منهج العقل العلمي وموضوعية الحوار

 

منهج العقل العلمي وموضوعية الحوار بين منطق الإصغاء الإيجابي للآخر وبين تجاهله

مقتبس : “العقل العلمي يتقدم ويرتقي عبر مسيرة جدلية محسوبة بدقة قيميا سلوكياً، باستنادها إلى حوارات نوعية ذاتية وموضوعية؛ وبجميع الأحوال سيتطلب الحوار بإيجابية معطياته، تبادل الرأي وخطى مركبة الاتجاهات، ذهاباً وإياباً وحال من تكلم واستماع، كيما يتحقق منه الهدف الأسمى وكيما تكتمل شروط نجاحه كافة..”

تقوم حركة التقدم والتغيير على صراع جدلي يتسم بوحدة كيانين يزدوج بهما وجود الأضداد واصطراعها. وفي هذا سيكون جدل ثنائية الوجود انطلاق حوار بين طرفي قضية أو إشكالية يجمعهما ميدان أو فضاء واحد. ولكن هذا الحوار جدلا قد يكون اتلافياً يجسد صراعا وجوديا وقد يكون بنائيا تكامليا وبكلتا الحالتين هناك حركة تقدمية لجدلية الحوار الذاتي والموضوعي..

وصحيح الفعل هنا، أن يجري الحوار بطريقة يتكلم فيها طرف ويستمع آخر مع تبادل الدور إيجاباً… فيما سيكون مخلاً بمنطق الحوار ونهج العقل العلمي وجدله إذا ما تكلم طرف وهو لا يسمع للآخر.. فتجري الأمور بمنطق: أن يُملي طرف على آخر ما يريده من دون أن ينظر حتى في استجابته أو تفاعله. فهو يطلق كلماته لا للحوار وتبادل الراي بل ليِأمر وينهى فقط…

وهذا ما يسمونه مجازاً، حوار الطرشان الذي يتفشى في مجتمع سادت فيه لغة الغوغاء وأمراض الجهل والتخلف.. وحيث لا وجود في البنية المجتمعية إلا لحال ثنائية السيد الرئيس المتكلم والتابعين المهمَّشين الملزمين بالإصغاء والتلبية لما ينصتون إليه بوصفه أمراً فوقيا…

في تلك الأجواء يصير الطرف الناطق المتكلم هو الأساس بل هو الوحيد الأحد، وهو من بيده سلطة الرعية. وتصير فلسفة الراعي المالك وقطيعه هي الفلسفة التي تحكم مجما الأوضاع ولا حوار ذاتي أو موضوعي مستقيم الأداء مركب من ثنائية واجبة بل اتجاه أحادي في التكلم والإصغاء، حيث تتعطل الأذن عن الفعل وتصير مجرد أداة لرد فعل سلبي يُكرهونه ويلزمونه بواجب التلقي وتعطيل أي فعل آخر يدخل في بنية الحوار بثنائية أطرافه …

ما ينشر أو يثير تفشي حوار الطرشان كثير وما يدفعنا لإعطاء أذن الطرشة أكثر.. ولكن هل سيكون لنا من يسمعنا إذا تركنا لمبدأ الأذن الصماء أن يسود واعتمدناه مبدأ لسيل من هذيان ألسنة مصابة بحمى أن نسمع أصواتنا حتى لا نعترف بهزيمتها؟؟

إذا طبقنا فلسفة الرئيس والمرؤوس، الآمر والمأمور، الناهي والمنهي، فإنَّ في بعض الأمر حقا ولكن إذا بحثنا عن وجودنا على أساس كوننا بشرا أناسا لا يتحقق لنا وجود بغير انسجامنا مع الآخر ولا يتحقق لنا وجود بغير تفاعل وتبادل مع الآخر وبغير عطاء وبذل مثلما نأخذ ونريد؛ فحينها يمكننا القول إننا لسنا بوارد القول أن نكتفي بألسنتنا بل لابد من تشغيل الأذن بمعنى تبادل الرأي للوصول إلى حصيفه وجدلا الوصول إلى موزون منجز العقل العلمي..

وحتى نلبي ما تتطلبه منّا حاجتنا للوجود الإنساني فليس لنا أن نكثر كلاما ونقل سماعا فنطلق عنان اللسان ونلغي الآذان.. يجب حتما أن نفعِّل الأذن عندنا سواء كان ذلك فردياً أم جمعياً.. وحينها فقط سينطلق الحوار فاعلا مفيدا متحركا وحينها فقط يكون لوجودنا معنى ونؤنسن ذياك الوجود وسلامة منطق الأداء والحراك والتقدم..

إنَّ ادعاء الديموقراطية أسلوب حياة ومنهج تفكير وعيش يبقى أمراً ليس بممكن التخفي طويلا وراء بقائه مجرد زعم بغير أن نوجد فرصة حقيقية جدية للاعتراف بالآخر عبر الاستماع إليه ومبادلته الرأي بمنطق المساواة. بخلاف استصغار الآخر طرفا يجري تهميشه واستهجان رأيه وتسخيفه وربما تكفير حجته وإذلال لسانه، حينها تغلق الأذن عن الاستماع لمثل هكذا شخص حيث نجد أنفسنا بغير حاجة لهامشي أو مهمَّش، ونقع بمحظور يتعارض وجوهر الديموقراطية وقبلها وبعدها يتعارض مع جدلية العقل العلمي ومنهجه.. ألم نقرأ مثل البعوضة والجمل؟!! أو النملة والفيل؟ أو الفأر والأسد؟

وحتى لا يغلق آذاننا شئٌ من ذاك وحتى نفتحها واسعة مرتاحة بعيدة عن غيضٍ أو انزعاج من إنصات للسان العدو قبل الصديق، وجب أن ننظف تلك المسالك بأدوات التسامح والتواضع والتفاعل الإيجابي مع الآخر بما يسمح للحوار إكمال بنية أطرافه وتبادلهما الأدوار على وفق منطق المساواة وسلامة قبول ذاك الآخر ورؤاه ومراجعتها ومحاكمتها موضوعيا لا بمواقف مسبقة عادة ما تكون إلغائية إقصائية لا صواب فيها قطعا بحالها ذاك..

ولا يقولن شخص إني الأقل حظا في الكلام وفي الإدلاء بدلوي فخير الكلام ما قل ودل وليترك للفعل مساحة تجعل من كل كلمة إيجاز وكثافة تحوِّل تلك الكلمة لفعل عظيم وخير عميم… وليجد كل طرف السبب ليترك صاحبه هو المتكلم البادئ المسترسل وليبحث عن وسائل ما يوجز بها هو كلماته..

حينها سيكون التوازن بين دوري اللسان والأذن ممكنا بطريقة الإيجاب لا السلب ولن يطمس دور الأذن حيث رحاب الحوار وثقافته منطلقه الأذن الفعل قبل أو مثلما فعل اللسان بمعنى أن منهج العقل العلمي في تبني الحوار الموضوعي يضع اشتراطاته وإلزاماته لجميعنا فيكفُّ تنحي الأذن عن الفعل ويخرجها من منطق رد الفعل وسلبيته..

وتتضاعف تلك الاشتراطات في ظروف الأزمات كما هي الحال الجارية في بلدان شرق اوسطية منها العراق؛ وتتعمق الأسباب التي تدعو للعمل بمبادئ الوحدة أو مسمى المصالحة الوطنية وتضافر جهود الكافة.. على أنه ليس من قبيل الحوار بموضوعية الاتجاه أن نتحدث عن خلط الأوراق ونجمع الشامي بالمغربي أو نجمع النقيصين في ائتلاف أو تحالف وحوار لا يعدو عن كونه خديعة، إننا نتحدث عن حوار المكونات والعناصر الوطنية، المكونات الإيجابية الممثلة للطبقات الشعبية ولمجمل المجتمع وحراكه إلى أمام حيث تحرره من أسباب الخراب والدمار والتمزق وهو ما تنجزه حوارات موضوعية بين أطراف تتبادل الاحترام والمصلحة المشتركة..

ولعل من سمات الحوار الموضوعي جمعيا بمستوى القوى العلمانية الديموقراطية بمجابهة قوى الظلام ما نسجله باختزال هنا ويتضمن:

1. أن تتخلى جميع القوى المعنية بالحوار الموضوعي عن الشروط المسبقة

2. سيكون أمر تمثيل كل طرف أمرا مستبعدا من الإكراه والقسر بمعنى تجنب خطل تقسيم الجمهور حصصا من ملكية هذا الطرف أو ذاك بحسب الادعاء وبالمخالفة مع بنى المجتمع وتحليلها بسلامة فكرية.

3. أن يكون التمثيل تجسيداً للأفكار والرؤى بالأساس وليس لاقتطاع جماعة أو أخرى من الشعب والجمهور.

4. ومن مستلزمات الحوار عدم خضوعه لضغوط خارجة عن إرادة عناصره وذلك عبر إزالة مظاهر التسلح العسكري وحل الميليشيات التي تشكل عوامل خرق لأصول الحوار السلمي الوطني المنتظر..

5. وأن يتم ضبط الأوضاع الأمنية بما يمنع التهديدات الخطيرة بالاختطاف أو الاغتيال أو الابتزاز تحت التهديد بأي شكل من أشكاله، طبعا مع الالتزام بمشروع علمانية الدلة وديموقراطية منهج الكم وفلسفته..

6. ثم توفير الفرص الكافية للحركات الخاصة بمؤسسات المجتمع كافة، كي تلعب دورها الحيوي المنتظر سواء منها روابط واتحادات المرأة مهضومة الحقوق والشغيلة ونقاباتهم المختلفة المتنوعة وفئات الطلبة والشبيبة ومنحهم ما يساعدهم على تطوير أدوات حواراتهم وإمكاناتهم على التصدي لأمورهم بكفاية وجدية ووعي…

وعليه، نجدد القول بإيجاز أن منهج العقل العلمي يتطلب لتلبية محدداته في مجال إطلاق الحوار سواء الحوار الذاتي فرديا جمعيا أم الحوار الموضوعي واشتراطات ثنائيته يتطلب ضمان ما اشرنا غليه مثلما يتطلب توكيدا من طرف هذه المعالجة على رفض الاتجاه الأحادي في اي حوار بما يعني فرض منطق طرف على آخر، وعلى رفض أعمال المنع والتحريم والتكفير وأن يتم تشخيص عبثية وإجرام نهج إهدار الدم الذي صار أمرا شائعا اليوم، في بلدان الشرق الأوسط ومنها العراق، وبات عاملا أشاع أعمق ظروف إرهاب الناس وإلغاء أصواتهم لحساب صوت الرصاصة أو الخنجر المسموم أو العنف بمعناه الأشمل والأوسع؛ وصادر أول ما صادر النساء اللواتي تعمقت شواهد استغلالهن واسعبادهن ومصادرة اصواتهن وفرص مشاركتهن العادلة في الحوار الخاص والعام بكل أشكال الاستغلال وأنواعه.. ولا مناص بهذه المناسبة ومعالجتها، من أن نؤكد أنّ هذا يلغي معنى الحوار وينهي أية فرصة لموضوعيته ما يتطلب حسما وإنهاء لمنطقه ومن يقف وراءه.. بمعنى أن نجد فرص الحوار انطلاقا من القوى الواعية المدركة لحاجتنا للحوار وسلامته وسلامة شروطه..

فلنعاود الجلوس إلى طاولة الحوار بحوار ذاتي ، حوار نراجع فيه مع أنفسنا ما اتخذنا من قرارات متعجلة ولنعاود الجلوس لطاولة الحوار الموضوعي مع كل الآخر بلا استثناء ولا تمييز ولا إقصاء..

أفلا نتذكر حتمية أن نشرع بالحوار موضوعيا بما يلبي منطق العقل العلمي ومنهجه أم سنكابر ونصر على نهج الفرض والإكراه حتى في إطار وجودنا التنويري؟؟؟؟

أترك الإجابة لكم أصغي لما تسجلون ثم أعود للتفاعل

1 تعليقك

  1. نوافقك الراي …ليس هناك ما هو افضل من الحوار لتفادي المعاضل وسوء الفهم وبالنهاية النزاعات… الا ان الحوار قد اصبح اصعب ما يتبناه المرء مع نقيضه للوصول الى الحل. وان بدانا بالتسامح فالاخير سيعتبره ضعفا حتى وان كنت اعلى مرتبة علمية او ادارية او اعلى طبقة اجتماعيه .
    فالحق يقال ان دغمائية هذه الاوساط التي لا يمكن اطلاقا -واتحدث عن تجربة – ان تزيلها عنهم ..هي ليست نتاج فكر او اقتناع او عقيدة وانما اتت من غسل العقول باسلوب ((فني)) ماهر …. وهنا نسلط الضوء على اهمية كلمة ((التفنن)) بالحوار للوصول الى درجة الاقناع او التفاهم ان صح القول ..ففن الحوار يدرس في جامعات دولية لكنه ليس الفن الذي اعنيه . هو ليس مراعاة الاعمار او المستوى الثقافي او الحالة النفسية بقدر ما هو الاشادة بالجمع والنزول الى ما يثيرهم – كما سمعت يوما من احد الكبار يحاورهم في احد المناسبات – بان ليس لهم (يعني الجمع ) منافس وهم من لهم الحق بالحياة لان غيرهم قد استنفد اعمارهم وسرق منهم الرفاهية والكرامة والشرف والتغيير ينتظرهم هم لا غير والله يبارك بهم هم لا غير وهكذا ….بدا بحياتهم وحق العيش وبعدها و كشعب عقائدي قبلي التكوين تهزهم كلمة الكرامة والشرف ثم خصهم بمباركة الله لان هو كبيرهم ويعرف ان الله راض عنهم .مهما فعلوا وطبعا التكلم كان باسلوب حماسي عالي جدا يتخلله ايات من الله وبكاء على المفقودين فبهذا الاسلوب هزا للمشاعر …. هذا ما عنيته بـ( غسل العقول) ..حتى وان فشلوا لا يتنازلوا عن تفكيرهم لان تعصبهم سيعمي قلوبهم قبل عيونهم .فكيف نحاور هذه الفئة .؟؟؟.. رغم ان بعض الحلول تكون بوجود مفاوضين او طرفا ثالثا في بعض الحالات
    وما لفت نظري في الاونة الاخيرة ان اختلاط الشباب بالعالم الخارجي بالسفر للتجارة او السياحة او التعلم او حتى للهجرة الاخيرة ..قد بدد الكثير من افكارهم المسلطة على عقولهم وخفف التعصب لها او الغاءها تماما … مما جعلهم يتوجهون الى المنطق في التفكير ربما هذا احد الحلول للخلاص من بعض ((الطرشان)).
    شكرا لك..لحملك هذا النور الجميل الذي اوضح هذه القضية بكل مفاصلها

اترك رد