الفن والحداثة مصطلح واحد


 
اللوحة للفنان قاسم الرماحي
اللوحة للفنان قاسم الرماحي

ابتدأت الحداثة في اوربا من اللحظة التي تفككت فيها الثقافة الدينية وظهرت ثقافة لا دينية قائمة على العقل مناهضة الى حد القطيعة لكل مبادئ الميثولوجيا التي قام عليها الدين.

ان المبدأ الاساس للحداثة هو الحرية لذلك طغت الذاتية في اتجاهات الادب والفن الحديث وقطع الفنان صلاته بجميع العقائد الاسطورية ، كما نص مبدأ ديكارت (انا افكر .. اذن انا موجود) لكي يقدم ابداعه بوصفه شكلا للحياة ، لكن الحداثة تطرفت في هذا المفهوم تالى درجة انها خنقت نفسها بنفسها وذلك بسبب تضخم الذاتية وناهضت الطبيعة والتراث والدين بسبب الحرية التي ادت الى التجريد عن الانسانية والتشييء في الانتاج حتى اصبح شيئا منفصلا عن قيمته.

ولذلك كان لازما الرجوع الى الاصول والجذور واختراقها مرة اخرى وكان ذلك ما يسمى تجاوز الحداثة (ما بعد الحداثة) والذي كان من تصوراته ان تتطابق الحرية مع الضرورة والروح مع الطبيعة والوعي مع اللاوعي. والسؤال الذي يطرح نفسه هل الحداثة كانت تتجه نحو المستقبل وما بعد الحداثة او كما تسمى (الحداثة البعدية) تتجه الى ماضي او انها رجعية؟

الواقع ان الحداثة كانت خلافية اي انها تحاول نقض جميع المؤسسات القومية او الاخلاقية والثقافية فهي ليست بنائية ، بل تهديمية مخربة قائمة على تناقضات المجتمع الاستهلاكي بينما ما بعد الحداثة (الحداثة البعدية) فهي خارج نطاق المجتمع الاستهلاكي وتبحث عن الاصل في التاريخ وهي تعبر الانتماء للأصل هو انتماء حضاري يسجل التاريخ وتطوره القومي ومن هنا تعتبر انها تعيد الفن الى طبيعته التاريخية.

ويطرح الحداثيون سؤالا معلنين تشبثهم بطابع الانفصال والقطيعة بحجة التغيير وهم يرون ان التغيير سيبقى سمه اي إبداع اما البعديون (ما بعد الحداثة) فأنهم يعلنون مقاومتهم لجموع الحداثة المتطرفة ويدعون انهم قادرون على انقاذها من مطبات الضحالة والإثارة واللعب السحري والإبداع الذي اوصلته الحداثة الى العدمية وهي ترى ان انقاذ الابداع من العدمية الحداثيون يتطلب شروطاً.

حيث الانفتاح نحو الماضي والحاضر والمستقبل نحو القومي والعالمي التحرر من النظرة الواحدة وتنويع الرؤية بأي اتجاه مما اطلق عليه التعددية الانتقال من عالم النخبة والتفوقية والتعصب الى عالم ديمقراطية التذوق وهذا ظهر خلال هيمنة الابداع على حياة الناس في العمارة والبيئة والمدينة .

وعندما انتقلت الموسيقى الى الشوارع والساحات وامتلأت الجدران بالتصوير وتباري التجار بتزين واجهات محلاتهم حتى بدت لوحات فنية ، وهكذا اصبح الفن مبذولا للناس جميعا . لقد صار الفن ديمقراطيا حقا من حقوق الانسان وليس من واجبه ان يدفع مقابل ذلك الحق ، كذلك نجد ان البعدية ( ما بعد الحداثة) تنطلق من مبدأ تحررها من الاقتصاد ، والسياسة وتجعل الثقافة عالما مستقلا لا يتأثر بقوانين السياسيين والمنظرين والاجتماعيين ان الهدف ان تعود الثقافة الى جذورها والى مفهومها التقليدي بعيدا عن اي صراع او واحديه تحدد مسارها واتجاهاتها بعيدا عن اية تبعية سياسية وعن اي سياسي يحرضه السياسيون الباحثون عن الحكم.

لا تعليقات

اترك رد