من سمات الكتابة


 

من سمات الكتابة
قراءة في كتاب”الكاتب الخفي والكتابة المقنعة”*
لمحمد عز الدين التازي

للكتابة سحرها المتجدد دوما، وللكتابة مكوناتها المعقدة تستمدها مما يحيط بمنتجاتها من أفكار وحالات وتداخلات الفكري بالمعيش بالقي… والكتابة بناء بأسس تتجدد بتجدد الرؤية ، هذا التجدد يفرضه التطور الذي يكتنف علاقات ومسالك الحياة باستمرار فالكتابة الابدعية تمور بكل ما يتعالق ويتفاعل مع مجريات وعناصر الحياة وقد نصدق إن اعتبرنا العملية الابداعية عامة تحاول باستمرار أن تخطو بناء نحو المجهول، ولذا فكل إبداع – وهذا ما ينبغي أن يكون – يمتلك شكلا وسمات تجعله متميزا يحمل هوية خاصة غير مكررة.وكثيرا من الكتاب المبدعين يسعفون الباحثين والقراء وحق النقاد عبر إشاراتهم العابرة والعميقة أحيانا بالتعرف على السمات الكائنة والسمات المتجددة أو المنتظرة في الكتابات الابداعية … وبذلك يسهمون في التجديد وتجاوز النموذجية والسكونية وتحجر الرؤية ، خاصة حين يتعدون الحديث عن المحتويات والمضامين إلى الحديث عن الخفي في العمل الابداعي حيث التركيز على بنيات الإنتاج الأدبي باختلاف أجناسه وأشكاله.

في هذا السياق يأتي كتاب “الكاتب الخفي والكتابة المقنعة ” لمحمد عز الدين التازي

والكتاب على صغر حجمه ومعدودية صفحاته غني بالأفكار المركزة والنابعة من تجربة الكاتب المتنوعة كاتبا وقارئا .وتحت عناوين مغرية تناول الكاتب

حديثه عن الكاتب كفاعل وكمسؤول عن استنبات وتجديد السمات والتقنيات الابداعية ، وقد وردت هذه العناوين كالآتي : الكاتب وظله – الكاتب ورهاناته- الكاتب والأجناس الأدبية-الكاتب والحداثة-الكاتب والتعدد-الكاتب والايروسية-الكاتب والمدينة –مغارات الكتابة-رحيل البحر.

ومسبقا نوافق عبد اللطيف اشهبون في تقديمه القصير جدا للكتاب والذي يرى فيه أن كينونته أفسح وأعمق من أن يحيط بها نظر عابر ، ذلك أن الكتاب يستقي حمولته من تفاعل الكاتب مع الإبداع قارئا وناقدا وقاصا وروائيا، وكذا نعتبره ممثلا ومجسدا لمكنونات الكتابة والأفق الإبداعي والنقدي لكاتبه.ونشير إلى أن الكاتب قد ركز على الإبداع السردي قصة ورواية …وكان ما كتبه ما هو إلا إجابة ضمنية عن ماهية الكاتب المبدع أو ماهية بعض سماته ومميزاته في خلاقة مع منتوجه.

وهكذا نجد من سمات الكاتب لتخفي والاستتار الفني في ثنايا عمله الإبداعي، فهو الذي يجعل من عمله أغلفة من التحويرات والمنعطفات المتنوعة ليخلق بينه وبين المتلقي مسافة ما فلا يفضي إلى حقيقته ولو تعلق الأمر بسيرة ذاتية. فهي “لا تستطيع أن تنهض لمقاربة الحقيقة أي إخراج صورة حرفية عن معيش الكاتب في حقبة أو حقب أو في أوضاع نفسية واجتماعية معينة ” ص 7 ولن نبتعد عن هذا الأمر إذا اعتبرنا أن الكاتب تميزه عن غيره القدرة على التخييل. هذا العنصر الذي يعمق الرؤية ويشضيها لتدمج مع الرئيسي جزئيات وتفصيلات مؤقتة لها. وبذلك يعرفنا عن ملامسة حقيقته” والكتاب اللذين استوحوا بعض تجاربهم في الحياة من أجل تفجيرها وإغنائها بمزيد من التفاصيل المتخيلة قد سعوا إلى أعمال تمت إليهم بصلة ولكنها لا تنتسب إليهم، بعامل الصلات المتعددة والمتنوعة مع الواقع والثقافة والوعي والتراث” لهذا فالكاتب مرصد وذاكرة غنية

تتشاكل فيها اللحظات والناس وشؤونهم وليس مجرد جاسوس يتجسس على حياة أشخاص كي يصنع منهم أبطالا لتجسيد حياة شخصيات قصصه أو رواياته.

والكاتب –كما يرى صاحب الكتاب –وهو يواجه المدينة يخالف السائح لأنه بإمكانه أن يستحضر أرواح المكان واهبا لحما ودما وذاكرة ولغة وعينين كي تنطق وترى.وهكذا يتعدد الكاتب بتعدد اللحظات والمذكورات والمخفيات والمعلق عنها، وهذا التعدد وهذا الزخم يتطلب من الكاتب المغامرة والكتابة التي لا تغامر باقتحام المجهول بسبب كتابه.و”الكتابة التي لا تهشم مرايا تجعل لها مرايا أخرى للغة والذاكرة والمخيلة والمكان السري ليست كتابة” ص 55.

وإذا كان العقاد يقرأ كي يعيش أكثر من حياة لأن حياة واحدة لا تكفيه ، فإن الكاتب مثل القارئ يحاول ذلك لأنه يريد أن يصير ذا وجود من نوع متميز ففارق كبير بين أن يكون إنسانا عاديا وبين أن تكون له ملاذات لفضاءات يقوم باستنباتها غير أعمال الخيال والتخيل.

وإذا أردنا أن نقف على أهم ما يؤمن به الكاتب إزاء الكتابة من حيث اعتبارها الحضن الذي يحتمي به الكاتب بشكل من الأشكال فإنها :

– القادرة على خلق المعنى للمفردات فتتحول معانيها إلى معان مولدة لمعاني أخرى وهنا تكمن إبداعيتها.

– ذلك الجرح السري للكاتب لكونها الناظرة والصاغية بحيرة إلى الواقع وما يعتمل به مشاغل ومشاكل.

– القادرة على استنبات عوالم تضج بالحركة “وهي نفسها مندهشة أمامه”ص 66 .

– المؤلفة بين التفاصيل المتنوعة استنادا إلى خبرة وتجربة فنية رؤية الكاتب.

– تجسيد لهواجس وأفراح تسكن الكاتب بشكل مقنع.

– المدمجة بين الواقع والأسطوري والهم اليومي في شكل يستند في فنيته إلى حنكة الكاتب.

ويبقى كتاب” الكاتب الخفي والكتابة المقنعة” كتابا غنيا يستحق أكثر من قراءة وأكثر من تحليل وما قمنا به لا يعدو أن يكون سوى استخلاصا متواضعا لسمات الكاتب والكتابة في نظر محمد عز الدين التازي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

2000يونيو /01هـ /1421صفر 27سلسلة شراع العددالثاني والسبعون 72كتاب الشهر *

لا تعليقات

اترك رد