رجل بلا ظل


 

أستاذ سالم معيد في كلية العلوم تدرس فيها حنان في سنة أولى .. رجل في أواخر الثلاثينات ..يبدو الورع والتقوى والإيمان على سحنته السمراء ولحيته المطلقة والمسبحة التي يحملها بيده ويعد حباتها دون كلل .. وهو يردد التعاويذ والادعية ..
التقته اليوم في مكتبه الخاص المعطر برائحة المسك كان يعلق على جدار المكتب بعض الخطابات الدينية مثل
(انك لعلى خلق عظيم)
(اتق الله حيثما كنت)
(وقل ربي زدني علما)
استأذنته في تأجيل امتحانها العملي لإجراء لقاء في الوزارة .. من اجل نقل ملفها إلى جامعة البصرة .. حيث مدينتها وأهلها ..
قابلها بقسمات هادئة .. دون ان ينظر الى وجهها .. كان يحدثنها بتحفظ وهو يحاول ان يخفي رجولته المؤجلة خلف حركة أجفانه المتعاقبة وإطراقته المفتعلة .
كلما صادف طالبة يشبك يديه خلف ظهره ليرسل إشارة الى انه لا يصافح النساء … خوفا من بطلان وضوءه …
كان يدور حول نفسه مثل ضفدع خرج لليابسة ويبحث عن الماء … ويحار بجلده كيف يصنع منه جلبابا يستر .. جسده دون ان يختنق..
قال لها .. يمكنك الذهاب .. ربما تعودي قبل نهاية الامتحان ..
عادت من الوزارة فرحة مستبشرة .. حنان طالبة متوثبة مجتهدة يملؤ الامل ملامحها .. ترقص خيوط شعرها المرسل على وقع نسمات الخريف وتصدها برقة تحلم بمستقبل اجمل في مدينتها وبين اهلها …
دخلت المختبر .. مازال طالبان يؤديان الامتحان.. استقبلها استاذ سالم واشار لها ان تجلس على احد الستولات امام المكروسكوب لاداء الامتحان واعطاها ورقة الاسئلة …
خرج الطالبان بعد اكمال الامتحان .. بقيت وحيدة تقرأ الاسئلة وتتأملها …
جاء استاذ سالم يسألها عما حصل معها وعن اسئلة الامتحان ..اشارت له بان الاسئلة جيدة وبأنها ستكمل الامتحان كما ينبغي
بدأت بالاجابة …بعد قليل شعرت بخطواته خلفها يتمشى جيئة وذهابا في ممر المختبر
انتابها شعور بالقلق لا تعرف سببه .. وتشتت تركيزها بين الامتحان وبين خطواته المريبة .. حاولت ان تطرد من تفكيرها كل الوساوس حوله .. لانه رجل مؤمن يخاف الله ومعتقداته تمنعه من ارتكاب المعاصي ..
توقف صوت خطواته .. وخيم سكون مريب .. جفلت …
فجأة شعرت بأصابع تعبث بخصلات شعرها المنسدل على ظهرها … قفزت مستديرة غير مصدقة ما يحصل .. وجدت سالم شاخصا امامها قريبا منها جدا بوجه مكفهر وحدقات متسعة ..
قال مرتجفا وهو يحاول ان يبرر ما حصل .. شعرك جميل .. حاولت ترتيب خصلاته لا تخافي .. أكملي الامتحان ..
سمعته يتكلم دون ان تفقه شيئا أسرعت نحو باب المختبر ..وهي تستذكر المعلقات على حائط مكتبه … سارت بخطوات مرتجفة….وهي تفكر
هي لم تخسر شيئا ..
انها تجني شيئا من الارتقاء بنفسها .. هي أفضل مما هي . وهي أفضل مما كانت
مازالت تحمل النور الذي يغني في داخلها.
ستنشق عن غصنها شهادة اخرى تقول ان خصلات شعرها انبل من جلد افعى .. و النهار لن ينسل الا من كفها ..
اما هو فلم يعلم بانه يجرح نفسه في حربه مع ظله ..في قمعه للإنسان الذي يحمل جثته …لم يلد هكذا ..لكنه درج هكذا ..
منذ ذلك الحين لم تدخل المختبر ولم تواجهه ..
الغريب بالامر انها وجدت درجتها بالنتيجة مرتفعة ونجحت رغم انها لم أكمل الامتحان .

لا تعليقات

اترك رد