاصة للمحيط والألغاز الأخرى في الطبيعة قد حتم عليه أن يرسي ذلك المخاض في تحقيقات توائم تلك الرؤية الذاتية .. ومن الملاحظ أن أعمال الفنان غالب المنصوري الأخيرة – التجريدية – ذات خصائص مميزة في التنفيذ والنتائج، ففي معالجته الأنشائية لتلك الأعمال، نجد أن الكتلة هائمة وسط فراغ مطلق. والكتلة توحي الى أوصال من جسد أو رأس يرمز الى الفكر الذي ينطلق من مركز الرؤية الى المحيط الكوني ..

أن البحث عند الفنان عن المجهول يصحبه القلق أزاء عالم مليء بالصراعات, والأحتدامات, والتوترات الصاخبة، أزاء هذه التصادمات يبحث الفنان- غالب المنصوري – عن أيجاد عالم يسمو به لتحقيق أحلامه الساكنة، لكي يتلمس حافات الأستقرار لتلك الهواجس النفسية ، لذلك فالفضاء هو أحتواء وليس ضياع في البعد السرمدي، وهو تحرير الذات من الذات، لكي يتحقق الأنسجام في مناخ اليقظة. أما في مجالات التقنيات، نلاحظ أن الضبابية والعتمة التي نجمت عن الأختلاطات اللونية وعدم التلويح والأفصاح عن المباشرة في الطرح جعل تلك الأيماءات قابلة للتأويل في الرؤيا والتأمل، عدا ما يتخللها من بعض الحروف والمرموزات الأسطورية التي تختفي أطرافها مع تلك التداخلات العامة, أي أن الرؤية لدى الفنان غالب المنصوري في المنظور(الميثولوجيا) للأشياء عبر مراحل الأزاحات قد توحدت في وعاء التنقية، والفرز والربط كنتيجة منطقية لمدركاته الحسية المستندة على تشذيب النتائج ، والتقصي عن مفردات تجري على وفق تصوراته الخاصة.

لذلك فالفنان يحرص على أن يجعل تلك النتائج مرتبطة أفصاحاتها ومدلولاتها بمناخ رؤيته الفلسفية المرتبطة بالمحيط. فهو لا يكترث للحسابت المقننة لغرض الأثارة الشكلية للمشاهدة، بقدر ما يهمه التطبيقات المجسدة لمنطلقاته البدئيه للحياة والكون. من هذا المنطلق يبني الفنان غالب المنصوري مشاريعه في التنفيذ، كتجسيد للذات والموضوع في أطار فلسفته الخاصة، وأن الروافد والمفردات جميعا هي خدمة لتللك الغايات. لقد أدرك الفنان من خلال تنفيذ مهاراته السابقة، أن أغراق العمل في التضادات الوهاجة في اللون (التباين) أو الأشكال (الملمس) من شأن ذلك أن يفوت عليه تحديد ملامح أيحاءاته الغائبه في الجوهر والشكل معا، ولكن في الوقت ذاته فأن هذا الأمر(نتيجة للخبرة) في التقنيات قد تلمس حسه التجريبي بنتائج منسجمة مع الغايات للمحتوى والجوهر .

ومن خلال مقارنتي بين أعماله الحالية وأعماله السابقة، وجدت أن أعمال أخرى, فيها أظهار للأشكال واضحة للعيان وخاصة (الحروف) ومفردات الفلكلور الشرقية، ولكن يبدو لي أن أعماله التي تحدثت عنها هي أقرب الى مكنوناته الذاتية، وهي أصدق تعبير عن رؤاه، فهي منفلتة من عوامل الشروط الأخرى التي تنفذ بالطريفة، الأفتراضية, فنجد أن الفنان تتوافر لديه الحرية في الأفصاح عن أفكاره, بها، كإنطلاق الطير من رأس أنسان الى عالم الفضاء اللامحدود .. أن الفنان يجسد ذاته من خلال هذا الطير الذي ينفلت من الجسد، الذي يثقل نزوع الأنسان للبحث والتحري عن مكنونات المجهول الى عالم الفضاء الذي يجد الفنان مبتغاه لتحقيق أحلامه وأفكاره المؤرقه، عالم قد يجيب على تساؤلاته التي طالما شغلت أفكاره علها تجد الحلول لفك تلك الألغاز ..

