الملعون


 

الحجرة شديدة البرودة، تتعامد خيوط الفجر على الحديد الفاصل بين العالمين؛ فترتسم أضلاع ظله على الحائط، بصيصٌ من نور يزيح الظلمة يضفي لمحة من دفء توحي لروحي أن تطمئن قليلا فما زال هناكَ جسر من الوقت بيني وبين الجلسة. مع بوادر الصبح تفتح ذاكرتي نوافذها وتزيح ستائر الخوفِ قد يتبخر لدقائق، أو أجد خيطا منطقيا يربطني بالمكان… المكان هل أنا هنا بجسدي فعلا أم هناكَ بروحي، حتى ذاكرتي تنشطرنصفين كجسدي، ها هي أطياف الماضي تهل، أرى آدم حين يخرج من جنته فيشد حواء إليه حتى تلتصق به أكثر ويكونا واحدا بعد أن كانا اثنين، هل كانا اثين؟ هما منذ البداية واحد، لو عرفوا ذلك ما أقحموني هنا. أرى دوري في الفيلم الحائز على أكبر مشاهدة ومحقق ملايين الجنيهات، فيلم تافة لكنه يرضي جبة عريضة من المشاهدين، قد يرضيهم لأن دوري رئيسي، أو لأنهم يعرفون من أنا؛ أنا البطل، الكل يراني البطل، إختلافي مثير يشدهم؛ فيتوافدن ويتهافتون على أفلام لم أمثلها، المخرج مضى معي فلمين آخرين؛ كل الأفلام كوميدية، تراجيدية، بها من الإباحية الضمنية الصامتة، إنها أنا بجسدى الملتصق وروحي المنشطرة. هاهو طيفٌ جديد، طيف من أحببت، يثير زوبعته حولي؛ هل كان يحبني حد القتل، قتلني بحبه وقتلني بغيرته وقتلني بعدما تركني، شرحت له من أنا وصدقني؛ ليتني كذبت من شدة صدقي؛ التفت إليهم سار معهم نحو لحدي؛ دفنوني هنا وتركوني جميعا. شركائي هنا لا ينصتون ينتظرون الجلسة، الكل ينتظر الجلسة الملعونة. أحببتها فهي تزيل روث ذاكرتي ليالي عديدة فأنسى كينونتي وأنسى ضعفي وأنسى قوتي، وأنسى يوم لعنوني ويوم لعنت نفسي. اليوم أشعر أنها الجلسة الأخيرة؛ أرى روحي تنازع الشمس في الشروق أراها تنتظرني هناكَ، كيف تخطت الحديد والحواجز؟ كيف سبقتني؟ هاهو الباب الكبير يتصاعد أزيزه؛ أسمع أصوات أرجلهم تهرول نحوي ، إنه دوري. تراهم لمن سيمنحون الجلسة لحسن أم لي؟ لا يعرفون أن حسن مات، ودع جسده ومنطقه وذكورته منذ زمن بعيد، تشدني أيديهم، يدفعونني نحو الحجرة؛ يعدونني لجلسة الكهرباء وأنا أقاومهم بعنف، بكل قوتي؛ أصرخ في وجوههم” اتركوني، أنا حسناء يا مغفلين”.

لا تعليقات

اترك رد