المملكة العربية السعودية، و تحديات العالم العربي و الإسلامي

 
الصدى-سعودية

تعتبر المملكة العربية السعودية واحدة من أهم الدول العربية و في منطقة الشرق الأوسط، و مركز ثقل و أهمية متميزة لعدة أسباب، منها الجانب الديني بوجود الحرمي الشريفين أقدس مقدسات المسلمين فيها، و ثانيا ثروتها النفطية الكبيرة، إضافة للإدوار السياسية المختلفة و المتنوعة التي لعبتها و تلعبها في المنطقة، و علاقاتها الدولية المتنوعة و المتشابكة ..

و على الرغم من التوترات المستمرة في العلاقات بين العديد من البلاد العربية و الإسلامية خلال العقود الماضية، إلا أن السعودية حاولت بقدر الإمكان أن لا يكون لها دورا مباشرا و معلنا في كثير منها، و إن أمكن الحفاظ على شئ من الحيادية، لكن رغم ذلك فأن بصماتها غالبا ما تكون واضحة في كثير من الأحداث في المنطقة العربية و عموم البلاد الإسلامية، سواء كانت هذه البصمات بشكلها الإيجابي و السلبي ..

و ربما ما قد يفترضه البعض من عدم الوضوح أو الغموض في الكثير من سياساتها يعود لبعض الأسباب آنفة الذكر، إضافة إلى طبيعة النظام الديني و السياسي و العشائري و القبلي و العائلي فيها، و مدى تأثير العادات و التقاليد في كثير مما يجري هناك ..

خلال العقود الأخيرة، لم يكن للسعودية دور قيادي بارز و واضح في كثير من الأحداث، و ربما يعود ذلك إلى سطوع نجم عدد من الأنظمة العربية الأخرى و قادتها كما هو الحال مثلا في العراق قبل الإحتلال، أو في مصر لحد سنوات قليلة ماضية، كما أن طبيعة النظام الملكي و نظام العائلة المالكة في السعودية يفرض العديد من الأعراف و التقاليد و القيود و المحددات في كثير من جوانب العملية السياسية و الإدارية، سواء أكانت الداخلية منها أو الخارجية، هذا إضافة إلى علاقاتها الخاصة مع عدد من الدول الكبرى و العظمى، و بشكل خاص أميركا و بريطانيا الذي يملي عليها بعض الإلتزامات و التوجهات ..

فمثلا كانت الأمور الداخلية و الخارجية للمملكة شبه مجمدة في الفترة الأخيرة من فترة حكم الملك الراحل فهد نظرا لمرضه الشديد، و بالرغم من قيام ولي العهد ببعض مهامه، إلا أنه كما يبدو كانت هناك محددات و قيود لا يمكن تجاوزها ..

في عهد الملك عبد الله رحمه الله، و الذي إبتدأ عام ٢٠٠٥ كما أذكر، و إستمر حوالي العشر سنوات، كان هناك نوع من الجمود و الإنكماش نحو الداخل، و بطء واضح في التفاعل مع الأحداث الإقليمية و الدولية، و أتذكر أنه حين تم إنتقال الولاية للملك عبد الله عام ٢٠٠٥، و كنت أنا حينها في المملكة، لاحظ الجميع حرص الملك على إعادة النشاط و اللحمة إلى العائلة المالكة و النظام و الدولة و الحكومة، إلا أنه تلكأ أو تباطأ في إجراء أي تغيير وزاري أو حكومي رئيسي أو تغيير في السياسات العامة المهمة و الرئيسية لفترة من الزمن، مما جعل كثير من الأمور تسير على نفس وتيرتها التي كانت فيها في السنوات الأخيرة من حياة الملك فهد ..

هذا الإنشغال الداخلي ربما، و الإنكماش و التباطؤ و الإنكفاء و عدم الحسم و الحزم في كثير من الأمور، جعل كثير من الأمور تتطور في المنطقة ربما بإتجاهات لا تتماشى لا مع مصلحة المملكة و لا مع مصالح الكثير من البلاد العربية و الإسلامية، و أهم هذه الأمور هو العلاقات مع إيران و تمددها داخل المملكة و في العديد من الدول المحيطة بها و تشكيلها خطرا حقيقيا على هذه الدول، كما نراه في العراق و سوريا و البحرين و لبنان و الكويت و أخيرا في اليمن ..

بعد سقوط العراق بأيدي قوى الإحتلال عام ٢٠٠٣، و تطور الأمور فيه نحو الأسوأ يوما بعد آخر، و أحداث الربيع العربي في كثير من الدول العربية، و تغيير العديد من الزعامات العربية خلال السنوات الخمس الماضية، نرى بوضوح نوعا من الفراغ القيادي و السياسي في المنطقة، ربما صادف مع السنوات الأخيرة من حكم الملك عبد الله رحمه الله، أضف إلى ذلك الإنهيار التام للنظام في العراق وسوريا تقريبا و سيطرة تامة للقوى الموالية لإيران فيهما إضافة للميليشيات الممولة و المدربة إيرانيا، و هذا نفسه حدث في اليمن بشكل مختلف قليلا، لكنه أدى إلى نفس النتائج، أضف إلى ذلك التقارب الإيراني الأمريكي و توقيع الإتفاقية النووية الإيرانية، كل هذه الأمور أعطت إنطباعا واضحا أن العصر الإيراني و القوة الإيرانية باتت هي المسيطرة على المنطقة، و أن على الجميع تقديم فروض الطاعة و الولاء لها ..

و إذا أخذنا الظروف الإقتصادية و السياسية لمعظم البلاد العربية في تلك الفترة، فأن حالها لا يسر عدو و لا حبيب، و لا أحد بات يتوقع أي معارضة أو رد فعل جدي من قبل الأغلبية، و بات البعض يتهيأ فعلا لتقديم آيات الولاء و الطاعة لإيران كما يبدو، ليلتحق بالعراق و سوريا و لبنان ..

في ظل كل هذا الوجوم و الظروف الضاغطة، كان لابد من أحد أن يتقدم لتسلم راية و مهام القيادة و المواجهة لهذا المد العالي المعادي في المنطقة، و على الرغم من أن السعودية لم نعهدها سابقا من دول المواجهة، و لا سياساتها من النوع الثوري ، لكن حيث أن الخطر بات يطرق أبوابها من جهات عدة، من سوريا، من اليمن، من العراق، من البحرين، و حتى من المنطقة الشرقية في الداخل، و لا بد من وقفة جدية لوقف هذا التردي و التراجع الكبير، على الرغم من أن هذا الموقف برأيي قد تأخر كثيرا و ربما كثيرا جدا، إلى درجة بتنا لا نستطيع حصر حجم الخطر القريب و القريب جدا، لكن كما يقولون أن تفعل شيئا متأخرا خيرا من أن لا تفعل شيئا ..

و هكذا كان الحال، و تصادف ذلك مع التغيير في الوجوه و القيادات داخل المملكة بتسلم جلالة الملك سلمان مقاليد الحكم قبل عام واحد تقريبا من الآن، و خروجا عن كل ما أعتدناه كانت بداياته حازمة و حاسمة كما يقولون، فقد بادر لتأمين الوضع الداخلي في المملكة و موضوع ديمومة الحكم و ولاية العهد، و كان موقفا شجاعا أن يتم الإنتقال إلى جيل الأبناء فورا، من خلال تولي الأمير محمد بن نايف ولاية العهد، و أبن الملك سلمان محمد كولي لولي االعهد، و هو منصب جديد نوعا ما ، إلا أنه كما يبدو نوع من التدريب و التوجيه لواحد من الشباب إستعدادا لأدوار مستقبلية أكبر ..

كان الحسم و الحزم باديا في الأيام الأولى لحكم الملك سلمان من خلال العديد من القرارات و الأوامر التي ركزت على تنظيم البيت الداخلي، لكنها كانت إستعدادا لتولي مهام القيادة المفقودة و المعلقة على المستوى العربي في مواجهة الأخطار العديدة المحدقة في المنطقة، و التي أصبحت إيران أهمها للأسف، على الرغم من كوننا كنا نفترض إنها ” دولة إسلامية ” أولا، و ” جارة ” قريبة و تاريخية ثانيا، ” و هنا يصح القول التاريخي، كوم حجار و لا هالجار “، و بالتالي كنا نتوقع الأفضل منها، لا العكس و هو ما شهدناه خلال العقود الماضية ..
لأول مرة ربما نشاهد في عهدنا الحالي السعودية تتصدى مباشرة للإعتداءات التي مارستها الميليشيات الطائفية الحوثية في اليمن و التي سببت صداعا دائما لليمنيين و السعوديين و أهل الخليج معا، مما إضطر السعودية لبدء حملة جوية لمواجهة هذه الميليشيات وحصر و إقتلاع مراكز قوتها و خطرها ليكون ممكنا لاحقا معالجتها سياسيا إن أمكن، و هذا ما يجري الآن ..

كذلك توجهت السعودية لمعالجة مشكلة حزب الله الموالي و المدعوم من إيران، و الذي بات يشكل حجر عثرة في إستقرار و إستمرار الحكم و النظام في لبنان، و من ثم تمت محاولة حصر كل مخاطر و تأثيرات حزب الله و عملاءه و مواليه سواء على الأرض اللبنانية أو السعودية أو البلاد الخليجية الأخرى ..

حاولت السعودية أيضا و بجهد متميز أن تعالج المشاكل في كل من العراق و سوريا، لكن جهودها هناك لا زالت غير ملموسة ربما نظرا للسيطرة شبه الكاملة للنظام الإيراني و رجالاته على مقاليد الحكم و السلطة هناك ..

في محاولة لتجميع القوى العربية و الإسلامية، نرى أن السعودية سعت للتقارب و توقيع إتفاقيات مع العديد من الدول العربية و الإسلامية مثل مصر و تركيا و الباكستان و السودان و غيرها، و ربما الزيارة الأخيرة للملك سليمان لكل من مصر و تركيا و توقيعه على إتفاقيات تعاون عملاقة إقتصادية و سياسية و جغرافية و مالية لدليل كبير على جدية هذا التحرك ..

كما أشرنا، هناك أمور كثيرة كبيرة و خطيرة وقعت و طرأت في أطراف بلادنا العربية خاصة خلال الخمس أو العشر سنوات الأخيرة، إضافة لإحتلال العراق قبل ١٣ عام، هذه الأمور معالجتها من طرف واحد أو قوة واحدة شئ من المستحيلات، و على الرقم من تباين وجهات النظر في مواقف السعودية السابقة تجاه العديد من الأمور و القضايا الساخنة و بالذات موضوع العراق، لكن المصلحة العامة للبلاد العربية و الإسلامية اليوم تستوجب مزيد من التآلف و اللحمة و التكاتف، و ربما نسيان بعض أو كل ما جرى من خلافات و صراعات و تباين في المواقف و وجهات النظر، و ربما فتح صفحات جديدة للتعاون و التنسيق، عسى و لعل نتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه ..

و دائما أقول أن السعودية ربما زُجت في وضع و موقع ربما هي نفسها لا تحب أن تكون فيه، و هي لا تحسد عليه نظرا لحجم و جسامة المسؤوليات القيادية الملقاة على عاتقها، لكن أملنا في الله تعالى أولا و آخرا أن ييسر لهذه الأمة العربية الإسلامية و يوفر من ينقذ و يعالج و يوقف حالة التدهور و التردي و التراجع و المعاناة الكبيرة التي تعانيها منذ سنوات و يأخذ بيدها إلى بر الأمن و الأمان ، و من الله العون و به نستعين ..

المقال السابق(بلكي) العراقية
المقال التالىيوسف شاهين يحاكم الجميع
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

3 تعليقات

  1. Avatar رعـــد الصــابري

    وفقك الله ياأخي استاذ غسان بكلماتك الرائعه والمثيرة تشوق دائم لما تكتبه وسوف تكتبه مستقبلا لك جزيل الشكر والاحترام

  2. تحياتي أستاذ غسان
    مع احترامي الكامل لرأيك،أرى أن هناك ما هو مخالف تماما لما كتبته عن دور السعودية،فالنظام اسعودي الذي دفع صدام حسين إلى الحرب مع إيران لسنوات،هو نفسه الذي تآمر على صدام مع أمريكا وأسقطه،ودمر العراق،وهو نفسه الذي خلق القاعدة ،ولعب دورا في منع استقرار افغانستان، وعاد وخلق داعش وزرعها في العراق وسوريا،وتغفل هنا العلاقات الايجابية بين اسرائيل والسعودية، فحتى الثياب العسكرية والأسلحة الخفيفة لضباط السعودية “صنعت في اسرائيل”،وإذا أردنا أن نعتبر دور آل سعود دور ايجابي،حينها يجب أن نقول أن دمار العراق وسوريا وليبيا ،وتشرد الشعوب أمر لا غبار عليه.
    هذا علما أنني ضد نظام الأسد ولا أبرئه من دم الشعب السوري.
    تحياتي

    • Avatar غسان العسافي

      ما نأمله ان تكون سعودية اليوم غيرها البارحة، و في طل الأوضاع المتردية عربيا و اسلاميا، و غياب اي عنصر قيادي فاعل في المنطقة مع الأسف، اعتقد ان البديل الوحيد المتاح هو في إعطاء الفرصة الكافية للقيادة السعودية، و التي أرجو ان لا تخيب الامال

اترك رد