تجليات الصيرورة في الزخرفة الإسلامية


 
islamic-art

يعد الفن احد الضرورات المهمة في الحياة البشرية خاصة وانه يمثل لغة بحد ذاته يمكن من خلالها التواصل والتخاطب بين الناس ، وعن طريق الفن تمكن الإنسان من توظيف قدرته على الخلق والإبداع والإتيان بما هو جديد ؛ بوصف ان الإنسان (الفنان) أصبح يغير من حيثيات الطبيعة وعالمه الواقعي ويغير نفسه بتغييره لذلك العالم . والفن الإسلامي يعد فناً فاعلا ومؤثرا استطاع الفنان المسلم من خلاله أن يغير معالم ومعطيات الواقع بشكل يرتقي على الواقع نفسه ، لذا فهو يمتلك من المقومات والسمات ما يجعله لا يتوقف عند حدود عالم الحس وزمكانيته ، بمعنى انه يتسم بمعاني ومضامين ترتبط بالعقيدة الدينية والإسلامية ذات المنحى الروحي والزمان المطلق ، اذ يسعى الفنان المسلم دائما الى تحقيق التكامل بين ما هو حسي وما هو عقلي ، بين الظاهر والباطن ، والنسبي والمطلق ، والمادي والروحي ، بين عالم الدنيا وعالم الآخرة ، بين الثابت والمتحرك ، بين الساكن والذي يتسم بالديمومة ، أي إن الفنان المسلم يبغي الى إظهار معاني تتوسم المطلق واللانهائي . كما تميز الفن الإسلامي عن غيره من الفنون , بوصفه أوسعها انتشارا لاتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية التي امتدت من الصين شرقا إلى اسبانيا غربا ، وان لاختلاف الطرز والفنون لدى شعوبها المختلفة اثّر في الاختلاف الظاهر في بعض عناصر وأساليب المدارس الفنية الإسلامية ، الا أنها متشابهة في أصولها ويجمع بينها الطابع الإسلامي .
إن الفن الإسلامي يعد ثمرة التأمل العقلاني الأصيل ، او الرؤيا الروحية للعالم او لحقيقة ما وراء الكون ، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الخروج بالفن الإسلامي عن عالم المنظور والحس ، الى عالم الرمز والحدس ، فالعقيدة الدينية الإسلامية وتعاليمها تستدعي من الفنان المسلم أن يكون ملتزماً بعدم مضاهاة الخالق في خَلقِه وتصويره ، فكانت مسألة (التحريم) تؤدي دوراً مؤثراً وفاعلاً ، في إيجاد فرصة كبيرة قدِّر لها أن تكون سبباً يؤسس لطبيعة نشوء فن أصيل ، لا يرتبط بمفهوم المحاكاتية او التسجيلية الواقعية أو التصوير التشبيهي ، بقدر ما يستند الى التنظيم والتصميم طبقا ومنظومة تتسم بالمنطقي والعقلي من جهة والوجداني والروحي من جهة أخرى ، إنه فن الزخرفة الإسلامية .

ان الفن الإسلامي منح الزخرفة صيرورتها فحوّر الأشكال وجرّدها لإحداث الحركة التي تعطي الاستمرارية وتوحي بلا نهائية الأشكال المتكررة لتحقيق الانسيابية بجماليتها المطلقة ، والوصول لحقيقة لا تتعلق بمكان وزمان معينين . بذلك تكتسب الزخرفة الإسلامية صفات الاستمرارية والتواصل والامتداد واللانهائية من خلال حركتها المستمرة , بوصف إن الحركة تعد سر البنية التكوينية للصورة الزمانية والمكانية الإسلامية ، والصيرورة كما أشار إليها الإمام الغزالي (450هـ -505هـ ) إنها ترتبط في عملية تواشج وتداخل مع مفهوم الحركة ومقدارها واتجاهها الذي يتصل هو الآخر بالزمن ، اذ ليست هناك حركة بدون زمان . فالزمان كم مقدر للحركة ، وانه عرض للحركة لا جوهر لها ، وهو لا يعرف بذاته بل بغيره بالرغم من وجود متقدم ومتأخر فيه الا انه لا يمكن الإحساس بذلك دون اقترانه بمتقدم ومتأخر الحركة . فوجود الحركة يعني وجود زمان ولا يمكن تصور وجودها من دون زمان اذ يقول : ” انه يلزم من الحركة الزمان لا محالة ، فان كل حركة ففي زمان، والزمان هو مقدار الحركة ، فان لم تكن حركة ، لم يكن زمان في الوجود ” ، وليس معنى ذلك ان الزمان هو الحركة بل ان الزمان مشروط عنده بوجود النفس التي تحس بالحركة اذ يقول “ان لم تحس النفس بالحركة ، لم تحس بالزمان” ولارتباط الزمان بالحركة المكانية اذ يرى بأنه لا “… يمكن أن يكون الزمان إلا مدة الحركة – المكانية…” ، من هنا اعطت الصيرورة معناها الذي يرتبط بالحركة المستمرة البعيدة عن السكونية الثابتة ، وهذا ما جسّده الفنان المسلم في نتاجاته الزخرفية بكل أنواعها سواء على مستوى (الزخرفة النباتية او الهندسية او المختلطة ) .

فضلا على ان الزخرفة تعبر عن نظام متفرد ومتتال آخذاً بالتكاثر والاستزادة والتنوع , فهو الأساس في مخيلة الإنسان ومحرك لها , إذ ينتقل المتلقي من خلال النظام الزخرفي من المجرد الى مجموعة من المثارات الحسية , مثل رؤية النظام الكوني الذي يتشابه في توازنه وحركته وروابط مخلوقاته مع العلاقات النسيجية بين مفاهيمه وعناصره المكونة له , فالزخرفة تسمو بالمتلقي من المجرد الى ما وراءه , من خلال تدبير القدرة في الكون والوجود وفي ذلك إشارة للنظم المتعددة التي يحيا بها الإنسان .
لذا تكمن أهمية الزخرفة الإسلامية , كسطح تصويري من خلال تجاوزها مرحلة التعبير عن فكر ونص مقدس إلى تعبير عن لانهائية المعنى بحركة مستمرة ذات صيرورة غير متناهية تتماهى مع المطلق ، وذلك من خلال قدرة الفنان على توظيف أنواع الزخارف الهندسية والنباتية والمختلطة وغيرها طبقا والمعالجات التقنية التي تعتمد منظومة نسقية ذات دلالات ومعاني تتسم بالصيرورة . وهذا ما يدفع بكل قوى الوعي الى تأمل الوجود الإلهي الأعظم ، لذا كان اتجاه الفنان المسلم بنظرته الجدية الى الكشف عن الجوهر الكوني المتصل الذي لا يقبل التجزئة ولا التباين .

وبلا شك ان الوجود برمته متحرك ومستمر بلانهائية ، اذ من غير الممكن قطع صلات الإنسان بماضيه كليةً والبدء من جديد ، بل إن تأريخ الإنسان وأزمنته تمثل خلاصة وعيه وتؤثر بشكل وبآخر في حياتهِ ، لذا فأن أي تغيير يطرأ على حياة المرء يمثل نوع من إعادة تركيب ما اختزنه وما اكتسبه في عملية معقدة يجري فيها تداخل أطوار وتلاقح ثقافات وصهر معطيات وتحويل علاقات . والزخرفة الإسلامية بوصفها تنتمي الى روح الفنان المسلم من جهة ، وكونها مجموعة من العلاقات المتناسقة والمترابطة مع بعضها من جهة أخرى فهي تشكّل كلا واحدا يتسم بالشمولية ، اذ ان كل مفردة او وحدة زخرفية تمثل شكلاً يحيل الى معنى عند ترابطه واتصاله في وحدة زخرفية أخرى ، وهكذا الى ما لا نهاية بصورة مستمرة ، اذ ان الوحدات الزخرفية تمر بمرحلة الحركة والتحول حتى تصل الى مرحلة الصيرورة . فالتجاء الفنان المسلم الى الزخرفة يمثل انتقال الى مستوى القيمة الثقافية للعمل الفني ، اذ يلغي العلاقة بين الشيء المرئي وبين دلالته العادية ومعناه المتداول ، وهكذا فان الصورة تتغيّر كليا عن أصلها ، ووراء الوظيفة الظاهرية للزخرفة يبدو نسق كامل من الإشارات والطابع الرمزي يفرض نفسه ويترك لنا حرية التفسير ، وعلى هذا فهناك معانٍ كثيرة تبقى قائمة ، مما يعطي الزخرفة قيمة تذوقية لا حدود لها .

ان الحركة التي تجسّد معنى الصيرورة لابد لها من وجود زمان يحكمها ، فالحركة والزمان لا ينفصل احدهما عن الآخر ، اذ كل عملية تحرّك من حال الى حال لابد من زمان ، والاخير منه ما يكون مادي ومنه ما هو مطلق ، والفنان المسلم يعمل في اشتغالاته الزخرفية – المادية- على تجسيد الزمان المطلق من خلال تلك التكوينات الزخرفية المتحركة ، وهنا تتجسد الصيرورة في عالم الأجسام المادية المحكمة بزمكانية ذلك العالم ، اذ تشير الى تغيرها وتبدلها من خلال تغيّر وتبدل الزمان بوصفه مستمرا نحو لا نهائية وهكذا في ديمومة مستمرة غير متناهية .

ولما كان الوجود الخارجي للأشياء يرتبط بالإنسان وبذاته الحاسة ؛ بوصف إن الحاس والمحسوس لهما وجود متحرك وغير ثابت ، بل هما في صيرورة دائمة مستمرة ، فهذا يشير الى عدم استقرار فعاليات الذات الحاسة ، وتغيّر الحالات النفسية المرافقة لعملية الإحساس والتغير الحركي للموجودات الخارجية . وقد اثبت (الكندي 185هـ-252 هـ) إن صيرورة الوجود الخارجي انما تتمثل عبر الأجرام – الأجسام – حيث ربطها بالزمان وجعل الجسم متحركاً ، وحقيقة الزمان لديه فانه متصل اتصالا ضروريا بالحركة ويلزم عنها ، ولما كانت الحركة موجودة بالفعل ، فالزمان موجود بالفعل أيضاً .

المقال السابقالثورات العربية … الاناركية الفيسبوكية
المقال التالىالفنان والدين
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد