بين الهم وتعويم الدرهم


 

نطق الوزير ، وليس أي وزير ، وزير المالية، وما أدراك ما المالية ، قطوفها دانية يحلبها الزبانية ، من يتقنون التملق ويُبهرون بالتشدق ، لأنهم أبناء قاع وباع ، اخرسوا كفانا صداع …. قال كلمتين خفيفتين على اللسان ، شديدتين على الإيمان لان الفقر كاد ان يكون كفرا ، قالها سيدنا عمر رضي الله عنه، أجل كاد الفقر إن يكون كفرا , لأن منه المصائب ومنه الأزماتوالانشقاقات والحروب والدمار ، قد يبيع المرء شرفه من اجل قوت يومه ، يبيع دينه وملته ، لنقول في الوقت الراهن الفقر كفر أكيد إلا من رحم ربك .

تعويم الدرهم ، هما الكلمتين اللتين امتصتا كل مداد الجرائد وحركت كل العقائد ليس الدينية بل المذهبية ، والحزبية ، والمجالس المحلية والإقليميةوالجهوية ، الرفاق يتساءلون والإخوة يناقشون والممتصة جيوبهم خائفون ، نزل القول كالسيف، فإما أن يقطع او يميت وقليل هم المحظوظون من لا يأبهون بالتقلبات الصرفية حتى العالمية … فلم اختيار هذه الظرفية بالذات؟وما السبب لذلك ؟ وهل كان من الضروري إحداث هذا التغيير ؟ .

أسئلة أكيد يطرحها كل متتبعي الشأن الاقتصادي المغربي، لكن قبل الإجابةعنها برأينا المتواضع، لنعرف أولا معنى تعويم العملة، وما هي انعكاساتها على الحياة اليومية للمواطن البسيط ؟ وما انعكاسها بشكل عام على اقتصاد الدولة ؟ .

تعويم العملة ، هو نظام صرف معمول به في مجموعة من الدول التي لا تتدخل في تحديد قيمة عملتها ، هو نظام حديث ، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت المجموعة القوية في العالم مالكة الفيتو حاليا بوضع مجموعة من الآليات القانونية والتشريعية لتنظم سير الدول في العالم : 1945 خلقت الأمم المتحدة ( من أجل وضع التشريعات السياسية ) ، خلقت FMI أيمركز النقد الدولي ( من أجل وضع التشريعات المالية على أساس تدبير النقد ) وكذا البنك العالمي ( قصد إعادة إعمار ألمانيا ليتحول تدريجيا إلى ما يسمى حاليا بالبنك العالمي ( لإعطاء مجموعة من الديون للدول على أساس إحداث مشاريع وبعدها إرجاع القيمة المقترضة بزيادة الفوائد …..فالتعويم إذن في الاقتصاد : يعني المرونة.

مسالة التعويم أظن لا توجد أية دولة في العالم تطبق التعويم المطلق على عملتها ، وهنا يجب التمييز فيه بين المطلق و المرن : فالمطلق يعني بأن البنك المركزي لا يتدخل في عملته وهو أمر غير موجود بتاتا ومستحيل ، أما المرن أي التعويم فحريته غير مطلقة و خالصة لأنها تتحرك في هامش محدد لا يجب تجاوزه بدون تدخل السلطات .

البنك المركزي المغربي أكيد أراد أن ينسلخ عن بعض المشاكل المواكبة للدرهم ، لأن هناك مشاكل ومهام أقوى منه يجب التركيز وإيلاء العناية الخاصة لها ،ليسلمها للقطاع الخاص والمتمثل في كل من المستهلك والشركات .

1958 دخل المغرب لصندوق النقد الدولي: صندوق وضع ثمانية طرق وأنظمة النقد وليس واحد، الأول نظام نقد تابت والأخير مرن وبينهما فضاء ومجال تتحرك فيه الدول، وهو مجال رحب و ليس بواضح. والمغرب أيضا دخل هذه المنطقة منذ 2015 وبعد الانسلاخ عن التبعية للعملات الأوربية قبل ظهور اليورو، ارتبط الدرهم بستين في المائة باليورو وأربعين بالمائة بالدولار…. علاقة لم تكن سليمة وقوية إلا مع أوروبا الشيء الذي دفع المغرب إلى اعتماد هذه النسب .

فإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا اختار المغرب هذه الظرفية بالذات ؟ جل المتدخلين وجل وسائل الإعلام صرحت بأنها إملاءات البنك العالمي لأنه هو الذي يفرض شروطه من اجل الاستمرارية في التعامل مع الدول ، لكن هناك من يعزي هذا التحول لنضج المغرب ولسياسته المالية خاصة بنك المغرب وباقي الأبناك الأخرى التي تتميز بالتدبير الجيد …لكن فما العيب في إتباعتوجيهات البنك العالمي مادام الشريك الأساسي للنهوض باقتصاد البلدان ؟ كان من الأجدر فقط إخبار المواطنين من مدة طويلة حتى يستأنسوا بالفكرة وبالتغيير المحتمل …. الظرفية الحالية الاقتصادية للمغرب ثابتة ومجموع احتياطي العملة الصعبة سيغطي أي عجز محتمل لمدة تقريبا خمسة اشهر إذن الانتقال سيكون مرن أكيد ونتمنى ذلك ….

عالم الاقتصاد يحب المغامرة المبنية على أسس علمية، ولا مجال فيه للعبثية،فإما الصعود وإما التخلف لهذا كان من الضروري الشروع في هذا التغيير لمواكبة الرهان المجتمعي والاقتصادي والتنموي الذي اعتمده المغرب الحديث …..

يبقى السؤال المطروح ما مدى تأثير التعويم على جيوب المواطنين ؟

الجواب في صعود او انخفاض الحبل الرابط بين العملتين وأتمنى ألاَّ ينخفض اليورو لان نسبة الربط ستين في المائة …. فأي انخفاض سيكون له وقع جلي على أسعار السلع المستوردة خاصة ، مما سيضطر معه المواطن اقتناء السلع المحلية عوض الأجنبية وأكيد هي نقطة ايجابية لأنها ستشجع المنتوج المحلي على حساب المستورد لكن المشكلة أكيد في الإنتاج والذي يجب أن يطور بشكل كبير والاعتماد على المشاريع المكرو اقتصادية عوض الخدماتية كالسياحة مثلا ، كما يجب تطوير المنتوج المحلي لينافس المستورد أو الخارجي …. وهذا هو بيت القصيد ، لأنه إذا لم تواكب العملية توجهات جديدة للحكومة سينهك المواطن البسيط لأنه حينها لن يتمكن من مواجهة الغلاء وارتفاع المعيشة ….

التعويم ضرورة ملحة للتطور والتقدم ، لكنه محفوف بالمخاطر ان لم تواجه التقلبات وتغيرات سوق صرف العملات بالجدية والتركيز المطلوبين لان النتيجة ستكون كارثية للطبقات الفقيرة والمتوسطة …….

لا تعليقات

اترك رد