المثقفون و السياسة

 

المثقفون و السياسة
(الثوابت ، المحاذير، المستقبل)
قلبت ثورات الربيع العربي الأوضاع الفكرية ، وزلزلت كثيرا من الأمور المستقرة خلال العقود الأخيرة التي سبقتها ؛ فكان لزاما على النخبة المثقفة ، مراجعة قناعاتهم ومواقفهم ، حيث يقع على النخبة – على اختلافات تياراتها السياسية والفكرية وبوصفهم طليعة المجتمع – المهمة الكبرى في قراءة الواقع ، واستشراف المستقبل، في ضوء مفاجأة الثورات بالنسبة للجميع، على الأقل في فعل الحدث ، وليس في إرهاصاته ومقدماته ، وبالتالي تقود العامّة وأيضا السلطة ، وبأمانة وموضوعية وإرشاد إلى سبل الأمان الاجتماعي والمجتمعي .

إننا لا نستهدف مناقشة حالة كل قطر على حدة ، ولا الظروف والملابسات المحيطة بكل بلد ، فمن المسلم به أن هناك عوامل متشابهة، واختلافات منذ لحظة البدء والمسار والمنتهى إلى الآن . وإنما نستهدف تقديم رؤية شاملة ومؤَسسة تخص تعامل المثقفين مع السياسة والسياسيين ، على ثلاثة مستويات : الثوابت والمنطلقات، المحاذير والمهالك ، المستقبل والتطلعات .

فأما الثوابت فتعني الأمور المتفق عليها ، والمبادئ التي لا يمكن التنازل عنها، ولا التفريط ولو جزئيا فيها ، ولا المساومة حول قواعدها .

فالثابت الأساسي أن الوطن أرضية تسع الجميع دون إقصاء لأحد ، على أساس ديني أو طائفي أو فكري أو فئوي أو عرقي. وتأتي حرية الرأي والمعتقد والحركة والنشاط حقوقا يدافع عنها اليساري لمن كان يمينيا ، ويذودعنها القومي لمن تمسّك واقتصر في رؤيته على الوطن القطري، مثلما يحمي الإسلامي حقوق من نادى بالعلمانية في كافة أوجهها ، وبالطبع رفض الاعتقال والقهر والحظر وتبني الخطابات الإقصائية في حالة ، والتكفيرية في حالة أخرى ، والاستئصالية في حالة ثالثة، وإن حدث هذا ، فيكون دور المثقف تجميعيا إرشاديا وليس تفريقيا، مشددا على الأسس والمبادئ ، نابذا التفريعات والهامشيات ، مؤكدا على أن الفكر – وإن شذ وتشدد – لا يُحارَب إلا بالفكر ، فلا معنى أن يتمترس المثقف خلف الشرَطي ما دام الأمر متعلقا بحرية الفكر والمعتقد في الإطار الإنساني .

أيضا ، يقع على عاتق المثقف ترسيخ هدف النهضة والحكم الصالح الرشيد ، الذي يواجه الفساد والمفسدين ، واضعا نصب عينيه الانتصار لمصالح الشعب ، وحماية ثرواته ، وعدم استئثار ( فرد أو عائلة أو شريحة ) لقطاع اقتصادي ، واحتكار المناصب في وزارات بعينها ، فقد أصبحت بعض الوزارات السيادية ، ذات الرواتب الخيالية ، أشبه بالقبيلة في فخوذها ، والعائلة في روابطها ، أما عامة الشعب ، فلهم الوظائف الدونية .

إن الهدف من النضال السياسي ليس إيجاد نظام ديمقراطي تتنازعه الطائفية والفئوية والحزبية ، وإنما وجود منظومة سياسية قادرة على فرز الصالح من الطالح ، ليتقدم القيادي الموهوب ، متبنيا البرامج الطموحة، التي يمكن أن تضع الدولة ضمن كوكبة النمور النهضوية ، وكما يقول علماء السياسة ، فإنه مع وجود قيادة قوية راشدة ، وحكم يرسخ حريات الشعب وحقوقه، والجدية في تنفيذ برامج التقدم المعتمدة على سواعد الجماهير ، وثروات الوطن ، والخطط الاستراتيجية ؛ يمكن أن يحقق الوطن نهضته، وينطلق من التبعية الاقتصادية إلى التنمية المستدامة .

والثابت الأهم ترسيخ مبدأ التداول في الحياة السياسية، من خلال آليات ديمقراطية أساسها الانتخاب الحر الشفاف . وخصوصا في الحياة الثقافية، فليس من المقبول اعتماد قاعدة الدور الذي يلفّ على أفراد شلة بعينها، فيفوز من عليه الدور بالتزكية ، على أن ينفّع أفراد شلته ، لنفاجَأ بنفس الوجوه في اللجان والمؤتمرات والسفريات وهلم جرّا .

أما المحاذير فهي المنجيات من مهالك ، المانعة من السقوط في مدارك . فلا يعقل أن يترك المثقفون المخلصون القيادة الثقافية والفكرية لمثقفين آخرينمن الشيوخ والمدّعين غير المنتجين إبداعيا ، والثوريون يعلمون جيدا أن هؤلاء المتجمدين المشهورين ما برزوا إلا بمداهنتهم للنظم المستبدة، والسكوت عن القمع، ويعلمون أيضا أن هؤلاء سابقوا لنيل الجوائز والأوسمة ، غير ناظرين إلى طغيان من أعطوهم ولا استكبارهم في الأرض ، فهذا أحدهم قد أعلن موافقته على التنازل عن الجائزة الممنوحة له من حاكم سقط سريعا وصريعا أمام الثوار، في نفس الوقت الذي رفض – وهو الأكاديمي المرموق إعلاميا – إرجاع قيمة الجائزة المالية المليونية ، التي نالها ، لأنه على حد قوله قد ضاعت في غلاء الحياة !

وهذا آخر ، كتب قبل الثورة مفجرا قضايا هامشية بعيدة كل البعد عن هموم المواطن البسيط ، وبعد الثورة ركب موجة الحرية ، رافعا عقيرته بالأحلام والشعارات، في الوقت نفسه الذي لم يجد أي غضاضة وهو يصعد إلى منصة المسرح ليتسلم جائزة ثقافية رسمية ، كان هو مقترحها ورئيس لجنتها . أي أنه صار مؤسس الجائزة، ومحكّمها ، ومانحها ، والفائز بها .

أيضا ، لا يمكن الوثوق في مثقفين ، اختاروا القفز على الحبال بين نظم عديدة، فبعضهم غازل الحقبة اليسارية وهو شاب ، ثم تبوّا المناصب في الحقبة الليبرالية المصطنعة كهلا ، وحين تقاعد آثر أن يكون على مقربة من الأنجال الصاعدين في الحياة الثقافية ، فالمهم بالنسبة إليه أن يكون في دائرة الشهرة ، تحت أضواء العدسات وأمام كاميرات الفضائيات ، حيثالمكافآت لازمة لظهوره ، ومقابلا لأحاديثه بالفصحى المسكّنة ، الهادئة ، المدافعة ، والمبررة .

وهناك من المثقفين ، من جعل الإعلام ملاذه ، فلا يفرق بين الحكومي والخاص، فلديه القدرة على العزف حسب اللحن المطلوب ، والتلوّن سريعا ، ودائما ما في كلامه خطوط للرجعة ، يمكن أن يعود إليها ، مستشهدا ومدللا . وهناك مثال للتفكه في المجتمع الإعلامي ، عن ذلك الصحافي الدكتور الأديب السياسي الباحث الاجتماعي .. ، تلك هي النعوت التي تصاحبه لدى ظهوره إعلاميا ، فيتندرون أنه ظهر في ليلة واحدة في خمس قنوات ، مكتفيا بتغيير سترة بذلته مرة، ورابطة عنقه مرة أخرى ، حاصدا مكافآته مقدما من كل قناة .

أما عن المثقفين والمستقبل ، فيبدو أن حدث الثورة كان مفاجئا لهم، فانخرط الجميع في توصيفها ، وشرح مسبباتها ، ولكنهم لم يفكروا فيما بعد الثورة مجتمعيا ، مثلما لم يفكروا كيف ستكون أحوال الثقافة مستقبليا ، فهل كان الحدث أكبر منهم ، أم لم يرتقوا له فكريا ؟ وفي كلتا الحالتين ، على النخبة أن تستشرف المستقبل ، على أسس أهمها : تقديم ثقافة راقية تنهض بالفكر والذائقة ضد التسطيح الثقافي والفني الذي يسود الآن ، الاحتفاء بالمبدعين الحقيقيين المنزوين ، وتحرير المنابر من الوجوه المحنطة ، والآراء المكرورة ، ووضع خطة ثقافية علمية ، تكتشف المبدعين ، وتنهض بهم ، وتقدّمهم للمجتمع .

والأهم الاضطلاع بدور التوجيه والإرشاد لفئات المجتمع وشرائحه المختلفة، لإيجاد وعي حالم بالتغيير ، قائم على تنفيذه ، فالثقافة قاطرة الأمة ، والمثقفون الحقيقيون يقودونها ، واضعين نصب أعينهم أن الثقافة الحقيقية لا تنحصر في التعبير عن رأي ، وإنما في بناء عقل واع ، وتأسيس شخصية وطنية ، تعبر عن هويتها ومكوناتها الثقافية والحضارية ؛ تبني وطنها فلا تهرب منه بالهجرة خارجيا أو الانكفاء ذاتيا ، تواجه مشكلاته بالعلم والحلم والحماس والنشاط الذاتي ، مخططة لاستغلال ثرواته ، لا السكوت عن نهبها ، فهدفها : نهضة مستدامة، للجيل الحالي والأجيال القادمة

لا تعليقات

اترك رد