بقايا حلم ..(على حافة الهاوية)!


 
onedge

قبل بضع سنين قرات كتاب (ثورة في العراق 1958- 1963 ) لمؤلفه جعفر الحسيني، وقد لفت انتباهي ان الكاتب عالج قضية مهمة في تاريخ العراق، تتمثل بالموقف من الحقبة الملكية واسباب انهيار نظامها في العام 1958 بطريقة خلت من التشنج والانفعال الذي يسود قراءات الكثيرين للتاريخ، ممن تهيمن عليهم اسقاطات الحاضر المرير الذي بات يفرز اسئلة جوهرية، نجزم انها مازالت من دون اجوبة حاسمة، بسبب التشتت العقائدي الذي يطبع واقعنا السياسي وعمقه الثقافي المتمثل بالطروحات الحادة والتنظيرات المتناشزة .. لقد شخّص الكاتب وبطريقة علمية اسباب انهيار النظام الملكي، الذي وجد انه ولد وهو يحمل اسباب انهياره وموته، نتيجة القوانين الجائرة التي قسّمت المجتمع الى قلة من الاسياد واغلبية من العبيد واعدمت فرصة قيام تنمية مستدامة تنهض بدولة يجب ان تشق طريقها نحو التقدم والاستقرار في عصر الحداثة والتقدم. وانقل هنا بالمعنى وليس بالنص، وقد توقفت عند الكتاب في عمودي اليومي في جريدة المشرق، محييا إياه ومبشرا بطروحاته التي اعتقد انها ومثيلاتها يجب ان تكون اساسا لحوار عميق نحتاجه اليوم اكثر من أي وقت مضى لنعرف الى اين نحن سائرون!
مؤخرا، وصلني كتاب اخر للحسيني عن طريق الصديق الشاعر زعيم النصار، صاحب دار الروسم للطباعة والنشر بعنوان ( على حافة الهاوية .. العراق 1968- 2002) وقد جاء الكتاب باكثر من 430 صفحة من القطع الكبير، وعلى الرغم من ان الباحث او المؤلف اراد ان يستشرف مستقبل العراق بعد حرب العام 1991 وما تلاها من تداعيات، منوهين الى ان الكتاب صدر قبل الغزو الاميركي للعراق في العام 2003، الاّ انه جاء بانوراميا في معلوماته المتصلة بتاريخ العراق المعاصر، برموزه واحداثه والصراع عليه ايضا، مشفوعا بموقف المؤلف الذي تعكسه ثقافته وميوله السياسية طبعا .. يستطيع من يقرا الكتاب ان يلمس الجهد البحثي الكبير الذي بذله الحسيني وهو يلاحق الحدث العراقي بمدخلاته المباشرة وغير المباشرة وبرصد لايخلو من حصافة ونظر ثاقب الى المستقبل، اذ كانت قراءته دقيقة في اكثر من موقع لما سيؤول اليه وضع العراق، قراءة مقرونة بمسح واسع لاحداث التاريخ القريب وموقع العراق بصفته دولة مؤثرة في محيطها الاقليمي والدولي، واهميتها في ستراتيجيات الكبار وهم يرسمون مستقبل المنطقة، ولعله كان جريئا وواقعيا جدا وهو يتعرض لمشاكل العراق الداخلية والخارجية المختلفة وصولا الى ارهاصات الحدث الابرز في تاريخنا المعاصر، الا وهو ازمة الكويت او بالاحرى (قضية الكويت) سواء على مستوى المشغل السياسي العراقي بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 او ماحايث ذلك من مواقف داخلية وخارجية، مستثيرا كوامن احداث غافية في حضن التاريخ، بدءا بعهد الملك غازي مرورا بعهد بالجمهورية الاولى وانتهاء بالعام 1990 والموقف الغربي من العراق وضرورة انهاكه كدولة راى الغرب، لاسيما اميركا، انها يجب ان تكون في محورهم ومعترفة باسرائيل ايضا، معرجا على دور الجيش العراقي في حروب فلسطين والعمل على امكانية تحييده وصولا الى توريط العراق ومن ثم تدميره. لاشك ان هناك من يختلف مع المؤلف في بعض المفاصل والمواقف التي طرحها في سياق معالجته للاحداث او قراءته لها، لانه يشتغل داخل منطقة فكرية او سياسية مختلفة ومتعارضة مع النظام السياسي السابق، وان لم يظهر هذا الاختلاف بصيغة ايديولوجية معينة، لان المؤلف ظل ملتزما اصول البحث الذي اراد منه ان يقدم خلاصة، ترى ان مدخلات الحدث الذي انتهى الى تدمير الدولة العراقية في العام 1991 لايمكن النظر اليها من زاوية اجرائية تتصل بتفاصيل خلافية فقط، وانما هو تجل اخير لموقف ستراتيجي مبني على تصور غربي لمستقبل العراق والمنطقة، وان هشاشة الواقع السياسي وعدم وجود ستراتيجية مواجهة كافية، تتكىء على قراءة واعية للمستقبل ، ادت الى الوقوع في الفخ الذي نصبه الكبار، كما يرى طبعا.
سعة الكتاب وتشعب تفاصيله اغنت الموضوع او المقولة الرئيسية التي اراد الحسيني ايصالها، وهو يرى العراق بات على حافة الهاوية، لانه كتب قبل الغزو والاحتلال، كما اشرنا، وان من يهمه الاطلاع على تاريخ العراق، سيستفيد من المعلومات الغزيرة المتوفرة في هذا الكتاب، وله الحق في الاتفاق مع المؤلف او الاختلاف لاسيما في بعض التخريجات التي تحتمل الاجتهاد، لكن ذلك لايعدم الاهمية العلمية لها، وان ظل في بعضها امينا على مصادر بحثه التي لاتخلو من غرضية مسبقة او قراءة جهوية ومنقوصة، كما لاحظنا في مقدمة معالجته لاتفاقية 6 اذار 1975 التي جاءت مبتسرة وموجهة، او بدت لي كذلك، لكنه وفي اطار عرضه اللاحق للاحداث افصح عن الكثير الذي يستحق ان يقرأ اليوم وبصوت عال!
في الختام، اود القول اهمية أي كتاب تكمن في مقدار ما يحققه من تفاعل معه وبقدر مايثير الكتاب من اسئلة او يطرح اجوبة، لاسيما في الامور ذات الطبيعة الجدلية، لان في هذا اغناء للحوار الذي توفر عليه هذا الكتاب بالتاكيد.

المقال السابقمن رحم الفصحي ؟!
المقال التالىحَاربْ
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد