أعياد الربيع


 

هلت تباشير الربيع بوضوح هذا العام ، اعتدل الجو ، أخذت الشمس تبعث بأشعتها الحانية الرقيقة ، فيذوب ما حل في القلوب من ثلج ، وما أصاب الأفئدة من جليد ، الأشجار تعود إلى الحياة ، يزول عنها الذبول ، تكتسي الأوراق خضرة بهيجة ، وتتلألأ ألوان الربيع جمالا وروعة .

أنت فرحة على غير العادة ، آليت على نفسك أن تطردي سموم الكآبة من داخل روحك الوثابة المتعطشة إلى النور والفرح ، تذهبين وتعودين ، علك تنجزين ما أزمعت القيام به ، والظروف الاستثنائية ما فتأت تمسك بخناقك ، حتى الرغيف لم يعد من اليسير الحصول عليه في ظل هذه الأوضاع التي خلقوها حولك وأحاطوك بها ، وسجنوك داخلها واستطاعوا أن ينجحوا بعض الوقت في وأد الفرحة وتبديد الأحلام ، قررت الاحتفال بمقدم الربيع ، كما كنت تفعلين في الأيام الماضيات ، عائلتك الكبيرة ، فارقك أفرادها ، مرغمين واحدا بعد الأخر ، زوجك استقر في مكان بعيد ، لم تكحلي العين برؤيته منذ أعوام طوال ، يتصل بك هاتفيا بغياب الرقيب ، في فترات متباعدة ، يطمئن على أحوالك ، وأحوال ابنتك الوحيدة التي بقيت معك ، ويخبرك بأنباء أولادك وبناتك المنتشرين في بقاع مختلفة من أنحاء العالم….

جهزت الجرار الفخارية ألاثنتي عشرة ، بعدد أفراد أسرتك السعيدة المتآلفة ، وضعت في فوهتها وعلى قطع من الململ ، كمية من القمح ، رويتها بالماء ، وطنت النفس على رعايتها وسقايتها ، حتى يخرج الزرع وينمو ، ثم يصبح نبتا بديعا ، يزين بيتك ويجمله في العيد الذي قررت الاحتفال به

سنين طويلة وأنت لم تقربي هذا الاحتفال البهيج ، حيث تجتمع الأسرة المتعاونة حول مائدة كبيرة تضيء بهجتها الشموع ، وسبع أنو اع من الأطعمة تبدأ بالحرف سين ، كان حبيبك ، رفيق حياتك ، يوفر لك ما تشائين من صنوف الطعام ، وألوانها،

ويهيئ ما يلزم هذا اليوم من مواد تجعل ظلال المحبة والوئام يسودان في بيتك السعيد….

بقيت وحيدة تعانين ألام الفراق ، تشعرين أنك محرومة مما يجعل للحياة معنى ، من الحب والحنان ، لم تفكري هذه الفترة بإحياء هذه العادة الجميلة ، فالكل قد غادر ، فلمن تهيئين ولمن تحتفلين ؟ وحياتك باردة ، لا دفء فيها ، واليوم تشعرين إن الاحتفال بمناسبة العيد ، وإشعال الشموع بعدد أفراد الأسرة يخفف عنك لوعة الفراق ، ويبعث في نفسك شعورا بالتفاؤل ، بان من أرغم على البعد بجسده مازال معك بإحساسه ومشاعره ، وان آلاف الأميال عاجزة عن تغيير العواطف وتبديدها…

اتصل بك زوجك معلنا أخبارا عن الأولاد والبنات كنت تنتظرين سماعها ، زال قلقك عن الأولاد البعيدين ، أنت مطمئنة عليهم ، هم يعيشون في بلاد تعرف شيئا عن حقوق الإنسان ، ابنتك الوحيدة تأخرت في العودة إلى المنزل وقلبك يشتعل ، ماذا الم بها ؟ المكاره تطاردك هنا ، لم تالفي الشعور بالأمان ، يمضك الفؤاد ويوجعك ، تقمعين مخاوفك ، تتنفسين بعمق ، أنت وحيدة ، لم تذوقي طعم البهجة منذ أمد طويل ، وابنتك ماذا حل بها ؟ قد وعدتك أن تحصل على بعض المواد الغذائية اللازمة للاحتفال ، السوق شحيح ، وإذا طلبت شيئا يرغمونك على شراء مادة أخرى لست بحاجة إليها…

قائمة المواد التي تريدينها طويلة وابنتك قد لا تستطيع الوفاء بوعدها ، قالت لك الجارة أم عماد:

– يصعب الحصول على المواد اللازمة الآن ، لنتعاون معا اذهبي إلى احد الأسواق وأنا اذهب إلى آخر وسوف نقتسم ما نحصل عليه….

تتحركين بهدوء ، تخشين أن يشعر احدهم انك تحتفلين بعيد منع الاحتفال به منذ دهر والناس في حداد مستمر ، جارتك أم عماد تثقين بها ، هي أخت لك وصديقة ، تتبادلان الحديث والإنصات ، تحيا نفس ظروفك وان كنت أوفر حظا منها فقد غادرها الجميع واتخذت منك أختا بديلة عن الغائبين….

الهاتف يرن ، علها ابنتك:

– حصلت على الشموع ، والسمسم ، اصل بعد قليل..

يفرحك النبأ ، بقيت أنواع ستة ، عليك توفيرها ، السمسم من الحاجات النادر توفرها في ظل موجات الحرمان المتلاحقة التي حلت في البلاد

السلق من الأنواع الصعب توفرها ، حتى انك لم تعودي إلى صنع الدولمه ، تشح هذه المادة باستمرار ، ام عماد أخبرتك أن إحدى معارفها في المناطق المحظوظة تستطيع أن تمنحها باقة من السلق تقتسمانها بينكما…

أنت الآن آمنة قليلا ، لم يعد ابن أبيك يكرر الاتصال طالبا أن تتبرئي من شريك حياتك لأنه خائن غادر الوطن ، قد أوقفته عند حده ، فقاطعك وحرمك من ميراث أبيك ، ليذهب مع نقوده إلى الجحيم ، فزوجك ، حبيبك والد أبنائك رؤوف بك ولم يقاطعك…

السمك من أين لك الحصول عليه ؟ أنت لم تتذوقيه منذ سنين ، ابنتك أخبرتك أن صديقتها سها ، قد تمنحها سمكة ، بعد أن علمت أن هذا الصنف يكاد يكون مجهولا في المنطقة التي تقطنين…

عليك الآن ان تبدئي بصنع الأصناف التي تتوفر لديك موادها الأولية ، لتهيئي السكر لصنع السمسمية ، تصل ابنتك بعد قليل ، ولكن ماذا ستفعلين إذا كان السمسم بحاجة إلى عملية تنقية طويلة ؟ ، اطمئني ، السوق الذي ذهبت إليه ابنتك في منطقة راقية ولابد ان يكون السمسم منقى ، اصنعي الساهون الآن!

توفرت لديك أربع مواد تبدأ بحرف السين ، بقيت ثلاث ، كيف يمكنك توفيرها؟

دقات قليلة على الباب تعلمك ان صديقتك أم عماد ، تنتظر إذنا بالدخول ، فقد عرفت طريقة طرقها على الباب

– وصلك السلق وقليل من السماق…

كم مادة لديك الآن ؟ يتعبك العد وتنسين بعض الأسماء ،،،،، أم عماد تبتسم ، ورقات من السبانخ ، تحتفظ بها في الثلاجة ، بحالة جيدة لم يصبها التلف بسبب انقطاع تيار الكهرباء…..

والبيض ؟ كيف تتمكنين من الحصول عليه ؟ وهو يشكل أزمة لاحل لها ، تطلبين اثنتي عشرة بيضة ، تخرجين إلى احد الأسواق الشعبية ، لم تعتادي الذهاب إليها ، أيقنت ألا شيء فيها يبعث على الرضا ، تعثرين لدى بائع عجوز ، على ضالتك ، وترين على رف مهجور كمية من السيلان تفي بالحاجة…

سبع مواد تبدأ بالحرف سين متوفرة لديك ، ما عليك إلا بالبدء بالعمل ، طلب منك ابن أبيك أن تتبرئي من شريك حياتك وان يقوم هو بالانفاق عليك ، ظنا منه أن ما يبتغيه الإنسان نقود فقط ، انى له أن يعرف انك تريدين الحب والحنان ، النقود أمرها ميسور ، فما زلت في أوج عطائك ، صحتك وماكنة الخياطة التي عدت إليها ما فتئت تحنو عليك وتعاملك برقة وحنان تسعين اليهما….

وجدت ما تطلبينه من البيض في ثلاثة حوانيت اشتريت اثنتي عشرة بيضة وعدت وأنت تشعرين بالانتصار….

كل المصاعب أنت قادرة على تذليلها في هذه المناسبة السعيدة ، كنت أيام شبابك تخرجين إلى البساتين ، مع الرفيقات ، تذهبين إلى احد الغدران وتتناولين الخس والمكسرات ، أنت لا تستطيعين اليوم الخروج ، هم يتهمون كل ثلاثة يتمشون مع بعضهم بإثارة الشغب وإفساد الجماهير ، وقلب قناعتها ، ياليتك قادرة على الإتيان بما يتهمونك به ، السنون تغير الإنسان وتهد قوته ، وتجعله مستكينا…

تأخذين البيض ، تغسلينه ، اثنتا عشرة بيضة بعدد أفراد أسرتك ، تلونين البيض ، ، تكتبين على كل واحدة اسم أحد أفراد الأسرة ، تصبح لديك باقة من البيض تضحك بسعادة ، تتلآلآ ألوانها بحبور وسرور ، وتعلن أن الظلم لن يتمكن من النيل من تعاون الأسر وتآزرها….

تصل ابنتك ، قد تهيا لك كل شيء ، أصبحت المائدة عامرة ملأى ، تولعين شموعك الاثنتي عشرة ، انها بحجم واحد ، ألوانها مختلفة بين الأبيض والأحمر والأخضر ، تتمنين أن تنتهي شمعتك من الاشتعال ، أن تلقى حتفها قبل الشموع الأخرى ، لا تريدين أن تفقدي أحدهم ، تخشين الفراق ، تتوقعين حضورهم ….لم يتمكن من قهرك الظلام المهيمن…

الزرع ينمو ويخضر ، اثنتا عشرة جرة ، تضعينها حول المائدة مع الأصناف السبعة السينية ، تضعين البيض الملون ، الشموع تزهو بألوانها الجميلة ، تتوهج ، تبعث في نفسك الاطمئنان بان الغد لابد آت

أنت جالسة مع ابنتك الوحيدة ، ترفلين بلباسك الزاهي الجميل ، تنظرين الى الشموع المتوهجة وأنت تناشدينها أن تستمر على التوهج ، علك تحققين ما ترنو إليه نفسك ، تنتظرين هاتفا من البعيد القريب ليزف لك النبأ السعيد ان البعد لم يقضي على ما يكنه لك من حنين..

شارك
المقال السابقالفن والحداثة مصطلح واحد
المقال التالىدورينا تحت مجهر العالم
صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية صدرت عن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد