الأوضاع الأمنية في العراق بين الخلل المهني وتأثير صراعات المتحاصصين

 

مع انهيار الدكتاتورية وفلسفتها التي اشتغلت بأجهزة قمعية لا تُعنى بأمن المواطن بقدر عنايتها بأمن الطائفية، تطلع الشعب لبديل يخدم آماله في الانعتاق والتحرر وإنهاء (إرهاب الدولة) وقمعها الحريات ومصادرتها الحقوق؛ ولكن الشعب الذي كان معزولا عن أي مشاركة في اتخاذ قرار يدير الدولة ويوجهها، تفشت في وسطه السلبية تجاه مؤسسات تلك الدولة ربما حتى، منذ مطلع تشكل الدولة العراقية الحديث ووراثتها تشكيلات مؤسساتية عن حكم العصمللي وما فرضه من انفصام عميق بين الشعب وتلك المؤسسات التي كان يدرك أنها مؤسسات خدمة السلاطين لا خدمته…

وبانتظار سلبي لبديل نوعي ارتكبت قيادة القوات الأجنبية بقراراتها أخطاء فادحة، يوم ألغت مؤسسات مهمة من دون أن تأتي ببديل يتناسب وحجم البلاد وما تتطلبه وما تفرضه من مهام ومسؤوليات. فكان عدم الاكتفاء بحل قوات خدمة الدكتاتور من فدائييه وجيشه (الشعبي) وقواته الخاصة وحرسه الجمهوري بل ذهبت باتجاه حل الجيش العراقي ومؤسسات أمنية كان واجبا تشكيل بديلها النوعي لا ترك البلاد من دون جيش وشرطة ومؤسسات استخبارية وأمنية ذات دربة!

وفي مرحلة تالية ويوم تم تشكيل القوات المسلحة بفروعها من جيش وشرطة وغيره، كانت السلطة السياسية وإدارتها ومنهج عملها، قد كرست وجود أذرعها المسلحة ممثلة بميليشيات تم تشكيلها من قبل في دول الجوار وتم تلقينها التبعية المباشرة لمرجعيات خارج حدود الوطن وبعيدا عن الوطنية عميقا في مسميات الإسلام السياسي وخطابه الطائفي وتخندقاته التي تتقاطع وتطلعات الشعب لتخدم أجندات وأوامر ليس بينها حماية المواطن العراقي…

لقد تم كسر العقيدة العسكرية الوطنية لمصلحة مصطلحات تتستر بالمظلومية والأغلبية الطائفية وحفر التخندقات التي يقسمون فيها الشعب بين متاريس متعادية ويختلقون لكل طرف بعبعاً في الطرف الآخر، يشرعن لهم الاستمرار بفرض الميليشيات وسطوتها وبلطجتها…

وهذا الأمر أضعف من جهة الجيش ذي التشكيل الجديد ووضعه في خانة التقاطعات السلبية الخطيرة كما وضع المؤسسات الأمنية والاستخبارية موضع الهزال في الأداء حد تفشي الخروقات الأمنية وتحولها إلى ظاهرة يومية تطيح بالناس بالتفجيرات والاغتيالات وجرائم الاختطاف والاغتصاب بل الفتك بكل من يختلف مع مصالح هذا الخندق الطائفي أو ذاك…

بمعنى أن ايّ تفاقم للصراع بين طرفين حتى من داخل نفس الخندق سيؤدي لمجاهة تشتعل ولا يكون وقودها غير المواطن المغلوب على أمره.. ومثل هذا وجدناه واضحا جليا بتكرار تصاعد التفجيرات مثلا في ايام الانتخابات والتضاغط بقصد فرض طرف ومطالبه على آخر…

