” أغنية ياسمين ” لنجوى نجار


 

أمسية جميلة في القصبة رئة رام الله الثقافية، العرض الأول للفيلم بحضور متميز، عادة بمثل هذه الأفلام القصيرة حضور الجمهور يعتمد على العلاقات العامة للقائمين بالعمل، لكن هذه المرة وجدت حضوراً جيداً خارج إطار هذا التصور.

لم أكن أشعر وأنا متوجه نحو الصّالة أنني سأحظى بمشاهدة عمل متميز، فقد اعتدت، ومنذ فترة، أن أجد أمامي فكرة مكررة بجهد ضعيف لا تحمل أفكاراً جديدة ولا فكرة متميزة، بحيث كانت قليلة جداً الأفلام التي شدتني وتركت أثرها في نفسي.

فيلم( أغنية الياسمين) من الأفلام التي تترك أثرًا ما بالنفس بعد الخروج من صالة العرض، فقد استطاعت نجوى نجار أن توظف خلال عشرين دقيقة مجملاً من القضايا التي تحتاج إلى المتابعة والمناقشة، كل منها لا تكفيه ساعات طوال من حوار ونقاش وبحث.

لقد تمكنت مخرجة الفيلم، والتي فوجئت بقدرتها، من أن تعالج كمّاً من القضايا بإشارات ولمحات عبر تسلسل درامي بوقت قصير، ومع هذا فقد خلا الفيلم من الحشو غير المبرر، مكتفية بالإشارة من خلال الرمز المفهوم إلى كل فكرة تم طرحها.

قصة الفيلم بسيطة تقوم على قصة حب بين زياد وياسمين التي يصر والدها على تزويجها لشخص آخر بدعوى أنه أعطى كلمة لصديقه والد العريس، لكن تمكنت المخرجة من التعبير عن عدة قضايا بتشويق وبدون ملل.

اختارت نجوى مدينة أريحا مكاناً للتصوير لجمالها وعراقتها التاريخية كأقدم مدينة بالعالم، وللعلم، أيضاً، فإن أريحا لا يقسمها جدار الضم ولا يمزق سكانها رغم حصارها من الاحتلال، من هنا كان الاختيار موفقاً، فقد دمجت فكرة الجدار الذي ينمو كل يوم ويتمدد كغول أسطوري أو أفعى ضخمة تتمدد على أرضنا، مع جدار العادات والتقاليد التي تستلب حقوق المرأة، والتعامل معها كشيء لا روح له ولا إحساس فيه بحيث تفقد حريتها وخياراتها بمجرد أن الأب أعطى كلمة، والأم لا تملك حولاً ولا قوة.

كانت الإشارات للجدار واضحة خلال الفيلم من خلال العوائق التي برزت بشكل كتل إسمنتية يتسلل زياد من خلالها، ولكنها في نهاية الفيلم تصور لنا الجدار مكتملاً شاهقاً يقسم الأرض ويفصل بين المحبين، فلا يمتلكان إلا الصراخ، وكل منهما في عالم يفصله جدار الإسمنت، أو لنقل جدار العادات التي تجذرت بمجتمعنا بدلاً من أن تخف حدتها مع تغير الظروف وتغير العالم.

بطل الفيلم يفشل في الزواج من حبيبته رغم مزاياه الجيدة، هو صاحب مشتل للزهور بنفسية جمال الزهور ورقتها، يعتمد على نفسه بالإنتاج والتوزيع، مهذب بالتعامل وصادق في حبه بعيداً عن العبث مع فتاة أخرى، ابن لشهيد روّى الوطن بدمه، ولكن لا يمتلك من الآخرين إلا أن يترحموا على والده ويذكروه بالخير، وهو يقول:” الناس تعرف والدي ولكنها لا تعرفني أنا”.

حتى رفيق والده- واستخدام كلمة رفيق هنا إشارة لليسارية من رفيق دربه-، والذي وعد زيادًا بالوقوف إلى جانبه، يتخلى عنه لحظة احتياجه لمساعدته للزواج من حبيبته، ففي اللحظة التي يتجه إليه يجد الحي مغلقاً بمقهاه ومتاجره، والطريق إليه مغلقة بالعقبات التي مثلت الجدارين الاجتماعي والاستيطاني، فيهرب الجميع للمسجد بمسيرة واحدة صامتة وكأنها مشهد جنازة، وهي حقيقة تمثل عملية الانكفاء على الذات واللجوء للدين كهروب من واقع أكثر منه إيماناً وفهماً لحقيقة الدين وعظمته، وهذا ما نلمسه عادة في المجتمعات بعد الهزائم؛ إما اللجوء غير الواعي للدين أو الانفلات، فنجد اليساري غير المؤمن أصلاً بجانب والد ياسمين الذي ينسى أن ما يقوم به مخالف للدين، وأنه عملية وأد الأنثى بكل ما تحمله من قسوة المعنى بجانب ثرثاري المقاهي الذين لا يجيدون سوى انتقاص جهود الآخرين والتقليل من شأنهم والثرثرة وإضاعة الوقت بدون عمل، كما استهزؤوا بعمل زياد بالمشتل، فكان المشهد يمثل عملية انكفاء وتقوقع غير واعية على الذات، جمع كل سكان الحي الذين سيذهبون بعد الصلاة إلى زفاف ياسمين وهم يعلمون أو لا يدركون أنهم يرتكبون إثماً بذلك، ولا يتبقى سوى الأطفال يلعبون غير عابئين بما يرونه أمامهم من مشاهد وعقبات الجدار وكأنهم أمل التغيير بالمستقبل.

وزياد الذي يطل عليهم بألم من النافذة ينطلق لملاقاة ياسمين، ولكن الجدار يكون قد ارتفع وأصبح شاهقاً ولا تجدي معه الضربات القاصرة الفردية، فهدم الجدار الإسمنتي،والجدار الذي نبت بأعماقنا، لا تكفيه جهود فردية ولا تترك عليه سوى خدوش، فينادي صارخاً على ياسمين بعد أن أنهكه التعب وارتمى أرضاً ببنطاله الأسود الذي مثل القاعدة المظلمة وقميصه الأبيض الذي مثل الأملٍ : “غنيلي ياسمين”..

بغض النظر عن المناقشات التي تلت الفيلم، وبعيداً عن عدم إدراك البعض للمعاني والدلالات التي حملتها رموز العرض، إلا أنني وجدت العرض جيداً جداً بالفكرة وأسلوب التناول وإسقاط المعاني وتناول الرموز، زاد بقوة التأثير الأغنية الشجية للمطربة الجزائرية سعاد ماسي، ولعل اختيار الخلفية الغنائية لمطربة جزائرية تحمل، أيضاً، دلالات على واقع مشترك وتاريخ متشابه.

نهاية.. قد تكون هناك بعض من الهنات البسيطة والتي لا يخلو منها عمل، لكن الفيلم من وجهة نظري كان ناجحاً حقيقة، ويدفعني لأن أقول لنجوى نجار: إن قرأت ما كتبته يوماً.. اشد على يديك.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

المقال السابقالحرب البيولوجية..؟!
المقال التالىالحكمة تعدد بوطنية
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد