يوسف شاهين يحاكم الجميع

 
الصدى-يسرا

صباح مقلق ..وكل شيء يوحي بالرهبة والخوف الذي يلازمني .. شاهين يجلس مفكرا .. مدير التصوير يوزع اضاءته .. يسري نصر الله يوزع الكومبارس حسب الديكوباج … جميع الممثلين منشغلين في الماكياج … اقتربت من نجيب اسكندر مسؤول الاستمرارية
– استاذ نجيب انا خايفة
– وانا اكثر منك فقط النهاردة اريدكم تساعدوني اخاف توقع مني حاجة مش واخذ بالي منها
– انك كدها وكدود واحنة كلنا تلاميذك وتأمر

طبعا نجيب فعلا كدها وكدود .. لديه عيون في كل مكان في راسه اتذكر يوما نجيب مشغول مع احد يتكلم … ناداه شاهين وساله
– نجيب نظرة نور كانت فين في اللقطة السابقة ؟؟
فرد عليه نجيب صح .. فضحكنا انا ومحسن نصر فرد محسن علي
– دا لديه عيون حول دماغه .. تشوفي نجيب منسجم بالحديث لكن كل حواسه بالعمل وهذا سر نجاحه وترينه ياخذ اعلى الاجور ولا يوم في السنة معندوش عمل .. فاهم شغله كويس جدا بصي ازاي يرسم مواقع الكومبارس ويسجل كل حاجة اللبس يأخذ اسماءهم فين يجلسوا ويعطيهم ملاحظات قبل التصوير حتى يضمن حركتهم المضبوطة اثناء التصوير .

الجميع يعمل كخلية نحل… ثمة صف من تلاميذ معهد السينما يجلسون في صف ملاصق للجدار يتعلمون من شاهين ويكتبون كل ما يقوله …. شاهين جالس يدخن سيكارة تلو الاخرى … لم اقترب منه ولم اساله انني اعرف حينما يكون يفكر ثمة شيئ يقلقه كان يقول لي ونحن في طريقنا الى الاستديو

– عندما اقوم باخراج فيلم .. اكون قد نجحت في تصوير الواقع وانتصرت في تجسيد الخوف والمشاكل التي يعاني منها المواطن في شكل صور سينمائية لان هذه لغتي التي لا اجيد غيرها وانا اقاتل بالصورة وهذه اقوى من أي سلاح … وان سلاحي اقوى من سلاحهم لانه يصل الى المواطن الذي اعبر عن همومه بلغتي السينمائية وهذه يقرأها كل شعوب العالم وليس فقط المصريين … وان كل التقدميين عليهم ان يتخلوا عن الفوضى الفكرية .. وان يناضلوا بعلمية لانهم ينقصهم الثورة العلمية وان يخططوا بشكل افضل بدلا من ضربهم في كل مكان من البلدان العربية .. فنحن كلنا مشتركون في جعل الحاكم اله ونبجله ونكون احذية في قدميه فبدلا ان نوقفه عند حده نكون نحن ماسحي احذيتهم لاننا نخاف من السجن والتنكيل بنا .. فأمامنا لغة سينمائية نحاربهم بها ونجعلهم هم الاحذية لنا لأننا اصحاب علم وهم جهلة .
نظرت اليه وهو في جلسته تلك …هذا الرجل يحركه هاجس الابداع والرغبة في تشكيل صور جديدة عبر لغة سينمائية للاشياء والافكار والناس والذات والجسد والوعي والاخر والعالم .. تجليات كلها تلتقي في الفيلم .. فهو يرصد الواقع في مجتمع وثقافة في مكان وزمان معينين للبحث عن الحقيقة داخل هذا المجال الذي عاشه وعاصره .

