أثر اللغة الفِلْمية في النص الروائي: رواية دابادا لحسن مطلك أنموذجاً ج١

 
أثر اللغة الفِلْمية في النص الروائي: رواية دابادا لحسن مطلك أنموذجاً ج١

لقد استنطقت عدسات التعبير الروائي المعاصر أهم مفردات اللسان السينمائي المتمثلة بـ(السيناريو _ الكاميرا _ المونتاج). وذلك صادر عن البيئة الداخلية لهذا التعبير، والذي أعنيه بهذه البيئة هو القيمة الجمالية التي تعطي لهذا التعبير حضوراً خاصاً مع أية قراءة كاشفة. باعتبار أن القراءة هي عملية تقشير المرآة.. لكي ترى أبعد من وجهك وهذه هي القراءة الكاشفة التي لا تقف عند حدود الذاتي الذي يطفو على سطح الفعل القرائي، بل تغوص أعمق لسبر الهم الكوني بوصفه الظهير الأصيل لكل عمل أدبي يطمح للبقاء في ذاكرة القراءة أما كيفية الصدور فلها منطلقات مستنتجة من الحضور الذي أسسه الفن السابع (السينما) _ بالميثاق التواصلي _ مع المتلقي، واهم هذه المنطلقات:_
أحسَّ العمل القولي أن العمل البصري أصبح يشكل تهديداً لشعريته التعبيرية وذلك ما تعلنه التقنية العليا للغة السينمائية عن طريق عرض المُعَبر عنه بشكل أيقوني محسوس (مجسم) ومن زوايا حرجة بالنسبة للعمل القولي.. وذلك ما تتبناه الكاميرا.

كذلك عملية البناء المشهدي التي تجعل لكل حركة، داخل المكوّن العام للمشهد، سواء في الكادر أو في الزي أو الديكور..الخ، قصداً حاضراً وفاعلاً في السياق والأمر نفسه بالنسبة للعمل القولي، ولكن ليس بالفاعلية نفسها، فمثلا عمليات المنولوج في الكتابة تُقرأ.. بينما في السينما تُعاش.. الأمر الذي يفتح أمام فعل التلقي سياقات أخرى. وعمل البناء المشهدي هذا هو ما يتعهد به نظام المونتاج تسانده في ذلك دوريات المراقبة الإخراجية.

بقي المنطلق الرئيسي وهو أن الرواية ـ بوصفها شكلا من أشكال السيناريو ـ عملت على (أفلمة) نظامها التعبيري من خلال قدرتها على جعل القارئ يحس بوجود فريق عمل سينمائي يرافق برنامجه القرائي. وهذا لا يعني أن يكون التعبير فيها مرسوماً على ضوء ما تقرره أدوات العمل السينمائي، من تسلسل منطقي ووضوح في التعبير وغير ذلك. ولكن يعني أن يكون هناك حضور مسجل لأنظمة الخطاب السينمائي يعطي انطباعاً أن الكاتب المعاصر مستقرئ فاحص لأنظمة هذا الخطاب. ونحن هنا بصدد قراءة مواجهة لروائي مهم في مشهد الرواية العراقية المعاصرة وهو الروائي الراحل (حسن مطلك) على الرغم من أنه معروف برواية واحدة وهي الرواية الشهيرة (دابادا). ولكن القارئ الخاص لها يكتشف أن هذا الكاتب كتب في داخلها العشرات من الروايات. حيث أن رواية (دابادا) هي رواية متجاوزة لآليات إنتاج القول الروائي المألوف، فهي (تتحدى قدسية التراث الروائي بأكمله) (1 ). وذلك عن طريق استهدافها للقارئ، فهي في شكل من أشكالها القرائية تؤسس لوضع القارئ في لعبة نفسية لا تسمح له بالخروج، من بين سطورها، بمسميات استنتاجية على المستويين الموضوعي والدلالي. مما يقتضي بقاءه داخل لغة الرواية. وهذا ما يؤكده الكاتب نفسه في قوله: (كتبها ليحمي نفسه من القراء) ( ) فهذه مقولة قصدية تعني ما يترتب عليها وليست مقولة وقائية. فهي تستفز المنهج القرائي بكل ما يرافقه من المذاهب (التاريخي، الاجتماعي، البنيوي، السيميائي.. الخ).

دابادا:ـ هي الرواية التي لن تكون كما يفهمها أي مشروع قرائي، وستظل عصية على توصيفات الدرس النقدي العربي.

إن قراءتنا هذه تشتغل على كشف أثر مفردات اللسان السينمائي في تنشيط أنساق التعبير في رواية (دابادا) واضعين في ذاكرة هذه القراءة علامة مصاحبة لها وهي أن لـ (حسن مطلك) اهتمامات سينمائية مثل محاولات في كتابة السيناريو، فضلاً عن أنه رسام وهذا ما يؤكد علاقته أكثر بالسينما. أي بالبصري من التعبير.
ونحن عندما نقول أن قصد قراءتنا هو هذا الكشف إنما نخول أنفسنا بتقصي الجملة السينمائية أينما وجدت في الرواية غير متقيدين بالجانب الآلي أو المنطقي الذي ينشط في صناعة الفلم ـ من حيث العمل ـ فنحن هنا لسنا بصدد قراءة رواية مُعَدة بالكامل للسينما أو بصدد تحليل فلم روائي، إنما نحن بصدد كشف فعالية الخطاب السينمائي ـ بعدّه طريقة في التعبير ـ في الخطاب الروائي، إذ مما هو معروف أن هناك علاقة وطيدة بين السينما والرواية فقد (أعرب عدد من السينمائيين البارزين عن إفادتهم من الرواية، لاسيما أساطين الفن الروائي في القرن التاسع عشر فلقد تعلم (غريفث) دروساً مهمة من (ديكنز)، ووجد (ايزنشتاين) مبادئ المونتاج متجسدة في تكنيك السرد الروائي لدى ديكنز..) (3)
وهذا ما يؤكد (أن الرواية هي أداة السينما الأولى بسبب قربها من ذلك الفن.. وليس بسبب سهولتها) ( 4). وبما أننا قد أشرنا هنا إلى إفادة السينما من الرواية. كذلك فأننا سنوضح إفادة الرواية من تقنيات العرض السينمائي. وهذه الإفادة نابعة من كون الرواية أدركت أنها (لا تستطيع أن تعبر عن نفسها بغير التحدي الجمالي للفن السينمائي) (5 ). وعلى ضوء ذلك نستبين ما ذهب إليه ـ لوي دي جانيتي ـ من أن (العلاقة بين السينما والأدب لم تكن ذات طريق واحد) (6 ).
أعتقد أن هذه التوطئة كفيلة بتمهيد الطريق أمام بحثنا لتقصي اثر السينما في رواية (دابادا) للروائي (حسن مطلك).

السيناريو: _
يفتتح المؤلف روايته بالجملة السيناريوية (… بحلول الخريف حيث تجاهد الأشجار للتخلص من أوراقها الميتة، قامت هاجر ثم اتجهت إلى المطبخ المنفرد لكي توقد ما تبقى من أحطابها وتُعد أصباغاً من عُروق الشوك لقِربة اللبَن. قامت هاجر. يقول شاهين وهي أمه.) (7).
يلاحظ على جملة السيناريو هذه أنها توفر الشروط المتعارف عليها لأي مشهد وهي (المكان – الزمان – الحركة) وهي مؤلفة من ثلاث لقطات أنجزت وفق هذه الشروط – على الرغم من أن كل لقطة هي -بالضرورة- لقطة مكان وزمان وحركة. ولكن في هذه اللقطات الثلاث هناك تأدية متبنّية لهذه الوحدات الثلاث وذلك على النحو الآتي:_
فاللقطة الأولى (بحلول الخريف حيث تجاهد الأشجار للتخلص من أوراقها الميتة..) هي لقطة زمنية أي أنها تستهدف الزمن وتشير إليه بوضوح (الخريف) وهذه اللقطة تحتوي على مكان مفترض لأنها تحتوي على حركة، وكما معروف لا توجد حركة بدون مكان وزمان، والحركة هنا هي حركة طبيعية وهي حركة الأشجار أمام كاميرا الراوي (تجاهد الأشجار للتخلص من أوراقها الميتة).
أما اللقطة الثانية (قامت هاجر) فهي لقطة حركة ذاتية تهيئ لتسمية المكان وليس لتحديده. وهذا ما ستأتي به اللقطة الثالثة.
اللقطة الثالثة (ثم اتجهت إلى المطبَخ المُنفرد لكي تُوقد ما تبقى من أحطابها وتُعد أصباغا من عروق الشوك لقربة اللبن). والمكان في هذه اللقطة هو مكان نوعي (المطبخ) وليس مكاناً محدداً، أما لفظة (المنفرد) فهو تحديد داخل هذا المكان النوعي أي أن المكان العام غير محدد. أما عنصر الزمان فهو مبني على ضوء السياق الزمني في اللقطة الثانية. وهو سياق الزمن الماضي أي (قامت هاجر ثم اتجهت.. الخ).
بعد ذلك يأتي التذييل الذي ذيلت به هذه الجملة وهو (قامت هاجر. يقول شاهين وهي أمه.) وهذا التذييل يكشف عن شعرية خُطط لها في مسار العرض السردي لهذه الجملة وذلك وفق ما يأتي:_
كان (المروي) في الجملة يُستقبل من قبل (المروي له) على أساس انه من قبل (مؤلف ضمني) ثم يأتي التذييل فيكشف أن عمليه الروي مسنودة إلى راو مشارك في الحديث الذي يرويه وهو(شاهين) باعتبار أن الروي (هو الذي يتولى وظيفة التصوير والمراقبة، فيمهد لخطاب الشخصيات … ويعرض مقتضيات السرد ويقوم برواية الأحداث، فنرى نحن القراء ما يراه، ونعرف من خلاله ما يعرف) (8 ).
إن المؤلف الواقعي، أي الكاتب الحقيقي قد حضر المكان السردي-الجملة-لمثل هذا التبادل في المواقع بين (الراوي والمروي) وذلك عن طريق المسافة البصرية التي فتحها وهي علامة الحذف (…في مقدمة الجملة). فهي تعني أن هناك محذوفا وهو الراوي وسوف يبلغنا السياق بذلك بحيث أننا لو جعلنا الراوي يشغل هذا الفراغ لما حدث أي خلل في نسق المسرود، أي على هذا النحو (يقول شاهين بحلول الخريف حيث تجاهد …الخ) وهكذا وفّر هذا التكنيك للجملة عناصر فعالة على مستوى الممارسة القرائية أهمها عنصر المفاجأة وعنصر الترتيب الذي جعل القارئ مشاركا في كتابة الجملة، أي إعادة الراوي إلى موقعه الذي أشره المؤلف، عن طريق القراءة، كما بيّنا.
بعد ذلك تتعرض جملة السيناريو إلى قطع يغوص خلاله المؤلف بتفاصيل خارجة عن نطاق السرد للجملة وتستغرق هذه التفاصيل خمس صفحات من الرواية. بعدها ينتقل المؤلف ليعود إلى الجملة ويدفع حركة الروي إلى الأمام في مجال المروي له. على هذا النحو: (حيث اتجهت هاجر إلى المطبخ المنفرد لتوقد أحطابها المتبقية صعد إلى شُباكه وألصق مرفقيه بالقاعدة فشاهدهم في ضوء النافذة الصريح، أربعة رجال وامرأتين…)(9 ) وفي هذه الجملة نلاحظ أن حركة الروي مسنودة بثلاثة أفعال مرتبة ترتيباً زمنياً يراعي تحرك الكاميرا داخل المشهد وذلك عن طريق أدوات الربط (الواو و الفاء):_

صعدَ و ألصق فـ = شاهدهم.
ثم بعد ذلك يعمد المؤلف إلى قطع ثان يستغرق أكثر من عشرين صفحة لينتقل إلى المرحلة الثالثة من مراحل جملة السيناريو، وهذه المرحلة تتواصل في حركتها مع المرحلة الأولى وتستمر مع المرحلة الثانية في الحركة وهي في قوله (تنبت المرأة الأولى في منتصف النافذة وتدقق في الشُباك المقابل _ شباك شاهين وهو يقول:_ شُباكي..)
إن عمليات القطع هذه تضفي على المسرود قيمة جمالية تستوجب من مشروع التلقي قراءة ناشطة لتتبع مراحل السرد. ومراحل الانتقال التي وفرها القطع تأخذ دورها في تنشيط فعل الكتابة باعتبار أن (كاتب السيناريو هو كالروائي، يملك الحرية السردية في الانتقال من فضاء لآخر: فالفضاء والزمن تحت تصرف الروائي، مثلما هما تحت تصرف كاتب السيناريو، ولكليهما الحق نفسه والحرية نفسها للانتقال فيهما).

تقدم يكون واضحاً الدور الذي قام به السيناريو في تشغيل أجهزة الروي داخل الرواية.

الكاميرا:_
أما الكاميرا، وهي المنظومة الأهم في التعبير السينمائي، فقد تجلى دورها في تنظيم أنساق الدوال السردية فهي تمثل (الشعور السينمائي إذ ترسم حركة تجعل الأشياء التي تجري الحركة فيما بينها لا تتوقف عن التجمع في كل. وان الكل لا يتوقف عن الانقسام بين الأشياء وذلكم هو (الجوهر التعبيري)) ( 10). وقد مارست الكاميرا دورها هذا في مشهد (رحلة شاهين وعزيزة في القارب) إذ أخضعَت السرد لحركتها منذ البداية حيث يكون القائم بالسرد جزءا من الحركة أمام الكاميرا.

في هذا المشهد يفتتح فعل السرد ( تقول ) عملية التصوير لتأتي بعده لقطتان تؤسسان للسرد (تقول: هناك، عند كثافة الأشجار، تلك الأغصان المغموسة بالموج سنجد قارب العم عارف) وفي اللقطتين توجد لفظتان وُضعتا بقصدية لتأشير المسافة التي تفصل بين المسرود وبين كاميرا السارد وهما لفظة (هناك) التي تسجل مسافة أبعد من المسافة التي تسجلها اللفظة الثانية ( تلك) أي أن هاتين اللفظتين تساندان إحساس المتلقي بحركة الكاميرا في المجال.

بعد ذلك يقف القائمان بالسرد أمام كاميرا ثابتة في لقطة حوار تستغرق زمن الموافقة على الرحلة (نذهب في نزهة صغيرة. ويجيب: هناك الأغصان المغموسة في قارب العم، لن أذهب إلى نزهة صغيرة لأني لا أحب النزهة الصغيرة ولم أركب قاربا من قبل. تقول: بل ستركب القارب، يجب أن تتعلم مثلنا بحيث تستطيع الذهاب منفردا. ويحوم حول نفسه قائلا: لن أركب القارب منفردا وأتعلم مثلكم. وتصرخ به: بل ستركبه مُرغما، نعم) وهنا نلاحظ نشاطاً بصرياً فرضته كاميرا السرد تمظهرَ في علامات الترقيم التي نابت مناب أرقام التقطيع إذ (يجري التوليف عملياً بفضل أرقام تقطيع وقائع شريط السيناريو) ( ). وهذه العلامات هي (الفارزة،) التي تابعت عملية التقطيع بين اللقطات ففي اللقطة الأولى قطعت بين اللقطة ومسافتها (هناك ، عند كثافة الأشجار) بينما لم تفعل ذلك مع اللقطة الثانية (تلك الأغصان المغموسة في الموج..) لتساند عملية الإحساس بالمسافة فلفظة (هناك) تشير إلى الشيء عن بعد، أما لفظة (تلك) فتعطى تحديدا له. كذلك علامة (النقطة.) التي تابعت عملها في لقطة الحوار. فكان وجودها إشارة لنهاية السرد من قبل أحد الساردين، وإيذانا بانتقال الكاميرا إلى السارد الآخر. في حين لازمت علامة (النقطتين الراسيتين 🙂 المجيء بعد مفاتيح السرد (يجيب:/تقول:/قائلاً:/تصرخ به:/ فيجيب:) فهي بطبيعتها تأتي بعد الشيء الذي يريد الكلام تحديده. وهنا لابد من الإشارة إلى أن السينما قد أفادت هي الأخرى من الشكل الكتابي، وذلك فيما اقتبسه (ايزنشتاين) من الكتابة الهيروغليفية( ) لأن هذا يفيد في تعميق الصلة بين الكتابة _ بوصفها تشكيلاً بصرياً_ وبين السينما.

