المؤسسة والانتهاك .. ارتقاء الشيء من الشارع إلى المتحف – ج1


 

كتب فاروق يوسف: “لا بد أن يشعر المرء بالخجل حين يضع أعمال جيف كونز(*) في مواجهة أعمال انسيلم كيفر (**). أيّ عصر معكر المزاج هذا الذي نعيش؟ هل تعني المعاصرة أن نستعرض ما نملكه من تفاهة شعبوية في مواجهة حس نخبوي كان دائما يؤسس لذائقة جمالية لن تتكرر؟ شعبوية كونز وهو يلجأ إلى تكبير الدمى الرخيصة أشبه بالمرض المستعصي علاجه. عليك أن تغسل يديك قبل أن ترى عمله الفج المستعار من أسواق الأشياء المستعملة. هناك مَن يضحك علينا باسم المعاصرة. صار تبسيط الفن نوعا من الدربة التي لا تتطلب الكثير من الخيال أو الذكاء. كانت المكيدة مدبرة بشكل متقن لغويا”. (1)

هذه الملاحظات يمكن إضفاؤها على السياسة الثقافية التي تنهجها إدارة متحف الفن الحديث والمعاصر بالرباط، إذ تجدنا نشعر بالخجل نفسه حينما توضع في كفة واحدة منجزات كل من النحاتين الفرنسيين، سيزار César وجياكوميتي Giacometti، و “العمود الكهربائي” (انظر الصورة)، المنشور بالساحة الخارجية للمتحف، كعمل فني معاصر.

كثيرا ما يثير الانتباه العمود الكهربائي المعروض بحديقة المتحف، باعتباره أثرا فنيا. فلقد غادرت ذائقة حديقة المتحف الاستلذاذ ب “إبهام” النحات الفرنسي سيزار إلى الاستمتاع بعمود حديدي معوج، يبدو أن صاحبه استعاره من إدارة توزيع الكهرباء بالمدينة. تساءلت مع نفسي: إما أن القيمين على المتحف يستهزؤون من أنفسهم، أو أنهم يسخرون من الجمهور، ثم بدا لي الجواب عن تساؤلي واضحا حيث إن هذا الجمهور غير مقتنع، بل رافض كل ما يدبر في كواليس الفن الراهن وما يطبخ في دواليبه. فما تستضيفه القاعات العمومية من عروض، وما تتبناه الجمعيات الجهوية والاتحادات الوطنية، وما تشهده المهرجانات من حين لآخر من نشاطات تشكيلية لا يرضي الجمهور العام. وهذه حقيقة أصبحت واضحة يعلق عليها باستمرار، وتنتقد في الصحف الورقية والإلكترونية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. فسواء كان المتلقي مثقفا، له دراية بالفن أو غير بارع، فهو يميل ميلا شديدا ويتجاوب مع اللوحة المحملية، الواقعية المعبرة عن آلامه وآماله، اللوحة التي لا يستعصي عليه تشفير حمولاتها الدلالية، ويجد سهولة في فهم خطابها وتفكيك رموزها…

ويبقى الفن التشخيصي، في نظر المتلقي عامة، هو الأكثر والأقوى تعبيرية، والحامل لمهارات تقنية لا يمتلكها التعبير التجريدي، المعروف ببساطته وسهولة التعامل معه. كما أن التشخيص أقرب إلى التعبير عن الواقع الاجتماعي والمجتمعي وهموم الأفراد والجماعات، بينما التجريد نخبوي، ما فتئ غارقا في الغموض وعدم الفهم، هذا اعتقاد ليس مقصورا على “العامة” بل نجده كذلك لدى الفئة المثقفة. وخير دليل ما جاء في كلام المفكر المغربي عبد الله العروي حينما تحدث عن الفن التجريدي: ” آفتنا الكبيرة هي التجريد(…) ما ألاحظه بصدد الرسم التجريدي بالمغرب، هو ما كنت آسف له بخصوص الرواية. غياب تشخيص (تمثيل) مباشر للواقع (…) ما يحزنني، هو أنه إذا أردنا بعد خمسين أو مائة سنة أن نكون فكرة عما كان عليه المشهد الطبيعي المغربي، عما كانت عليه الطبيعة المغربية فلن نستطيع أن نطلب من الرسم أن يساعدنا على ذلك. كيف كانت الطبيعة في ضواحي الرباط أو الدار البيضاء؟ أمام هذا السؤال سيبقى الرسم صامتا”. (2)

لا أبالغ إذا أجزمت بأن هذا هو التصور السائد لدى عامة الناس من المتذوقين والمتتبعين لحركة التشكيل في المغرب، فكونك رسام ماهر إن كنت تجيد الرسم تقنية وقواعد، أما وأنت تشكل لوحة من ألوان وأشكال ينمحي بنصوصها الإيهام بالواقع ورمزية الذات والطبيعة، فهذا تعبير على أنك دون مستوى المهارة والحذق والإبداع.

ها هو متحف الفن الحديث والمعاصر الرباطي يتصدر مشهد الفني التشكيلي، إلى جانب بعض الأروقة الخاصة، مساهما في بناء صرح تاريخ الحركة التشكيلية المغربية، ذلك التاريخ الذي يحتاج في نظرنا، إلى إعادة ترتيب أوراقه. إلا أنه رغم ما يتوفر من دعم وتمويل ماديين لتفعيل عملية التدوين، يبدو جليا أن جعبة القيمين على تلك الفضاءات فارغة وأن ليس لديهم ما يقدمونه للجمهور المغربي “غير لغة الهدم التي صارت بالنسبة إلى العرب لغة للفنون المعاصرة”(3). الفنانون والنقاد والقيمون على الفضاءات الفنية، أصبحوا يرون ضرورة القطيعة مع التاريخ الفني الذي كتبت على صفحاته الأولى فصول “الحداثة الفنية المغربية”. لكن عن أي تاريخ وأية حداثة نتحدث؟ أهناك تاريخ سبق أن أرسينا قواعد صرحه حتى نجيز لأنفسنا تجاوزه والقطيعة معه، على غرار تجاوز أوروبا لتاريخها الفني العريق؟ أحققنا حداثة فعلية وحقيقية ننافس بها “الآخر”، ونكون قد أضفنا بها شيئا إلى الحداثة العالمية، ومن تم يشرع لنا الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحداثة؟ إن القطيعة التي ننادي بها ونشجع من يعمل على تحقيقها هي تعبير عن جهلنا بفننا وتاريخه، قديميه وحديثه، ف “صار (الجهل) مشروعاً للتجهيل المطلوب من الجهات الراعية”، وأن عملية التجهيل هاته ستخلق “أجيالا من الفنانين ستكون مضللة تحت عباءة ما بعد حداثتها”. (نفس المصدر)

ونحن أمام هذا الموقف، أصبح من الضروري التفكير في آليات نقدية ناجعة لقراءة النصوص التشكيلية الما بعد حداثة، نستعيض بها عن الأدوات المتآكلة، المماثلة ل “كل ما يعكسه النص من خط ولون وكتلة وفضاء، وما ينشأ عن كل

ذلك من علاقات مركبة، تناغماً وإيقاعاً وتضاداً وانسجاماً، ثم ما يحدث من جدل بين هذه العلاقات، سواء في العمل الفني ذاته، أو فيما يحدثه في المتلقي انفعاليا”. (4)

لم يعد مسموحا ولا مشروعا اعتماد اللون والخط والكتلة والفضاء والتناغم والإيقاع والتضاد والانسجام وغير ذلك من أدوات أبجدية الفن التشكيلي التقليدية لقراءة وتحليل وتقييم منجز فني ينتمي إلى الفن الراهن بمجمله. فهذا الفن اخترق كل القواعد والمقاييس التي كان معمولا بها في السابق، وانتهك كل الأعراف التي انبنى عليها النقد الفني والجمالي، بشتى مدارسه ومناهجه ونظرياته، منذ ظهوره إلى فترة أواسط القرن العشرين. ورغم محاولات النقاد المعاصرين لبناء أسس نقدية تمكنهم من تناول أعمال الفن المعاصر، فإن تلك المحاولات لم تفلح في وضع معايير دقيقة تبنى عليها نظرية نقدية معاصرة. “إنه لمن المفارقة اليوم أن نتأسف عن اختفاء المعايير الجمالية للحكم على الفن المعاصر والعمل لصالح إحياء أو خلق القيم”. (5)

فمن يعتقد أنه مازال في وسع النقد الفني استعمال الأدوات التي استعملت لقراءة أعمال الفنين الكلاسيكي والحديث فهو واه بلا شك. وهذا الخطأ وقع فيه العديد من النقاد الغربيين، والفرنسيين منهم على الخصوص، محاولين قياس الفن المعاصر من خلال تلك الأدوات المتجاوزة، وبالتالي انقسموا على أنفسهم إلى ثلاث طوائف: طائفة جد متطرفة ترفض الفن ما بعد حداثي جملة وتفصيلا، وأخرى متساهلة شيئا ما، تقبل جيله الأول وترد الجيل الثاني، وثالثة ترى في هذا الفن المعاصر فن الزمن الراهن لأنه يعكس الألفية الثالثة وعولمتها وتطورها المعلوماتي والسبرنيتي.

هوامش:

* جيف كونس Jeff Koons (1955)، فنان أميركي معروف بإعادة إنتاجه لأشياء تافهة مثل حيوانات البالونات التي صنعها من الفولاذ غير القابل للصدأ. (ويكيبيديا)

** أنسلم كيفر Anselm Kiefer، من مواليد 1945 في دوناوشينغن، هو الفنان التشكيلي الألماني المعاصر الذي يعيش ويعمل في فرنسا منذ عام 1993. (ويكيبيديا)

بيبليوغرفيا:

1- فاروق يوسف – في مغزى أن يكون الفن معاصرا، النهار، 3 كانون الثاني 2014.

2- “مديح اللا-طمأنينة” Eloge de l’in-quiétude، مجلة Librement، العدد الأول (والأخير!) سنة 1988

3- فاروق يوسف – – تعاسة الفنّان العربي الرافض الوصاية – جريدة النهار، 13 أيلول 2014

4- محمد أبو رزيق: النص التشكيلي بين اللغة البصرية والتأويل، مجلة الصورة – العدد الثاني/ مايو 2003 – دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة/ (ص. 126)

5- مارك جيمنيز-الجمالية المعاصرة، الاتجاهات والرهانات، ترجمة وتقديم د. كمال منير، منشورات ضفاف بيروت، 2012.

المقال السابقثم ماذا بعد ؟
المقال التالىبين الهم وتعويم الدرهم
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد