ناصر الكويت هل يكون محمد السعودية ؟!


 

دخل في التشكيل الوزاري الأخير لدولة الكويت الشيخ ناصر صباح الأحمد وهو النجل الأكبر لسمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح. وقد تقلد منصب وزير الدفاع والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء بتاريخ 11 ديسمبر 2017 بعد أن كان مستشارا ووزيرا لشؤون الديوان الأميري. وقد أهتم قبل دخوله في الحكومة الكويتية بموضوع تطوير الجزر الكويتية ونقلها الي مصاف الموانئ العالمية وفتح أبواب الإستثمارات والسياحة الدولية.

وعرف عن الشيخ ناصر صباح الأحمد الإنفتاح والعمل الجاد وعدم الظهور إعلاميا بشكل مكثف. وقد لاقي موضوع تطوير الجزر الكويتية الكثير من الاهتمام والرغبة الشعبية بجعل الكويت قبلة للسياحة والإنفتاح الاقتصادي وجلب رؤوس الأموال الي الداخل لغايتين وهما توفير فرص عمل للمواطنين بالإضافة الي تنويع مصادر الدخل القومي وعدم الإكتفاء بالنفط كمصدر رئيسي خصوصا بعد التحولات العالمية في البحث عن مصادر جديدة للطاقة، والحروب الإقليمية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج، وكذلك تطور الإقتصادات الآسيوية في الصين والهند.

ومؤخرا واجه الشيخ ناصر صباح الأحمد عدة تحديات أمام خططه لإدماج المرأة في العمل العسكري بحكم وظيفته كوزير للدفاع، ولعل أخطر هذه الإتهامات نبعت من الخوف من التغريب وأن يكون هذا الإنفتاح على حساب العادات والتقاليد والدين كما يقول النائب محمد هايف في مجلس الأمة، وقد تصدى له مهددا باستجوابه قائلا ” هويتنا خط أحمر ولن نقبل بتغريب المجتمع، فالمرأة ليس محلها المؤسسات العسكرية، وقد سمح لها في نطاق ضيق مراعاة لخصوصيتها كمسلمة، كتفتيش النساء في المنافذ وسجن النساء والأماكن التي يرتادها النساء، وليس تجنيدها أو فتح باب التطوع لها كعسكرية، فأي خطوة بهذا الاتجاه سيتبعها إعلان استجواب لوزير الدفاع”.

هذا المسار الإنفتاحي في الكويت وتنهيض دور المرأة الكويتية ومشاركتها في المجالات المختلفة لم يكن وليد اليوم، بل كان مع نشأة الكويت حينما قاوم المتنورين التيارات المحافظة والمتشددة دينيا والتي ترفض أي تقدم ومساواة وإعطاء المرأة الكويتية حقوقها. ولكن في

النهاية إنتصر الخط المدني وتم فتح باب التعليم والإبتعاث للبنات بعد أن كان مغلقا وتباعا حصلت المرأة على حق العمل في العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة حتى وصلت الي أخذ حقوقها السياسية في الترشح والإنتخاب بعد ماراثون طويل في عام 2005.

إن ما يواجهه الشيخ ناصر صباح الأحمد من التيارات المحافظة والمتشددة دينيا ليس بعيدا عن ما يواجهه الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية. فالتقدم الحاصل في المملكة السعودية قد بدأ مع رؤية سعودية جديدة قوامها التنمية والإنفتاح وإعطاء المرأة حقوقها الإجتماعية ولعل أهمها قرار السماح بالقيادة وقرار مشاركتها في الملاعب الرياضية وكلنا ننتظر قرار إسقاط الولاية عنها لتكون امرأة كاملة الحقوق والكيان والإنسانية. وقد حدث ما حدث في السعودية بعد أن تم تقليم أظافر وهيئات وفتاوي دعاة الدين المتطرفين سياسيا واجتماعيا، وبعد أن فاض الكيل بالشعب السعودي من هيمنة التشدد والإنغلاق الديني، وبعد أن حملت الرؤية السعودية القوة السياسية العليا من رأس الدولة ليتم تطبيقها تدريجيا بحسب البيئة السعودية ومتطلباتها. لكن ما يجعل الفرق كبيرا من ناحية أخرى بين الكويت والسعودية، هو الديمقراطية الكويتية ومجلس الأمة وهامش الحريات الجزئي في الكويت. فالقرارات الوزارية والتعديلات وحتى أحلام الناس والوزراء يتم مراقبتها في مجلس الأمة ذو التشكيل القبلي الديني في غالبيته، حيث لا تزال التيارات الدينية والقبلية نشطة وفاعلة في المجتمع الكويتي ومتغلغلة بالكثير من المؤسسات الحكومية وحتى السلطوية بمقابل إنحسار مواقف ووجود التيارات الوطنية والديمقراطية، ويخشى العديد من الوزراء وحتى أصحاب التيارات الديمقراطية والوطنية مواجهتهم أو مقاومتهم لانهم يتحدثون باسم الدين والعادات والتقاليد مما يجعلهم بالتالي أمام مواجهة الله وليس شخص النائب أو اعتراضاته الخالية من المنطق والمنفعة.

هنا، أمام هذه المعضلة الحقيقية في مواجهة التطرف والتيارات الرجعية في الكويت، تكمن الروح الوطنية الصادقة، فإذا لم يتم مواجهة مثل هؤلاء النواب وهذه الخطط الظلامية، فلن نكون قادرين على الحياة واستكمال مشروع تطوير الكويت، بل سنكون ضحايا وأسرى أفراد يعملون، ليس من أجل الكويت وتقدمها، بل من أجل أجنداتهم الدينية والمذهبية والقبلية، وهنا يكمن العجز الدائم وفشل المواطنة ومقدمات إنهيار الأوطان.

فما يواجهه الشيخ ناصر صباح الأحمد سيكون أقوى وأشد تأثيرا وأكثر فجورا في الخصومة، فهكذا علمتنا هذه الأجندات المتطرفة على خوض معاركها السياسية والاجتماعية، فكل نقد هو كفر وكل إصلاح هو تغريب وكل إنفتاح هو إنحلال، وليس مهما بالنسبة لهم أن تكون الكويت شابة قوية تفتخر بأبناؤها من الرجال والنساء. ولعل الإستجوابات البرلمانية قد تكون أحد وسائل المتطرفين لتعطيل هذا الإنفتاح وكبح جماح رؤية الشيخ ناصر صباح الأحمد.

إن ما يجب أن يأخذه بالحسبان الشيخ ناصر صباح الأحمد أن الكويت لن تكون تابعة للتطرف والمتطرفين، ولن نكون خاضعين لمسار الرجعية وتيارات التخلف، ولن نستمر في السكوت عن مطالباتنا بالمدنية الكاملة وتحويل الكويت الي دولة علمانية منفتحة تؤمن بالحريات وحقوق الإنسان والعدالة بعد أن شبعنا بل بتنا متخمون من الفساد والبيروقراطية والتخلف والخوف وقمع الحريات. وما يجب أن يتم العمل من أجله لمواجهة أجندات التيارات الظلامية هو في الإستمرار بالمطالبات الحضارية ودعم مشاريع الثقافة والتنوير والإنفتاح، والبدء بتغيير المناهج التعليمية بشكل كامل، وفصل المؤسسات الدينية عن العمل السياسي، ودعم إنشاء مؤسسات مدنية وأحزاب سياسية تشارك في تغيير الخريطة البرلمانية التي تعاني من ركود وصفقات وتحالفات أضرت بالديمقراطية الكويتية وجعلتها مجرد مرحلة للثراء والفساد والتخلف.

اليوم، لن نغرق بالتفائل ولا بالتشاؤم أيضا.. ولكن قد علمتنا الأحداث السياسية والاجتماعية في الكويت على إنقطاع الأمل وشح الأحلام بعد أن عجزت الدولة والحكومات المتعاقبة على خلق أي بادرة تؤكد على أن الكويت دولة مدنية. فعلى الشيخ ناصر صباح الأحمد اليوم، أن يكون مختلفا وشجاعا وجريئا..فلا تكون الخطط عظيمة الا حين يحملها من يؤمن بالعظمة والتفوق ومواجهة التحديات. فنحن لم نتعود من الحكومات أن تعطينا برامجها الحقيقية واستراتيجياتها الثقافية والفكرية لمواجهة تحديات التطور والبناء، بل نكتفي بالغالب بما يقدمه رئيس الحكومة أو الوزراء والمسؤولين من جهود فردية تصب في خانة التطور، ولكن باستحياء خوفا من عدة عوامل يرون من الصعوبة تجاوزها أو يفضلون عدم الإحتكاك معها لأن هذه العوامل (الدين، العادات والتقاليد، المحاصصات الطائفية والقبلية والفئوية) هي السبب الرئيسي في اختيارهم أو بقائهم على كراسيهم الحكومية. فلم نشهد مؤخرا ولا في السابق قيام حركة ثورية داخل الحكومات العربية لنفض الفساد والبيروقراطية والظلم الذي طال المواطنين بقدر ما يتم توليف واستخدام الفساد والظلم ليكون حاضنة للمصالح الشخصية وعائقا أمام تقدم الإنسان والمجتمعات.

لا تعليقات

اترك رد