الا أن الفنان من جانب آخر لايعبر عن قلق يشوبه الشك في عدم أطراق المسالك التي تقوده للأستقرار والأستكانة، فإستكانته هي البحث والنزوع الى التفتيش والدحض ثم الأجابة, فالأنفلات من الجسد ليس الهروب منه, بل تحرير الذات من الذات كما ذكرت في المقدمة وهي من جانب آخر تفريغ الأنفلات بالموازين العقلية، التأملية وليس بالأسهاب الصوفي المحض فالشكل عند الفنان مرتبط بالجوهر ومكمل له، لايذوب الشكل في الجوهرفي المظهر العيان، الا أن الأتصال قائم على أوتاد العلاقة في نتائجه التكميلية لذلك فأننا نجد أن الفنان يولي أهتمام كبير(للفراغ) المحيط بالكتلة لاعطائة مدلولا غائبا كما ذكرت يعبرعن (فكر) وهدف يمتد الى أطراف (مطلقة) كي تظهر عظمة (الفراغ) والمحيط أزاء كتلة الكيان البشرى ولكن في الوقت ذاتة لها عظمة ذلك المجال في أرجائه وأبعاده المترامية, يبقى الكيان البشري هو المركز وهو المحور الذي تتحرك على وفقه كل النتائج، وتتجمع عند مركزه كل شتات بقاع العالم، لذلك فالمساحة المحيطة لها قيمة معبرة عن الأهداف المبتغاة لمسعى الفنان في البناء الشكلي والجوهر على حد سواء.

أن أبعاد المفهوم الفكري لفلسفة الفنان – المنصوري – نحو العالم يتجلى بعلاقة الوجود الفاعل بين السكون أو الفراغ, والعالم بمفهومه العلمي, وبنيته التشكيلية هو: عبارة عن حركة وسكون, ثابت ومتحرك, أنه تجسيد لأيقاع يمثل السلب والأيجاب, فأذا كان العالم بعظمة سعته يمثل فراغ يخلو من الموجودات, فأن النقطة هنا تمثل الوجود داخل العدم وأنها هي اللبنات الأولى نحو محتويات المادة والطاقة, ولا معنى ولا شعور نحو الموجودات دون وجود كيان مجسم له أبعاده المرئية, وهذه الشيئيات المتعددة الوجوه والمعاني تنطلق من بدائيات النقطة, وجينما تتجاور النقاط مع بعظها ستشكل بالنتيجة أوجه وأبعاد المجسمات للوجود بدءا من الخطوط بأنواعها: العمودي, والأفقي, والمنحني, لتجسيم العالم المرئي .. ولهذا فالمقارنة لا تبدوا كما توهمنا عبارة ضحالة الصغر داخل فسحة الكبر ..

فالوجود أصلا يتجسد معناه بأهمية النقطة مهما كان حجم محيط الفراغ. فلو نظرنا الى مساحة كبيرة جدا بيضاء, تتوسطها نقطة صغيرة مهما كان لونها, فأن العين تنصرف عن المشاهدة الى المساحة المحيطة المترامية الأطراف, متجهة صوب النقطة التي تشكل البؤرة المركزية لسحب النظر. ولذلك فالعالم يتجلى وجوده بأيجاد كينونة يماثله الكيان الأيجابي – النقطة – مع ما يحيطها من – فراغ – الذي يمثل الجانب السلبي, تلك هي المفاهيم الفلسفية, التي يلوح لنا بها الفنان غالب المنصوري في رؤيته وأطلالته الشاملة للكون.
طوطمية المرموزات الفنية

تتكاثف صيغ التجسيدات التشكيلية عند الفنان غالب المنصوري بمرموزات متنوعة المرجعيات لتشكل بناءا تكوينيا يوحي الى معاني ودلالات مرتبطة بميثلوجا تأخذ صيغ الأستعارات مدلوله الرمزي الذي يقترب من معناه “الطوطمي ” كأشكال أيحائية .. تتمثل بأعناق الطيورأو مصادر أخرى. أن تلك التكوينات تأخذ صيغ محصلة البناء الخارجي للتكوينات, ولكن عند الغور في تأمل الوحدات التركيبية للعناصر المفردة نجد أنها تستمد من مرجعيات متنوعة لفلكلور حديث وقديم, تتجانس فيها منظومات الأداء التنفيذي لتلك الوحدات, منها – اهلة – تعلوا التكوينات أو تجريدات مبسطة لقبب, طيور منطلقة ومتحررة من أماكنها نحو الفضاء المطلق, وأشكال هندسية متنوعة منتظمة الزوايا والأوجه والحافات, وخطوط متحررة من بنائها الهندسي الرتيب, وتتداخل بجزئيات متناهية الدقة في الأحجام تتبدل أجوائها مع تبدلات المناخات اللونية العامة لها, وتشكل التغيرات اللونية بهيرمونيتها الأنتقالية بين المساحات شكلا أنسجاميا يتحقق فيا الأمتاع البصري, وتسرح فيها تأملات البصيرة,

أن القيم الجماليت تتحقق بتوافر القيم اللونية, وأن القيم اللونية تتحقق بتوافر زخم الأشباع اللوني, أي بمعنى ترافد محصلات القوى اللونية بعناصرها العلمية الممنهجة. وهنا نجد توافر هذه الشروط في أعمال – المنصوري – كحالة ناتجة عن أمتداد لمخاض غمار الدراسة الواقعية السابقة, ومن الملاحظ أن الفنان لا يعمد الى أخفاء التفاصيل تحت أجنحة المساحات المتضادة, لغرض أختزال المتابعة الأدائية لنصوصة البصرية, وأنما متابعة التفاصيل ببناءات تنفيذية تستوجب المناظرة الزخرفية في الأظهارالشكلي والبنائي, ولكن بطريقة – الأيقاع الحر- وليس بأيقاعه المتكرر من هنا نجد توافر تحقيق المستجدات التي تفرزها تلك التبدلات الأيقاعية على نحو – حر- وبالرغم من أستخدام الألوان ذات القيم الجمالية المشبعة في أشعاعها الباث الا أن بعض الأعمال عكست أجواء مماثلة الى الخامات والمواد المعتقة,

كأتصال وتوافق ضمني مع مدلولاتها الفكرية والشكلية لنصوصه البنائية, أي أنسجام التقنيات مع أرتباطها التاريخي , والزماني , وبهذا فأن حسابات الفنان لم تغرق في أغراءات الأخراج الشكلي فحسب, وأنما الحفاظ على الموازنات الضمنية, والدلالية لها. ومن الملاحظ أن الفنان – غالب المنصوري – حينما يخرج لنا محيطات الأشكال بقيود ومنظومات متسقة تأخذ طابع المستقيمات الحادة, وأنحناءاتها الملتزمة, فأنه في الوقت ذاته يفاجئنا ببغتة, تكسر طوق ذلك الوهم البصري في سياقه التقليدي , تهشيم بعض الزوايا, أو الحافات من أجزاء التكوينات, فتتبعثر أجزاءا منها الى نحو بعيد, قد ينجم ذلك من السعي الى التبدلات التي ذكرناها في المفردات الصغيرة الى أجزاء أكثر فعالية ونتيجة لصراعها الداخلي.

لا تعليقات

اترك رد