جورج ميرو .. يستعيد أطروحة الضوء و التراب


 

جورج ميرو فنان تشكيلي سوري ولد و عاش في الحسكة ، على ضفاف نهر الخابور ، شرب من ماء هذا النهر ، و عام فيه ، و تعمد بتراب هذه المدينة و بقيت رائحته تلاحقه كثيراً حتى بات ضيفاً مقيماً في أحاسيسه و بالتالي في أعماله ، بقي هذا التراب يفعل فعله فيه على إمتداد الزمن ، فكان كل منهما وفياً للآخر ، كما كان بداية إستحمامه بالضوء الذي كبر فيه و بعثره مع الألوان على بياض تحولت جميعها إلى حقول حنين و شوق و بيادر وفاء و حب .

ميرو بقي أميناً لذاكرته البعيدة و هذا يشير لنقاء فطرته و قوة إرتباطه بماء خابوره و هذا يسجل له ، و يكسب مسلكه تراكماً عشقياً معرفياً بقصد الحفاظ على الإنساني دون أي إنحراف عن قيمها ، و كما يساعده ذلك بنهوض لا تراتبي يجعل من العلاقة مع متلقيه علاقة فاعلة في مجمل تحولاتها و هذا ما يضع وعيه المستنير في حركة إندفاع تغييرية لا على مستوى المجاورة فحسب بل على مستوى التداخل على قاعدة الحركة الدافعة و إستجابة لمقتضيات التناظر بين أعماله كجزء من نتاج حقل ثقافي و بين أطروحاته و درجة إقترابه من عمق السجال القائم و المستديم ، فهو يضع عملية البلورة في طريق يؤدي على نحو ما إلى تغيير في بنية خطابه التشكيلي ، فهو ينطلق من إستعارة ألوان أرضه و آهاتها ، و حقول بلاده و شمسها ، و يجبلها مع حنينه و حبه حتى يصبح منتجه محاكاة لأحاسيسه دون أن يعزلها عن العالم الخارجي ،

و دون أن تتهاوى في ذاتيته حتى لو لزم الأمر ذلك ، فهو يؤكد بأن الإنصات إلى الداخل سواء في دلالاتها أو في لحظة تحولاتها هي التي ستقول بأن القيمة الجمالية للأشياء هي الوجه الآخر للقيمة الإجتماعية ، و من هنا فإذا كانت المعطيات موجودة خارج الذات المبصرة فإن الطاقة الإدراكية المتوالدة لكل من الفنان و متلقيه هي التي تجعل الرابط بينهما و بين العمل المنتج إستكشاف لحقل الممكنات ، و لكن ما قيمة ذلك إن لم يرافقها توسيع دائرة الخلق و الدعوة للبحث في الخزائن القديمة عبر إستعاب المزيج المتحول من الخلطة و إستغلال كل الإمكانات غير المستغلة ،

و لا نشك بمقدرة ميرو على سرد كل ذلك في مملكته الفنية ، فهو ينتقل من اللعب باللون و على نحو أكثر الترابي منه حيث رائحة الخابور وضفافه، و نسمة جبل عبدالعزيز و سفوحه فهما مركز منحاه حيث يتجه صعداً إلى المختلف ليدق باب عالم مفتوح بكل فصوله و مخاوفه ، أقول فهو ينتقل من اللعب باللون إلى الإهتمام بفائض الديناميكية و الحركة ، ليتمكن من نقل نوارس أفكاره إلى عرض فيه رؤيا إستغرابية قد تطيح بأكثر مفردات خطابه و إن كانت لغته لها أسرارها و التي تبيح لنا التعامل معها بكشف مناحيها و دلالاتها ضمن عالم يلفظ بحركات عملية حيناً و إيمائية في أكثر الأحيان و التداخل بينهما قد يكون مركز إنطلاق نحو تحقيق فعل المتعة في أعلى مستوياتها و بحضور كل عناصر تحققها فالأمر هنا يتعلق بتداخل عذب بين فعلي القراءة و التدليل ،


أي دون أي إنحياز لوجدانية الحالة ، فالأمر مرتبط بما يغطي الواقعة بإختيارات المادة الحكائية كشرط لإختراق تداول العلامة ، فضلاً عن ذلك فإن نمط ميرو و ما يشتغل عليه يثير إهتمامنا على الأقل ما يشكل مداخله مع الإنحياز التام لحدود الزمن الإنساني ، و أولى تجلياتها ردم الهوة الفاصلة بين أشيائه ليغدو واقعه فضاء فيه يكتمل مدلوله ، فهو يضيف عملية تواصلية جديدة بغرض تمثيل آخر للعالم ذاته ضمن زمانية موحدة و بأهمية مكانية مهما كانت درجة التغاير و الإختلاف في إستعادة أطروحة الضوء و التراب .

لا تعليقات

اترك رد