فكان زميلنا الناقد السينمائي طارق الشناوي فحينما اتكلم امامه عن شاهين بهذه الطريقة كان يقول : انكم تلاميذ شاهين ومن عمل معه تاخذكم نشوة الاعجاب الى حد الدروشة الشاهينية وان علاقتكم بشاهين لا تعرف الوسط وتتحولون الى احد الدراويش وتدورون في فلكه ..وتثورون أن احدا مس شاهين بكلمة فانكم تستميتون دفاعا عنه لانكم تؤمنون به الى حد الدروشة التي اسميها دروشة شاهينية فله شخصية كاريزمية لها تاثير مغناطيسي على كل من يعمل معه او الذين يعرفونه او يقتربون منه على المستوى الانساني فانتم دخلتم في مملكته ولا يسمح لكم بالخروج الى الجانب لانه يعتبر نفسه المرجعية الوحيدة للديمقراطية ودائما هو الرأي والرأي الاخر ايضا …فعليكم ان تاخذوا هذه التركيبة الانسانية كما هي بلا فصال وبلا تفصيل بحلوها الذي لا يخلو من مرارة ومرها الذي به مذاق الحلاوة ولانكم ترون شاهين على مدى 40 فيلما قدمها للسينما كلها تنطق وتهتف بل تصرخ بأسم يوسف شاهين …فمن حقكم الانخراط في الدروشة الشاهينية لانكم تلاميذه وتربيتم على يديه وعلى فكره …

نور الشريف أراه يراجع حواراته مع المساعد علاء كريم .. الممثلين يعملوا مكياج .. رايت شاهين يدخل غرفة مكياج الممثلات ذهبت وراءه راكضة دخل الى غرفة يسرا ونظر الى مكياجها قائلا لها :
– لا اريد اي شيء احمر فقط اريد مكياج الاساس .. مكياجك كويس ..
ثم عند سهير البابلي لا توجد ملاحظات وقف عند ماجدة الخطيب ونظر اليها ثم كلم الماكيير بحدة
– احنة اتفقنا على الماكياج !! دا ايه ؟؟ اغسل وجهها واعمل مكياج جديد فقط الاساس ثم التفت الى ماجدة
– ماجدة عندنا مشاهد محكمة مش مشاهد حفلة
خرجنا وكنت اسير وراءه التفت الي

– شوفي الماكياج يلعب دورا في اداء الشخصية واعطاءها بعدها الدرامي والسايكولوجي واعطاء حرية في التعبير عن ما يريده المخرج أن يقوله .. شوفي مشاهد الاخت التي تؤديها ماجدة الشخصية بسيطة فلذلك يجب ان يكون مكياجها هاديء لتعطي انطباع استسلام هذه الشخصية لقدرها وان تعطي الاحساس للمشاهد ادي ايه البنت في مجتمعاتنا العربية مظلومة وانها بمجرد ان تصل الى 14 سنة تبدأ العيلة بتزويجها لان الزواج سترة عندهم مثلما يعتقدوا …ولا أريد المكياج يغطي ملامح الألفة بينها وبين الجمهورفلا اريد الالوان على وجهها حيث تاثير الملامح يعطي نوعا من الكمال والسحر والتعاطف للشخصية …
فان المكياج في السينما تراه العدسة وتكشفه فلذلك انا دقيق مع مكياج الشخصيات والأهم في هذه الدقة ان الابطال حقيقيون ويعيشون بيننا فالشخصية ليس من خلق المؤلف وانما هي بيننا وانا شايفها كويس فلا تقبل التأويل والاضافة غير المنطقية .

وصلنا عند محسن نصر الذي أنهى توزيع الاضاءة … كانت الاضاءة مبهرة حيث فرش الأرضية التي خلف هيئة القضاة بأضاءة بحيث تعطي ظلالا متقاطعة كأنها ديدان وثعابين … اما هيئة القضاة فقط اسقط عليها النور من اعلى بزاوية 120 درجة بحيث يصبح وجه القاضي معتم …والضوء الساقط يحدد الخطوط العامة للجسم فعندما يلتفت القاضي موجها حديثه لنور الشريف يقع تحت بقعة من الضوء تظهر شراسته …. اما الاضاءة خلف نور فكانت هادئة خالية من الظلال تحمل معاني الصفاء . ونحن نعرف ان الاضاءة في السينما ليست ساكنة وذلك لحركة الكاميرا المستمرة التي ترفض السكون الا ما ندر للضرورة الدرامية .. فالاضاءة هنا ليس ساكنة وذلك لاستمرار الحركة في هذه المشاهد الزاخرة في الحركة داخل مشاهد المحكمة .. فنرى هنا الاضاءة بين اللون والظلال والبقع تعطي معان رمزية أرادها شاهين .. حيث ان تنظم المحاور الضوئية مع المحاور الدرامية لتحقيق اهداف سايكولوجية يريد ان يبرزها المخرج … وهنا حينما يحاكم شاهين عائلته اعطاها ماضيا حنونا رومانسيا للأم وهي تصيح
– أنا اموت بدلا منه

1 تعليقك

اترك رد