بعد ذلك تتابع الكاميرا تصوير الحدث من الخلف (وتمشي أمامه عارية القدمين على معجون الرمل، فلم ينزع خفية كما فعلت بل تركهما يرشانه بالرمل.) ثم يحمل (شاهين) الكاميرا ليصور الشخصية التي تقاسمه السرد بلقطة رأسية (وتنحني عند الأغصان المغموسة فَيَبِيْنَ القارب) بعدها يقوم بموضعة ديكور المنظر، والمنظر هنا هو قارب على الشاطئ (فيتفحصه: عمودان، شبكة صيد، جفنة إسفلتية، وتد وحبل، كيس فيه شيء.) وهنا نرى أن انتقاء فعل الحركة (يتفحصه) انتقاءً يتوافق مع الوضع للنظرة الراسية، فهو يؤشر لدى القارئ حركات تنقل الكاميرا من وحدة ديكورية إلى وحدة أخرى. فلو أن الراوي اختار الفعل (رأى) مكان الفعل (يتفحص)

الراوي للكاميرا كوسيلة للسرد.

ثم تتكرر لقطة الحوار أمام الكاميرا الثابتة وبعلامات الترقيم نفسها، باستثناء علامتي الاستفهام اللتين نشطتا الحوار باعتبار السؤال هو دعوة الأخر للمشاركة (تقول: اصعد. بعدما تفك العقدة. فيقول: سأصعد، ولكن إلى أين؟ تقول: إلى النهر. ويقول: هذا هو النهر، فلماذا نذهب إليه؟ وتضحك، ويضحك أيضاً). بعد ذلك تتهيأ الكاميرا لرسم مخطط بياني للزمن الذي يستغرقه صعود القارب (ثم تركب أولا وتتناول يده وتستعمله فيتأرجح بعد أن ينقل قدمه إلى الجوف ويغمض عينيه ويوتر ظهره فتأمره بالارتخاء.) وهنا نلاحظ أن صعود (عزيزة) استغرق زمنا اقل بدلالة (ثم) التي تفيد التوقف قليلاً ومن ثم مباشرة الحدث وبدلالة (أولا) أما زمن صعود (شاهين) فقد خططته الكاميرا على نحو تفصيلي فبعد أن صوّرت صعود (عزيزة) من الخلف تلتفت عزيزة إلى الكاميرا لتبدأ عملية تصوير صعود شاهين بمشاركة عزيزة (وتتناول يده فتستعمله …) وهنا نلاحظ (الواو) وليس (ثم) أي عدم وجود توقف في الحركة. وتمضي الكاميرا في تخطيطها هذا لتصور مراحل استقرار شاهين على القارب على هذا النحو من الدقة في رسم الحركة التي يمكن ملاحظتها في الشكل الآتي:
بعد أن = ينقل.. + يغمض.. + يوتر .. = فيتأرجح = فتأمره بالارتخاء
فتح حركة حركة حركة حركة سكون غلق حركة
ومما تتضح ملاحظته أن الزمن لدى (عزيزة) سار بتوجيه فعل واحد (ركب) بينما لدى (شاهين) وجه بخمسة أفعال من ضمنها فعلين شاركت بهما عزيزة (تتناول، تستعمله، ينقل، يغمض، يوتر). بعد الانتهاء من تصوير مشهد الإشارة إلى القارب ومشهد صعوده تتكفل الكاميرا بتصوير الرحلة وفق وجهة نظر السارد (شاهين) بخمس لقطات:ـ
* اللقطة الأولى:ـ(كان النهر أملس مغطى بعيدان الطفو على جانبي القارب، وأسراب اسماك صغيرة فضية تهاجم الخشب – بعدما فتح عينيه يبصر عمودا في حركة غطس وارتفاع فيتبين انه مجذاف) وهي لقطة طويلة تتكون من حركتين تمثلان خلفية لهذه اللقطة. فاللقطة هي (رؤية شاهين لحركة المجذاف) وحركتا الخلفية هما (رؤيته للنهر أملس.. والأسماك الفضية).
* اللقطة الثانية :ـ (ويصبر الشاطئ مبتعدا بخطوة عملاق، والقارب يندفع، على مهل أحيانا نحو زعانف الأسماك الكبيرة التي لا تجيد السباحة في الشاطئ. ينساب في نشاط حركة الأمواج.. على مهل. تيار صنعته حدبة صخور عند حدبة صخور أخرى) وهي لقطة بانورامية تتكون من أربع حركات أشرتها الكاميرا السردية تأشيرا منتبها. فاللقطة تصور من داخل القارب نظر شاهين إلى الشاطئ. والحركات الأربع تؤشر مراحل الابتعاد عن الشاطئ حيث تمثلت الحركة الأولى في (مبتعدا) بينما تمثلت الحركة الثانية بفعل الحركة (يندفع) الذي سوند بتوجيه تمثل في التسكين (على مهل) كذلك الحركة الثالثة تمثلت بالفعل (ينساب) الذي سوند أيضا بموجه الحركة ذاته (على مهل..) وأخيرا تمثلت الحركة الرابعة في تصوير نظر شاهين إلى الشاطئ عبر الأثر الذي تركته حركة التجديف (تيار صنعته حدبة صخور نحو حدبة صخور أخرى).
* اللقطة الثالثة :ـ (وتنغلق الرؤية في ظل الجبل أمام مهبط الشمس فوق أوراق الأشجار الدائمة الخضرة فلا يبقى سوى التيار السعيد المجعد معلقا في الأفق بمستوى أهداب التي ارتعشت لنفض لذة النعاس..) وهذه اللقطة هي الأخرى لقطة كبيرة، وقد أشرت حركاتها الثلاث من خلال ألفاظ مكانية (في) و (أمام) و (فوق).
* اللقطة الرابعة :ـ (يدخل الماء عبر ثقب سري إلى الكيس الذي فيه شيء.) وهي لقطة صغيرة مصورة رأسيا وذات حركة واحدة تستغرق المسافة بين الثقب والكيس. وقد قام حرف الجر (إلى) بدور الحامل الذي تثبت عليه الكاميرا.
* اللقطة الخامسة :ـ (ويقترب الخطر بدنو القارب من الصخرة الكبيرة ثم يحيد قليلا إلى الشرق فلا تقطع أغنيتها لأنها لم ترخ يدها على العمودين.) ( ) وهي لقطة متوسطة تمت بحركتين أعلن على ضوئهما الوصول إلى الضفة الأخرى حيث أن الحركتين مؤشرتان بالفعلين (يقترب/ يحيد) وقد قامت (ثم) بدور الفاصل الذي يعطي لكل فعل حدود حركته. أي بدور الموجه لكاميرا السرد.
وعلى هذا الإجراء نلاحظ أن اللقطة _ بوصفها لسان الكاميرا _ قد تولت سرد حركة المشهد من جانبين:_
الأول:_ سردها لحركاته عن طريق الدوال التي بينتها التفاصيل داخل هذه اللقطة.
الثاني:_ سردها لحركة المشهد عن طريق حركة اللقطات فيما بينها.
وقد أشار (يوري لوتمان) إلى أن هذه هي الوظيفة الرئيسية للقطة فهي (حاملة دلالة.. وللدلالة أيضا وحدات اصغر: تفاصيل اللقطة، ووحدات اكبر: تتابع المشاهد) (11 ).

يبتع….

1 _ حسن مطلك، رواية (دابادا)، الدار العربية للموسوعات، بيروت ط1/ينظر الغلاف الخلفي للرواية.
2 _ م. ن./ الغلاف الخلفي للرواية.
3 _ جون هوارد لوسون، السينما: العلمية الإبداعية، ترجمة: علي ضياء الدين، دار الشؤون الثقافية بغداد 2002/270
4 _ استفتاء حول عناصر العلاقة بين الفن السينمائي والأدب، مجلة الأقلام، بغداد ع 4/988/ص44
5 _ روبرت لافون، السينما المعاصرة، ترجمة: موسى بدوي، منشورات قضايا الساعة، القاهرة 1974/24
6 _ لوي دي جانيتي، فهم السينما، ترجمة: جعفر علي، دار الرشيد ط1، 1981/417
7 _ الرواية / 5 .
8 _ سعيد الغانمي، أقنعة النص، دار الشؤون الثقافية، بغداد/144-145.
9 _ الرواية / 10 .
10 _ الرواية / 32 .
11 _ بيير مايو، الكتابة السينمائية، ترجمة: قاسم المقداد، المؤسسة العامة للسينما،ط1 دمشق 1997

لا تعليقات

اترك رد