ثقافة التنمية وتنمية الثقافة


 

في إطار مهرجان “القرين” الثقافي السنوي في دولة الكويت، إلتأمت ندوة مهمة نظّمها “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب” بعنوان ” اقتصاديات الثقافة العربية ودور الكويت في تنمية المعرفة”. والحقيقة أن العنوان يحمل تفاصيل عديدة ومتفرّعات كثيرة، يتداخل فيها دور القطاع العام والخاص في “تنمية الثقافة” وفي “ثقافة التنمية”، كما يندرج تحت العنوان ذاته دور الهيئات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية في نشر الثقافة من جهة وفي تعزيز اقتصاديات الثقافة من جهة أخرى، بما فيها الثقافة الاليكترونية (النشر الرقمي)، خصوصاً وأن السؤال يتعلق بالمستقبل، فهل الثقافة سلعة أم خدمة مساعدة ترفد التنمية؟

وإذا كانت اقتصاديات الثقافة في العالم وصلت إلى آفاق رحبة وحققت نجاحات باهرة على هذا الصعيد، فإنها في العالم العربي ما تزال في بداية الطريق، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة الانفاق في البلدان العربية لا تزيد عن 3 بالألف من الدخول القومية، بل إن بعض البلدان أقل من ذلك بكثير على الرغم من أن الدساتير العربية جميعها تقريباً تشير، وبدرجات متفاوتة ومختلفة، إلى مسؤولية الحكومة في رعاية الثقافة، باعتبارها “حقاً” لكل مواطن تكفله الدولة وتلتزم بدعمه.

ولعلّ هذا الأمر يستوجب إجراء مراجعة مسؤولة من جانب الحكومات والقوى الفاعلة في المجتمع حول قيمة الثقافة كحاجة روحية للإنسان، وخصوصاً حين تقترن بالمعرفة، انتاجاً ونقلاً وتلقياً، مثلما تمثّل مورداً أساسياً للدخل يمكنه أن يعود بمردود مادّي ومعنوي على الدولة والمجتمع والفرد بما يتفاعل مع عملية التنمية.

وإذا كان على الدولة أن تلعب دوراً محورياً في التنمية الثقافية، بتخصيص الموارد والبيئة الحاضنة لتفجير طاقات المجتمع والفرد، فلا بدّ لها من التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني ومع قطاع أصحاب الأعمال، ومهما يكن دور المؤسسات الثقافية في التعبير عن الواقع المعيش وحياة الناس، لكن مسؤولية الدولة تبقى أساسية، سواء في سن القوانين وتشريع الأنظمة أم في ضمان كفالة الثقافة وحمايتها لتحقيق السلام المجتمعي باعتبارها جزءًا حيوياً ومهماً من التنمية.

وقد أصبحت الثقافة مجالاً واسعاً وكبيراً للاستثمار حيث توجد بلدان تقوم اقتصادياتها على الثقافة بجميع جوانبها، ابتداء من موروثها الثقافي إلى الحقول العلمية والتقنية ووصولاً إلى الذكاء الاصطناعي ” الروبوتات”، ويتعلق الأمر بتنمية المعرفة كجزء من الثقافة بما فيها الخيال الذي هو حسب عالم الفيزياء الشهير آلبرت آينشتاين ” أهم من المعرفة ” حيث ينضوي تحت لوائه : الإبداع والابتكار والتميّز والتجديد.

والثقافة بهذا المعنى هي أحد الأسلحة الناعمة والمؤثرة في عملية التنمية بمفهومها الإنساني الشامل والمستدام، ولا نقصد بذلك “النمو الاقتصادي ” فحسب، بل “توسيع خيارات الناس” في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية والنفسية، لإحداث التطوّر والتغيير المطلوبين. ومن الصعب تصوّر تحقيق التنمية المستدامة دون ثقافة، الأمر الذي يقتضي الربط بين التنمية والثقافة، لأن أحدهما يكمّل الآخر، بل هما وجهان لعملة واحدة، وهناك علاقة جدلية ومصيرية ووجودية بين الثقافة وأي مشروع تنموي.

وإذا كانت الثقافة هي نتاج لكل الناس، لذلك ينبغي أن يكون استهلاكها لكل الناس أيضاً، لأنها لم تعد محصورة بالنخبة فحسب، والإبداع هو كل ما يشمل التعبير عن إحساس المجتمع بالجمال والحرّية والهوّية الإنسانية، وهذا جزء من الاقتصاد، فالسينما والمسرح والفنون والآداب والسياحة، بما فيها السياحة الدينية والآثارية ، تمثل استثمارات اقتصادية كبيرة للجميع بما توظّفه من خدمات ونقل وأماكن إقامة وغيرها من الفرص الكبيرة لخلق وظائف لآلاف الناس.

واستناداً إلى ذلك فالثقافة ليست مجرد هامش تعبير، بقدر ما هي مكوّن أساسي من مكوّنات التنمية، ولكنها اختُزِلت في ظل الآيديولوجيات الشمولية ليقتصر دورها على الإرشاد والتوجيه والدعاية، وحتى اليوم فالتعامل معها يُنظر إليه من باب الإلحاق والتبعية ، بل إن الصراعات السياسية المحمومة على تولّي المناصب “السيادية”، لا تضع الثقافة في صلب اهتماماتها، حيث دائماً ما يُنظر إليها نظرة استصغارية.

أما أهم الكوابح التي واجهت الثقافة والمثقف على المستوى العربي فهي: شحّ الحريات والثيوقراطيات الدينية والانقسامات والصراعات الطائفية، إضافة إلى العادات والتقاليد البالية، وقلّة التخصيصات المالية من جانب الحكومات، فضلاً عن تحكّم رأس المال بالتوجهات الثقافية، يضاف إلى ذلك محاولات فرض استتباع خارجي لتعميم نمط الثقافة السائدة ذات المضمون المعولم، لاسيّما بتسليع الثقافة، دون أن ننسى ما للتعصّب والعنف والإرهاب من تأثيرات سلبية على الثقافة والتنمية في السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي تدارسته “ندوة القرين” التي ضمّت نخباً فكرية وثقافية عربية متنوّعة وحثّتهم على تبنّي الدعوة لبناء مشروع ثقافي عربي لمواجهة التحدّيات والاختراقات التي تواجهها الأمة العربية، مشفوعةً بالدعوة لتأسيس مجلس أعلى للثقافة العربية يجمع بين الجهات الحكومية والمفكرين والمثقفين العرب وممثلين عن القطاعين الخاص والعام لإطلاق مبادرات ثقافية جامعة تكون جهة تواصل وتفاعل بين الجهات المختلفة المعنية بتنمية الثقافة وبثقافة التنمية.

شارك
المقال السابقالعراق الجميل
المقال التالىالدولة الفاشلة
المفكر عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عراقي متخصص في القضايا الاستراتيجية العربية والدولية درس وتعلّم في النجف وبغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد واستكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية). عضو ف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد