الصيغة الإعلانية وإطروحات السياسة

 

منذ امد يمتد الى عام 2000 اشرنا العلاقة الرابطة بين التصميم والسياسة ومابينهما في مؤلفنا (مابين التصميم والسياسة ) ، وبعد مرور السنوات تلك تتأكد نظرتنا الى هذه الرابطة التي تتعزز يوما بعد يوم ، من خلال عديد الارساليات البصرية التي تبث يوميا ، من ذلك الصيغ الاعلانية التي تتخذ انماطا متنوعة هدفها الاساس التاثير في المتلقي(المستهلك) اي كان نوعه ، بل ان الإعلان بصيغته العامة بات (حصان الشغل) كما يوصف يؤدي خدماته مقابل المال ، او استهداف العقول في مواضع الاجتماع ،او الاقتصاد ،او السياسة التي تعد الميدان الاوسع في عالم يمور بالصراعات والازمات والتنافس الاقليمي ، والدعوات التي تطلق هنا،او هناك حول مختلف الموضوعات التي وضعت المفهوم الاعلاني السياسي في مساقات جديدة لم تكن بذات الاشتغال السابق ،من بينها المناخ الانتخابي الذي تعده الدوائر الديموقراطية امرا بالغ الاهمية في الترويج الدعائي للمنظومات السياسية ،” ويجدر بالذكر أن مفهوم الإعلان السياسي شاع في الدول الغربية منذ عقود طويلة، كجزء محوري في الشق الانتخابي،ويلحظ مشاهد القنوات الغربية، دون جهد مشاهد انتخابية ايجابية عن المرشح نفسه، أو سلبية تهاجم المرشح الآخر، كما سيلحظ إعلانات لمنظمات غير ربحية تدافع عن فكرة معينة، وتطالب الجمهور بالتجاوب معها، وكان حجم الإعلان السياسي خلال حملة الانتخابات الأمريكية الأخيرة(على سبيل المثال) بلغ 800 مليون دولار كأكبر انفاق على الإعلان السياسي في تاريخ أمريكا. أما في العالم العربي، فلم يكن الإعلان السياسي يتعدى الأوراق التي توزع في الشوارع وتعلق على الجدران، فضلا عن لوحات الطرق” وهذا الانفاق الكبير المدعوم من هذا الطرف ،او ذاك يشكل في عالم اليوم بذخا يجده البعض مبررا كي تتم العملية الديمقراطية حسب رأيهم ،ويعارضه بعض اخر ، من هنا فان الحديث عن الاعلان السياسي كمعطى بصري مكثف في اليات التعبير والتأثير المباشر ، يمثل في الواقع صراعا من اجل ايصال الفكرة ، لكنه ايصال تقف وراءه اموالا طائلة ” وفي سياق متصل لاهمية الاعلان الانتخابي، الذي تختلف وظيفته من مناسبة لاخرى ومن مكان لاخر، تهدف الدعايات الانتخابية النيابية للترويج لخط وفكر سياسي معين. أما في الانتخابات المحلية يكون الهدف في غالب الاحيان خدمة مصالح اهالي البلدة ، وإن كان الأمر نسبياً بين منطقة واخرى. لكن لا شك في أن التدخلات الحزبية لا تترك العمل المحلي يفلت من قبضتها… كما يُنظر إلى الإعلانات الانتخابية كشبيهة للإعلانات التجارية من حيث الصياغة وتحقيق الاهداف والارباح”.وهذا الامر واقع لامناص فيه ،اذ تعد الاحتفاليات الانتخابية سوقا للترويج الاعلاني الحزبي وغيره ،لذلك هي فرصة للتسويق لصور المرشحين والعبارات والشعارات التي تستهدف الناخب ، من جانب اخر فأن لمفاعيل السياسة ادواراً اخرى تُمارس من قبل افراد ،او مؤسسات اممية ، او حكومية من ذلك الترويج الدعائي العنصري ، وهو ما وجدناه في ما عرضته “سلسلة متاجر “إتش آند إم” السويدية من اعلان يظهر طفلين أحدهما أفريقي يرتدي سترة كتب عليها” أجمل قرود الغابة”، فيما ارتدى فتى أوروبي الملامح سترة كتب عليها” خبير الغابة”. الإعلان أثار عاصفة استنكار” ،وهو اعلان مغلف بغلاف العنصرية والقبح السياسي في عرض الموضوعات التي تثير مكامن الكراهية بين الناس منطلقين من وازع عنصري واضح ،ما دعا كثير من الناس ،لاسيما في مواقع الواصل الاجتماعي للتنديد والسخرية من هكذا اطروحات اعلانية ليست بريئة المقصد،كما استعمل في اعلان سياسي” لمهاجمة المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب صورا لقنبلة نووية لمحاكاة واحد من أشهر الإعلانات التجارية في تاريخ الولايات المتحدة، وتظهر في الإعلان صورة لسحابة نووية على شكل فطر عيش الغراب، ويقول الإعلان إن القنبلة النووية يمكن أن تقتل مليون شخص بما يزيد على عدد سكان مدينة كولومبوس بولاية أوهايو الأميركية، ثم يظهر مقطع لترامب وهو يتساءل (لماذا نصنع الأسلحة النووية؟)، ويدعو الإعلان الذي يموله صندوق (فيفتي ساكند ستريت) وهو جماعة سياسية غير مؤيدة للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون الناخبين إلى (توخي الحذر عند اختيار المرشح الذي يصوتون له)، وكانت كلينتون مرارا قد اتهمت ترامب بأنه لا يمكن الوثوق به في التعامل مع الترسانة النووية الأميركية”،ومن المفيد الاشارة الى ان (ترامب) نال عددا مهما من الارساليات الاعلانية المضادة وغيرها إبان حملته الانتخابية وبعدها ،وذلك ردا على سلوكياته التي يراها كثير من الامريكان انها قد تزعزع مكانة امريكا في العالم ،وقد اجتهد كثير من المصممين الاعلانيين في إبراز مكامن هذه الشخصية والمبالغة في هيأتها الشكلية في غالب الأحيان،بل ان صحيفة واشنطن بوست الأمريكية “نشرت إعلاناً في صفحةٍ كاملة، وبلا صور، مجرد نص بخطٍ عريض وعنوان بحروفٍ كبيرة في الثُلث الأول من الصفحة، نصه: 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات قد تُدِين دونالد ترامب وتزيحه عن منصبه”،وأوضح لاري فلينت، المعروف بكونه ناشر المجلة الإباحية “Hustler” وناشر الإعلان، أسبابه المتعددة التي يرى من خلالها الحاجة لإزاحة الرئيس الأميركي عن منصبه، واتهامه بكل شيء من “تعريض السياسة الداخلية والخارجية للخطر بسبب تضارب المصالح مع إمبراطوريته التجارية الكبيرة”، إلى “تمرير مئات الأكاذيب الصريحة”، إلى “المحسوبية الفجّة وتعيين أشخاص غير مؤهلين في المناصب العليا”،وهكذا تتوالى استغلال الاعلان ليكون اداة تشهير وتسقيط سياسي واضح ، في ضربة لاخلاقيات المهنة كما يقال ،الا ان عالم السياسة يبدو بعيد جدا عن تلك الاخلاقيات ،فالمهم كيف اوجه الانظار الى سقطات ومثالب تتوافر في شخصية ما،على الرغم من الاهمية الاقتصادية للإعلان التي تظهر في “تحقيق النموّ الاقتصاديّ للمُنشأة؛ من خلال اهتمامه بمتابعة الخدمات أو السّلع الحالية أو الجديدة، ويُساعد
ذلك في زيادة مُعدّل استهلاك الأفراد لمُنتجات المُنشأة؛ ممّا يؤدّي إلى زيادة حجم الإنتاج، وتُلخَّص الأهمية الاقتصاديّة للإعلان وفقاً للنقاط الآتية:

– التأثير في العرض والطلب:
هي المساهمة في زيادة الطلب على المُنتجات، والمحافظة على أسعارها عند مستوى مُحدّد، وتعزيز دافع الشراء عند المستهلكين. – التأثير في تكاليف التسويق: هو تأثير الإعلان على التسويق باعتباره جُزءاً من تكاليفه. – التأثير في تكاليف الإنتاج: هو دور الإعلان في زيادة حجم الإنتاج، ويؤدّي ذلك إلى تقليل التكاليف العامة المُترتّبة على المُنشأة.

– التأثير في جودة السلع:
هو تقديم الإعلان للمساعدة بشكلٍ غير مباشر في تحسين جودة السّلع، ويُساهم ذلك في تعزيز رغبة المُستهلكين للحصول على هذه السّلع.

– التأثير في الأسعار الخاصة بالبيع:
هو دور الإعلان في تحقيق الثبات لأسعار المُنتجات داخل السّوق.

– التأثير في الاستثمار:
هو دعم الإعلان للاستثمار والإسهام في زيادته، وينتج عن ذلك زيادة في الدّخلَين القوميّ والفرديّ”،لكن عالم السياسة اوجد لنفسه نطاقا اخر يتمثل في التلاعب بكل المفردات لتحقيق مايصبو اليه الفرد او المؤسسات التي تعمل ضمن انساقه، بل تفرع هذا الاشتغال الاعلاني الى نسق مهم بات يستحوذ على الساحة الاعلانية ،الا وهو التسويق السياسي الذي يعد عملية اجتماعية ادارية، تقوم به”يتبلور فى تخطيط وتنظيم وتنفيذ ومراقبة جميع الأنشطة الداخلية والخارجية للمؤسسة، من أجل توجيه المستهلك لسلع واحدة فى السوق، وذلك عن طريق تحقيق رضا المستهلك من تلبية رغباتة واحتياجاته، وفى ذات الوقت تحقيق المنظمة لأقصى ربح ممكن… بغرض تغيير احتياجات ورغبات الجماعة أو الأفراد الأخرين، من خلال ايجاد تبادلية بين المنتجات والقيمة”،وتداخل كذلك مع انماط السياسة التي باتت مؤثرة بشكل واضح في مختلف الانماط الاقتصادية ،فهو “مزيج ودائرة تبدأ بالمؤسسة السياسية ثم تعود إليها، فالإنموذج يبدأ بالمؤسسة السياسية في توصيل فكرة أو ممارسة ، أو قضية معينة إلى المنتج السياسي ثم تذهب إلى وسائل الاتصال المختلفة ، بعد ذلك تكون جاهزة إلى السوق السياسي المتمثل بالجمهور لتعود في رجع الصدى أو التفاعلية إلى المؤسسة السياسية مرة أخرى.وهكذا دواليك تستمر الدورة الاعلانية في عالم السياسة لتكون مؤثرة فاعلة عمادها التفكير السياسي ومجموعة من الادوات التنظيمية ذات الاثر.

لا تعليقات

اترك رد