ثقافة الاختلاف والقطيعة في الفكر السائد


 

ان المنظومات الدينية على مختلف توجهاتها في اي مجتمع كان وفي اي وقت وجدت لكي تعطي الاطمئنان للإنسان الباحث عن الاستقرار وازالة مخاوفه من التقلبات المناخية والكوارثالطبيعية والمرض والجوع والموت وما بعد الموت …

بحث الانسان القديم عن مستقر له لكي يخلد ويبدد مخاوفه فأوجد له الديانات والمعتقدات والطقوس وخلق لنفسه المقدسات وصنع آلهته بنفسه ، وأضفى عليها السلطة المطلقة المتحكمة بكل شيء وخول الأمر والنهي ووضع السدنة والخدم للآلهة وجيوشا وقوانينا وسلطات لإدامة زخم اِلوهيته المقدسة …

من حقنا أن نختلف لكن ليس من حقنا أن نعلن القطيعة والخلاف والخصام في حالة لم تتلاق أفكارنا ووجهات نظرنا أو الأيدولوجيات والعقائد والطقوس والشعائر التي نؤمن بها …

بعد التطور التاريخي للبشرية وجدت الأديان السماوية برسلها وأنبيائها وكتبها المقدسة من هنا جاءت الخلافات والاختلافات في فكرنا ومعتقداتنا وميولنا …

الاشكالية التي نحن بصددها ليست الأديان كمنظومات مقدسة بل في تداخل المنظومات الدينية بالنظم السياسية والاجتماعية والعكس بالعكس ونكاد لا نفرق بين هذه المنظومات ، اذ أصبح من الصعب على الفرد أن يفصل بينها ،حيث تأخذ المنظومة السياسية قوتها وشرعيتها من المنظومة الدينية وبمباركة وتأييد المنظومة المجتمعية ، والمنظومة الدينية أعطت لنفسها السلطات المطلقة والهالة القدسية المباحة بمباركة الحاكم أو السلطة السياسية القائمة ، في حقيقة الأمر قد تداخلت السلطتان الدينية والسياسية فيما ببينهما ، اذ ليس هناك حدا فاصلا بين السلطتين فيصبح الدين هو الدولة والدولة هي الدين وكلاهما يحتكر الآخر ويمتنه ويقويه ويعاضده كما حصل مع الكنيسة في المجتمعات الغربية وما حصل مع الدولة اليهودية وما نعيشه في مجتمعاتنا الاسلامية والشرقية ،ويصبح الفرد تحت وزر قوتين عاتيتين مسلطتين عليه ، فأي مس بأحديهما أو بكليهما يغدو بمثابة الانتحار .. .

تحاول المنظومة الدينية عبر التاريخ أن تتماهى مع السلطة السياسية اذا ما شعرت بهيمنتها على مقدرات الدولة وانفردت بالحكم ولم تعط دورا لها وهمشتها ولم تعد بالرجوع لها الا في حالات معينة شكلية تفرضها ضرورات البروتوكولات الادارية للسلطة ، وخاصة في إضفاء الشرعية على مقاليد الحكموالتتويج للملك أو الزعيم وفي الاعياد والاحتفالات الرسمية لهذه الدولة وتلك .

خلاصة القول ان المنظومتين السياسية والدينية تأخذانشرعيتهما من بعضهما البعض وقوتهما وادامة سلطتيهما ونفوذهما ، ويبقى الفرد والمجتمع مجردا وخاضعا للسلطتين بإرادة منه و بدونها .

شارك
المقال السابقالحكمة تعدد بوطنية
المقال التالىالجبناء يصنعون التاريخ والأبطال يكتبونه
رياض الدليمي - العراق - كاتب واعلامي - ماجستير تربية - دكتوراء فخرية- مدرس - الاصدارات- مجموعة شعرية بعنوان تسلقي عروش الياسمين- مجموعة قصصية بعنوان - غبار العزلة- مجموعة شعرية مشتركة بعنوان - غوايات - مجموعة قصصية مشتركة بعنوان - انطلوجيا القصة- كتاب اقتصادي- رئيس سابق لمجلة الان الثقافية- نائب رئي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد