الروائي، هوريشيو زمانه


 

“لكي تثبت أنك من أهل هذا البلد، لا حاجة لأن تبرز هويتك. اكشف عن جرحك، أو جنونك، أو عاهتك، أو عدد القتلى في عائلتك، أو قل أنا نازح فحسب”
مرة اخرى اقرأ رواية عراقية تأخذ بعض اسمها من رواية معروفة، كانت الاولى ( فرانكشتايين في بغداد ) للروائي الصديق احمد السعداوي و الرواية المعروفة التي أقصدها هي ( فرانكشتاين ) للروائية الانكيليزية مازي شيلي، و الثانية هي رواية ( المشطور ) و الرواية المعروفة هي ( الفيسكونت المشطور ) للكاتب الايطالي ايتالو كالفينو.. و تتشابه الروايتان، اقصد فرانكشتاين في بغداد و المشطور ) ببعض تفاصل الروايتين المعروفتين و لكن تمكن الروائيان السعداوي و جبيلي من جعل روايتيهما عراقيتين بامتياز و تعبران عما جرى و يجري في العراق و خاصة العنف و الاستهداف الطائفي.
الجملة التي بدأت بها هذا المنشور، يقولها نصفا الرجل المشطور، و ان كان الفيسكونت في رواية كالفينو لم يمت اثر القذيفة التي شطرته انما كل نصف اضاع الاخر ، فان بطل جبيلي يقول انه مات و الإرهابي يشطره نصفين لرفضه الإفصاح عن مذهبه و اصراره بانه عراقي و شطره قائلا ان كل نصف قتله ينتمي لأحد مذهبي الاسلام ، يقول انه مات..
تحمل الرواية عنوانا فرعيا و هو ( ستة طرائق غير شرعية لاجتياز الحدود نحو بغداد )، اذ يحاول النصفان ان يصلا بغداد للعثور على رواية كالفينو و اكتشاف الطريقة التي أعاد الفيسكونت الصاق نصفيه .
و للوصول الى بغداد ، يحاولان طرقا غير شرعية، بعد ان فشلا من الدخول شرعيا من الحدود السورية ، فقد منعا من الدخول لعدم امتلاكهما هوية او جوازا، لذا يحاولان الدخول غير شرعيا من الدول الستة التي تقع على حدود العراق..
شخصيا، احببت الرواية، هناك روايات تكتب منذ فترة، توثق هذه السنوات العجاف بكل مآسيها، العنف و الطائفية و الحروب و النزوح و الفساد..طبعا هناك اختلاف في اُسلوب السرد بين الروائيين الكبار في الابداع و العمر و الروائيين الشباب في العمر و بينهم روائيين ممتازين، أعلنوا عن انفسهم منذ اول رواية و يمتازون بالجرأة في طرح الأفكار ، مثل رواية ( كش وطن ) لشهيد و شهيد التي انبأت عن روائي متمكن يعرف كيف يوظف جنون الظروف غير الطبيعية الى جنون روائي و كانت روايته الثانية ( سارق العمامة ) جنونا جريئا. ولابد ان اشير الى الروائية ( شهد الراوي ) التي قرأت روايتها ( ساعة بغداد ) بتوصية من صديقة مقربة اثق بقراراتها، لكنني بعد صفحات معدودة، توقفت عن القراءة و أبلغت صديقتي بأنني لم أتمكن من حب هذه الرواية، و نصحتني بالعودة اليها، و عدت.. رواية لكاتبة شابة عانت و تعاني كما الشباب الذين بعمرها و من هذه المعاناة توصلت الى اُسلوب منفرد خاص بها، هناك من انتقدها و هناك من رحب بها و في المحصلة، انها تمكنت من توثيق وضع لابد من توثيقه، تماما كما فعلت المتميزة حوراء النداوي في روايتها الاولى ( تحت سماء كوبنهاجن ) و هي توثق للعراقيين في الخارج.
الروائي هو هوريشيو زمانه.. تذكرون حين قرر هاملت ان ينهي نفسه و الجميع، طالب من صديقه هوريشيو ان لا يقرر الموت ليبقى شاهد عيان و يروي بصدق ما حدث.

المقال السابقالامبراطور عاري
المقال التالىالصيغة الإعلانية وإطروحات السياسة
نرمين المفتي كاتبة ، مترجمة وصحفية عراقية مرموقة ..عرفناها منذ ان كانت تعمل في" مجلة الف باء" و" جريدة الجمهورية" (البغدادية ) و" جريدة الزوراء " .....بكالوريوس ترجمة -الجامعة المستنصرية ...ودبلوم صحافة من مدرسة الصحافة في بودابست -هنغاريا -المجر سنة 1983 ...بعد الاحتلال اسست جريدة في بغداد " جريدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد