المعلّم الماهر الكاتب معاذ يوسف

 

لنقف دقيقة صمت على روح لم تمت ,خالدة ,نقيّة ,شفّافة ..زاهية باهية تكتب من دون قلم ,تنطق دون فم ,تضحك دون ابتسامة,وتبكي دون دموع ..راهب ,رقيق تأثرّ وأثرّ ,درس القران والدين والتاريخ والشعر في بيت ديني ,فهو ابن اخ لخطيب جامع حرص على الاهتمام بابن اخيه وتحفيظه القران في سن مبكّرة فكان مصدره في الحياة والفن والادب .درس الادب والتفسير والتراث الاسلامي, وعلم الاجتماع الذي درسه وتخصّص فيه ودرّسه .بدأ مسرحيّا اواسط الستينات بمسرحيّة (حكاية لاطفالنا الاعزاء) التي اعلنت عن اهتمام بقي ملازما له طوال حياته الادبية والفنية, الا وهو الاستفادة من التراث والادب العالمي واشتغالاته الابداعية المرتكزة على انطلاق الخيال من نقطة لامسها اديب قبله, او وصل الى نقطة ما لذلك الموضوع الذي يراه معاذ بانهيستحق الغوص فيه من جديد, اذ يولّد افكار وبناءات جديدة يكتشفها معاذ أو يؤولها فيرسم لها مجالا دراميّا مغناطيّا خاصاّ به .في هذه المسرحيّة مثلا انطلق من عالم كافكا اللامعقول (رواية المحاكمة) التي اعلن من خلالها انه استوعب أجواءا غنيّة مفادها المعقول واللامعقول ومابينهما من أجواء تختلط لتلد كل مايهم المجتمع من علم اجتماع ودين وجريمة وبحث وعاطفة,

\

اضافة الى ماتعلمهواستوعبه من الدين والتراث, فجاءت حواراته مرسومة بدقة وعلميّة وتركيز عال اقترب فيه من الشعر والبلاغة بطريق ميّزته عن غيره, وهذا ماجعل كاتب كبير مثل (صباح عطوان) يقول عنه (ان معاذ يوسف يمتلك حرفة معلّم ماهر) و(معاذ كاتب فقده العراق ولم يتكرر ولن يتكرر وهو افضل منّي).لقد تعدّدت اهتمامات معاذ الابداعيّة لكنها تركّزت في محورين معينين اكثر من غيرهما, هما المحوران الذان ساهما في بناءه الفكري والوجداني (التراث الديني والتاريخي والادبي) و(علم الاجتماع) فجاءت اعماله متفوقتا في هذين المجالين معتمدا في ذلكعلى تقنية وصنعة تدرّب عليها معاذ ووفّر لها خيال خصب مبدع متدرّب ينتمي لمعاذ نفسه مستفيدا من الاخر بقدر معين لكنه لايلتزم بما خطّه الاخر أو توصّل اليه حتى لو كان ذلك حدث من التاريخ, اذ انه لا يحب ان يتمسّك في تفاصيل الموضوع الدقيقة اذ يستحدث افعالاوتفاصيل جديدة, ومدى قربها من الحقيقة لا تمثّل عند معاذ غاية كبيرة, فهو لا يهمه ان يكون باحثا في التاريخ بقدر ما يهمه ان يطرح موضوعا من تلك الحقبة الزمنيّة,

فيطلق العنان لخياله الخصب فيحوّل التاريخ الى اطار للعمل وليس غاية له ,ولا يهمّه كثيرا اقتفاء خطىتاريخيّة محدّدة, اذ يستعير حدثا او اكثر ليصيغ منه احداثا اخرىوأفعالا مثيرة يخضعها الى وسائله الجمالية في مختبره الدرامي لينتج منها اعمالا غاية في الجمال لكنها قد تفشل في اختبارات المطابقة مع الواقع , وهذا سلاح ذو حديّن ,فهو قد يؤدي الى منحى سلبي كما كان ذلك في ثلاثيّة (معروف الرصافي ) ومسلسل(المقتفي لامر الله) اومنحى ايجابي ابداعي كما في تمثيلية (الصفعة ) و(عشر ليرات) و(الورد في الاكمام)ومسلسلات (ماضاع وانتهى من نوادر جحا,ذات الهمّة ,والاصمعي ) وغيرها .لقد عاش الكاتب الدرامي معاذ يوسف حياة لاتحتوي على فراغات كثيرة وليس فيها زمن ميّت, وهو لم يترك شاردة أو واردة الاّ وضمّنها في اعماله الدراميّة, اذ اننا يمكننا اننعارض جميع المدارس النقدية ونعيد رسم حياة كاتبنا المبدع من خلال اعماله الفنية التي عبّرت عن حياته القلقة الناتجة من وحدة اجبر عليها, وطرحها بأكثر من صورة على لسان أو في صور شخصياّته البطلة, امرأة كانت أم رجل كما في سلسلة (من سيكون معي ,ووفاء والتلفون ,واللقاء الاخير لوفاء )وحتى تمثيلية( السنطور ,والافلامالتلفزيونية اللوحة ,والبندول) وغيرها .

كل هذه الاعمال تعبّر عن ذات الشخص التي عاشت وانتهت ضمن منظومة البحث عن الالفة والثنائية المفقودة المتوزّعة بصور ابداعيّة مرسومة بصنعة اقرب للتحقيق والبناء البوليسي الذي يشد المتلقي ويخلق مابينه والحدث حالة من الاندماج الخطر جدا حينما يكون على مسافة قريبة من ذهن ووجدان المتلقي ,وقد يؤدي الى توحيد خلطة المتلقي ليكوّن محلولا متجانسا قريبا من بعضه البعض فينتج بنية متجانسة متشابهة تنتمي الى نفس منظومة التلقي والتأثير, وبالتالي تكون النتائج متشابهة مما يؤدي الى قصر المسافة مابين المتلقي والعملية الابداعية, وبالتالي تنحسر فائدة العمل الدرامي ويكون تأثيره محصورا في زاوية واحدة لا غير, هي جمالية السرد وتقنيّته, دون ان تعطي للذهن المتفجرة فسحة للمشاركة في عملية الانتاج والحل ,انها دائرة مغلقة تلعب فيها الصنعة وجاذبية الاداء الدرامي دورا رئيسيا, تعرض الحدث والمشكلة وتتصنّع بانهاحياديّة حيال ذلك, لكنها ماتلبث ان تعطي وجهة نظرها بحجم قد تصل الى النهائية في اسلوب سار عليه معاذ يوسف الى اخر عمل ظهر له وهو (مسألة خاصة في مكتبة عامة ).

وقد اثّر هذا الاسلوب وهذه الطريقة في عرض المشكلة ,ومسألة فرضها لا بالحوار أو برسم احداثوأفعال متحرّكة ضمن منظومة النص فقط, بل بالمضمون المضمر,والناتج من تقنية السرد وطريقة عرض هذه البنية المحبوكة بطريقة لاتسمح لباقي التقنيات المكمّلة للعرض البصري النهائي ان تلعب دورا قد يغيّر أو يصنع مسافات اخرى غير التي رسمها الكاتب .

تلمّست ذلك وأنا اغوص في نصيّن مهمين كتبهما معاذ هما مسلسل (بشائر) من اخراج طارق الحمداني ,ومسلسل (الطرائف العجيبة والظرائفالغريبة ) اخراج سلام الامير ,اذ عملت فيهما بصفة مخرج منفّذ لكني في الحقيقة كنت ابحث في عالم معاذ يوسف الذي اغرمت به لدرجة اني عشت حالات ابطاله لكني اكتشفت ان حالتي ليس سوى حالة خاصة من حالة عامة. استطاع معاذ ان يبني لنا ذائقة لايمكنها انتخترق الحدود التي رسمها هو لنا, لكنه ابدع في رسمها وتفنّن في الجنوح بها الى مسافات القهقة في الكوميديا التي وضعها لشخصيات مسلسل (الطرائف العجيبة والظرائف الغريبة) منفردتا,كما في شخصيّة جحا التي اضاف لها اكثر مما اضافت له ,وشخصيات العشّاق في مسلسل(بشائر ) التي نوّعها والبسها كل مفاهيم العشق والغرام والفراق الذي يصل الى حد التعبير عنه باغنيةأو صرخة أو حدث قوي حتى لو كان ذلك على حساب الفكرة ,فهو كاتب وخالق للاحداث القويّة التي تنتج افكارا قد لا يفكّر هو فيها احيانا لكنه يمنحها القدرة في اختيار افكارها لتبثها الى المتلقي احداثا ثم افكارا ,لا افكارا ثم احداثا . للمعلّم معاذ اعمالاتمثيلية كثيرة ابتداءا بتمثيلية (اللغز )تأثّرا بالكاتبة البوليسية (اجاثا كريستي ) عام 1970 من اخراج كارلو هارتيون وقد جاءت بساعتين من الشد والترقب والاثارة تم تمثيلية (عطارد)و (الكذبة الاولى )وتمثيلية (رياضيات معاصرة )واعمال تلفزيونية تاريخية كثيرة مثل (مصعب بن عمير ,زيد بن عمر ,قصي بن كلاب ,نسيبه بمن كعب , ورقة بن نوفل,هاشم,وامعتصماه,ابو جعفر المنصور ,قيس ولبنى ,امنه ,السهم ,المغنية والراعي ) ومسلسلات (نادية,سعاد , ايمان,الفرج بعد الشدّة ,وكتب في الكوميديا حلقات من (كاريكاتير) ومسلسلات اخرى كثيرة وله في السينما فيلمان هم(بديعة )و(الملك غازي ) اللذان لم يتركا اثراكبير يمكنهما ان يضيفا لما قدّمه في اعماله التلفزيونية .

تعاون مع معظم الاسماء المهمة من المخرجين العراقيين امثال عبد الهادي مبارك وكارلوهارتيون ومحمد شكري جميل وحسن حسني وعماد عبد الهادي وعلي الانصاري وصلاح كرم ورشيد شاكر ياسين واخرون . عاش معاذ يوسف معلّما ومات معلّما ماهرا لجيله والاجيال القادمة .

لا تعليقات

اترك رد