أما جرائم الاختطاف والاغتصاب والابتزاز والاغتيال فهي وسائل وممارسات ممنهجة في تفاصيل اليوم العادي للمواطن. لا ننسى المشاهد التي باتت ظاهرة في القتل على الهوية وفي تصفية الحساب مع الآخر وفي وقوع الإعلاميين والصحفيين وقبلهم ومعهم العلماء والاساتذة ومجمل العقل العلمي وقوعهم ضحايا للسوقة والجهلة من عناصر الإرهاب من كل أجنحة الإسلام السياسي المتحكمة بالشارع والسلطة…

إن مؤسسات الأمن تفتقد أولا للعلاقة الودية الصحية مع الشعب، وكونها تنشأ اليوم على أساس طائفي لا وطني ولا مهني فهي بعيدة عن كسب ثقة المواطن وبعيدة عن كسب تعاونه ولكنها تجد انتعاشها في المخبر السري الذي يقوم اشتغاله على منطق الانتقام والثأر الذي تستجيب له تلك المؤسسات الأمر الذي بدا واضحا في مراحل عديدة من الـ14 سنة العجاف الأخيرة…

وقبل أن أواصل معالجتي أؤكد أن كل مؤسسات الدولة لا تخلو من العناصر الوطنية في هذا المستوى أو ذاك ولكنها لا تتحكم ولا تحكم والمنهج الذي يدير تلك المؤسسات هو منهج الطائفية السياسية الذي عطّل كل المشروع الوطني ومن ثم العقيدة العسكرية الوطنية في المؤسسات التي نحن بصدد الإشارة العجلى إليها…

وفي وقت نؤمن بوجود تلك الشخصيات النزيهة ولا نلغي وجودها وأثرها فإننا ننتقد هنا منهج تشكيل مؤسسات تتطلب أكثر من غيرها عقيدة وطنية واستقلالية عن أحزاب و\أو زعامات الطائفية كيما تستطيع إنجاز مهمة ضبط الأوضاع ووضعها تحت سلطة القانون ومؤسساته…

وفي أي بلد يتعرض لكل تلك المحن تبقى مؤسسات الأمن الوطني ضرورة وعادة في مثل ما جرى في العراق عام 2003 تعلن الدول حال الطوارئ كي تكبح احتمالات الانفلات الأمني وخروج الأمور عن السيطرة.. وحتى اليوم ومع كل الانفلات الجاري ومع تسليم ثلث مساحة البلاد والنصف المكون لتركيبة الشعب لسطوة الانفلات من سلطة القانون وهي سطوة قوى الإرهاب من شلل ومجموعات دموية بشعة على الرغم من ذلك تُرِكت الأمور سبهللة..

ومع انكسار شوكة الإرهابيين وما أسموه من سلطة الدواعش ومنظومتهم لا نجد اي موقف حذر تجاه بقايا نفايات الإرهاب وتعايشها واحتمال عيشها في كنف الطائفيين الإسلامويين ومن ثم خروج تلك العناصر من الذئاب المنفردة ومن الخلايا النائمة لتطيح بضحايا كما يراه ويعيشه شعبنا بشكل شبه يومي!

اي مهنية يتحدث عنها الطائفي ومنهجه يكمن في تقوية ميليشياته وتدريبها والتمسك بتسليحها كما تقول التقارير أكثر من تسليح الجيش والأمن ومؤسساتهما؟ أية مهنية وتمثيل للقانون والقيم الدستورية ومازالت لدينا سجون سرية يديرها قادة ميليشيات ويفرضون قوانينهم وأحكامهم على وفق منطق يدوس على القانون والدستور وينتهكهما ويُعلي منطق الغالب والمغلوب والثأر وجرائمه..؟؟؟

عن أية أوضاع أمنية واستقرار وسلم أهلي وأمان مجتمعي ومن يختطف ويرتكب الجرائم هو بملابس وسيارات تلك المؤسسات ولكنه ينفذ أوامر قادة أحزاب طائفية وميليشيات وعصابات مافيوية لا أوامر قادته المؤسساتيين؟ وعن اية دربة ومهنية نتحدث وتلك المؤسسات ينضم إليها منتسبون بالمحاصصة لا بالشهادة ولا بالكفاءة ولا بالمناسبة للوائح تلك المؤسسات؟

ومرة أخرى أؤكد وجود عناصر إيجابية لكنها قليلة نادرة في عددها محيدة معزولة عن التأثير وسط طوفان عددي بائس وربما عدد فضائي كما ظهر رديفا لنظام الطائفية الكليبتوقراطي في السنوات الأخيرة وطبعا وسط منهج لا يسمح بتشغيل تلك العناصر واستثمار طاقاتها لأن المنهج يتقاطع والاشتغال المهني السليم…

إن حال التحاصص في كل شيء قد أفضى إلى محاصصة في وظائف تلك المؤسسات على أنها محاصصة تقدمت باتجاه مزيد تهميش لجناح طائفي لحساب جناح آخر حتى أن أحد الأجنحة الطائفية بات يشكو أن نسبته لا تتجاوز 2% بعد أن كانت 10% وتم إحالة قادة عسكريون وأمنيون متخصصون على التقاعد والعزل بحسب التوازنات ونتائج الصراعات بين قوى المحاصصة الطائفية…

إنني هنا، أدعو لإعادة قراءة متخصصة متكاملة وإعلان إحصاءات مسؤولة عن بنى الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية والاستخبارية ومواضع تركيبتها ومصادر تسليحها وتدريبها بالتأكيد في إطار ما يفرضه القانون ويسمح به وبمستويات عامة أو بداخل الرقابة البرلمانية تحت قبة مؤسسات دستورية محددة…

وندائي هذا لا يقف عند حدود التطوير المهني البحت بل يلزم تلبية نداء حصر السلاح بيد الدولة ورفض ممارسات من قبيل الدمج بخلفية توافقات زعامات المافيات والميليشيات لأن هذا يمثل أحد مقاتل تلك المؤسسات.. يجب الانتباه على مشكلة خطيرة إن لم ننته منها بجدول زمني محسوب في ترتيب حل الميليشيات فسندخل أنفاقا أخطر من تلك التي مرت طوال الـ14 سنة الكارثية…

إن الشعب لا يعنيه اليوم، تبادل الاتهامات بين جناحي افسام السياسي الطائفيين بكل مكونتهما وجماعتهما وتمظهراتها في أحزاب وتيارات وائتلافات بمسيات دينية أم مدنية ولكنه يهمه تغيير المنهج وتسليم السلطة لممثليه الحقيقيين الذين يختارهم بلا تزوير لكي يشرع بإعادة الإعمار والبناء ومسيرة التقدم..

بهذا أجدني ملزما بالقول: إن وعود سلطة الطائفية لضبط الأمن هي مجرد أوهام وصلت بالعراقي حد التخمة بلا نتيجة سوى مزيد ضحايا وخسائر، تتطلب حسماً بحراك شعبي يمتلك البديل الوحيد وينبغي أن يمتلك وسائل فرضه وتحقيقه.

فهلا تنبهنا، واتخذنا القرار قبل فوات الأوان؟؟؟

إنني أطالب الحراك الاحتجاجي الشعبي بوضع مفردات مطالب وشعارات تتضمن دفاعا عن بنى مؤسساتية يمكنها حفظ القانون ورعاية المواطن من فوضى الاعتداءات وتنفيذ إرادة القضاء حتى عندما يطال الأمر المتنفذين… وبخلافه سنعيد إنتاجهم بسطوة من أذرع ميليشياوية وبلطجتها التي لا تخفى على كل مواطن..

وغذا كانت تلك المؤسسات قد بناها الدكتاتور الطاغية لحراسته ومصادرة حريات الناس فإن من يصادر تلك الحريات اليوم ليست جهة بعينها بل أذرع العنف والبلطجة التي نجدها بعدد من تخدمهم من رؤوس الاستغلال ونظام الطائفية الكليبتوقراطي المافيوي.. أفلا نتعظ ونتنبه؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد