(نصب السلام .. والخير والعطاء) للنحات خالد المبارك

 

خزين من الصراعات عبر الزمن، بين الوئام والمحبة، ومعوقات السلام والإستقرار، في بلد الحضارات العريق، تقوم ألفئة الواعية ذوي الإحساسيس والمشاعر التواقة إلى وحدة البلد من خلال صفاء النفوس، ونقاء الفكر، ونمو الإنقاذ.. والأنقياد نحو صفاء التذوق العام، ألذي يعد المسلك الرئيس لوحدة المجتمعات ألتي تتعرض إلى الإنزلاق والمعوقات بفعل مؤثرات.. خارج عن مجرى السلوك الأساسي للشعب العراقي. تلك المساعي تنبع وتصدر من ذوي الأفكار النقية.. أمثال النحات المبدع – خالد المبارك – بأنجازه ألمهم ألذي يتناسب مع الضرورة ألتي تتطلب إزاحة الغبار الطاريء على الشعب العراقي من محن وتضحيات وصراع. .إنه يتزامن مع الإنتصارات الأخيرة ألتي ستقود البلد إلى مناخ متجدد نحو الإستقرار. إنه (عمل نحتي) تتكاثف فيه ثراء من المضامين الهادفة بقدر التوافق الإنشائي المتوازن وجمالية الشكل التكويني ألذي يتضمن وحدات تراثية ومعاصرة.. حيث يتمثل بنهري دجلة والفرات وأشجار النخيل وطيور السلام. ستكون تلك الإشارات محل جلب الأنظار لصفاء القلوب والسلام والتآلف لمجمل الفئات الإجتماعية للشعب العراقي.

لقد كانت منابع الفكرة تكمن في تقديم شيء تستحقها بغداد العاصمة ذات التراث العريق، من خلال الثناء والتعانق مع بلد الأصالة برغم تعرضها إلى المصائب والدمار الطاريء. لكن هنالك جهات تنبع من داخلها هواجس الأحياء والتجدد والديمومة لكل مدن العراق العريق، تمثل ذلك بعمل النحات والرسام – خالد المبارك – بشكله العام المدور ألذي يماثل (العجلة)، ألتي تم ابتكرها تاريخ حضارة وادي الرافدين، وألتي تمثل ديمومة مسيرة الحياة. وبعد أن قدم العراق تضحيات كبيرة في مراحله الأخيرة، لاتقتصر على العراق فحسب، وإنما إلى للعالم أجمع. لقد كان (النصب) هو بادرة مهمة في وقته المناسب بعد مخاض طويل من الصراعات والحروب، تعرض البلد بشكل عام وشارع الرشيد بشكل خاص إلى إهمال بسبب الضروف ألتي تم ذكرها. كون شارع الرشيد يحمل ذاكرة جميلة يقطع مسافاتها أبناء الوطن والزوار من السائحين، عمد ألفنان – المبارك أن يضع لمسة فنية مهمة فيه في منجزه الموسوم (نصب السلام والخير والعطاء). النصب يحمل ذات وجهين: هما الحاضر والماضي.

يتضمن رموز دجلة والفرات وامرأة ورجل يتعانقان ويحملان حمامة السلام. وإن دجلة تحمل الخيرات المتمثلة بالسمكة، ويمثل التفاؤل والتعايش بهذه الرموز ألتي تحتوي على السمكة والطائر والنهر ، وأن التعايش بينهما يصبو في إمتدادات آفاق الزمان والمكان. ووجود السبع سنابل رمز للخير حيث تستوطنه الحمامة أو الطائر ألذي يسمى بطائرة (المهلهل) الطير ألذي يغرد لجلب عموم الناس لاستبشار الخير والمحبة. لقد وظفه بشكل حمامة لأنه يمثل السلام، لقد كان عمله ألفني ألذي استغرق منه وقتا ميعاد 15 شهرا عمل منفرد يمثل خصوصيته غير التقليدية. لقد كانت الفكرة والملكية الأصلي المتمثلة بقياس 10 أمتار قام بإعادة صياغتها بما يتناسب مع محيط مكانها الفضائي والتكوين. ومن المعروف إن نشاطات ألفنان – المبارك كانت مبكرة منذ كان طالباً في معهد الفنون الجميلة عام 1979 حيث جهز معرضاً في بغداد ثم حملها في القطار نحو الموصل ،وأعقبها إعادة صياغة الفكرة بمعرض ( معرض المتنقل والمتحول) عام 2015 من البصرة ثم ذيقار ثم الجزائر ثم المحطة الرابعة هي السليمانية.

في النحت الفنان خالد المبارك أختص في النحت فهو دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 1981 وبكالوريوس نحت عام 1985، لكنني أرى فيه ميلا متساويا مع النحتً لممارسة الرسم، ويبدو ذلك جلياً في أعماله النحتية الناتئة (الرليف) المصورة بإخراج تصويري أقرب إلى الرسم فالأعمال النحتية الرليف المصورة توحي إلى خطوط غير عميقة كسطح غائر وبارز، وتذكرنا بفن الرسوم الجدارية، فهي اذاً إمتداد لأعماق الفن الإنساني كتعبير بشكل فطري عن إختلاء الإنسان مع طقوسه وذاته فيها نفحات من الأسترخاء في التنفيذ وإنسيابية في إتجاه الخطوط دون إنقطاع أو توقف.

لذلك فأنني أجد هنالك صلة بين الرسم والنحت، في الرليف تحديداً في التقنية والموضوعات، أما في النحت (المدور) فالأمر يختلف كي تكتسب أعماله إيحاءا تعبيرياً رمزياً للموضوع .. تنفصل بعض أجزاء تكويناته التي تتطلب جهداً ما، في دراسة عناصرها، لكنها ألتزمت بغنائيتها الإيقاعية وشفافيتها الحالمة والدراسة التي بذلت لا تتجاوز حدود البساطة. يحاول الفنان أن لا يكون مقلداً للآخرين، ويبقي نفسه في سياق تأكيد ذاته بعفوية وصدق ، لذلك فهي تلتقي في رسوماته بهذا الجانب، جانب التأكيد على التفرد بصياغة التعبير عن أحلامه التي لا تشوبها ضغوطات ضجيج المدن وتراكمات العصر في أوجهه الصاخبة.

وقد نفذ الفنان أعمال نحتية مدورة، بحجم كبير نسبيا،ً تنحى منحا مطابقاً، وبذات السياق في البعد الشكلي للرسم لذلك تطلبت منه حذاقة ومهارة وصبر من جراء الإلتزام بإظهار السطوح الملساء والأنحناءات المكورة تتخللها تموجات فضفاضة، والأعمال النحتية بهذا النوع (الخروج عن السياق المألوف) يحتاج إلى جرأة للدخول في هذه المغامرة، فالعمل النحتي لا يمكن تغير نتائجه النهائية الذي يتطلب تكلفة في الجهد والمادة أكثر من الرسم مثلاً. ولو تأملنا بعض أعماله النحتية المدورة نجد أنها توحي إلى كون أصلها كتلة كبيرة قد سيطر الفنان عليها من الخارج وتصارع مع حجمها المبهم ليحيلها إلى كتلة ناطقة، فالبناء لديه في إخراج العمل وتقنيته يأتي من الخارج بوسيلة التشذيب والحذف والحفر كي تتكون منها أبعاد مخيلته التي هيأتها في تأملاته الذهنية، على عكس بناء وحدات الكتلة (بالإضافة) من الداخل الى الخارج.

– بيني وبين حجر المرمر علاقة عشق تقربني للمرأة أكثر –
إن تلقائية التفاعل وإلامتزاج الروحي لحيثيات الأداء للعمل الفني مع تلك الخامات، جعلت الفنان تتوثق لديه أواصر حب وعشق لها، من خلال الأداء ومراحل التنفيذ لعملية الخلق الفني .إنها وسيلة عشق وتعايش ومودة, وهي بمثابة عنصر مكمل لتركيبة بنائه الفسلجي الذكوري .. لخامات تبادل الإستجابة لمكنوناته الداخلية, التي يرى فيها صورة المرأة بجماليتها ورقتها وتعايشها الدائم طيلة فترة الإنجاز الفني. أما في مجال الأداء التقني، فإنها الوسيلة التي يتحقق من خلالها نتيجة هذا العشق .. الذي أطلق عنوانه الفنان – خالد المبارك – على أعماله الأخيرة.

عندما نحدق مليا في أعمال الفنان خالد المبارك النحتية نجد إن هذا الفنان قد منح تكويناته الشاخصة دفقأ من العلاقة المتبادلة بين دافعية التوق لبناء صرح مهيب يحمل بين ثناياها أسئلة مطروحة على أبسطة التنفيذ التلقائي وبين معترك الصراع نحو السيطرة على كتله الصماء والتي باتت في محطاته التنفيذية المنتهية توا، كأنها قد إستسلمت طوعا لأيدي هذا الفنان العنيد في مواصلة أقسى مراحل الإنجاز، والأعمال التي نشاهد هنا في أماكن التشخيص للنظارة [المتلقين] هي أعمال منجزة بطريقة البناء المضاد لسياق التنفيذ الذي يخطو على أنماط إنسيابية البناء من وضع أصغر الوحدات بالترتيب نحو تراكمها واحدة فأخرى ليتم في آخرالمطاف المشاهدة النهائية للعمل إلا إن طروحات الفنان – خالد المبارك – هنا تختلف بنقطة الإختيار الأصعب وهو إتباع بنائية صروح العمل من خارجه بطريقة التشذيب والحذف وإتباع الالتواءات الفنية الناتئة وهذا الأمر أو هذا النوع من الإختيار هو الإختيارالأصعب الذي لا يتعالج من جراء شطحات الأزميل أو عفويات إنزلاقه الذي يبتعد عن دلالاته الصائبة، من هنا نستطيع أن نؤكد إن الفنان – المبارك – إستطاع أن يسيطرعلى تلك المغامرات المنتظرة، نتائجها على طبق منزلق الحواف حيث يحتاج إلى مزيد من المهارة الثابتة وبالرغم من إن أعمال الفنان لازالت تحمل في أتونها نفحات أسلوبه الفني في مجال الرسم إلا أنه منح أعماله النحتية منعطفا آخرمن الأسلوبية المنسجمة مع تكويناته النحتية، آخذا بعين الإعتبار ما يطلبه النحت من فضاء وعمق ومتطلبات التوازن المنظوري للمشاهد الذي يتطلب حسابات مختلفة عن اللوحة الفنية لقربها من المتلقي, بعكس ما يحتاجه العمل النحتي للرؤى من أبعاد مختلفة تبعا لحجمه وهيئته الشكلية، ولقد أدرك الفنان بالحفاظ على الإنسجام بين ديناميكية الحركة للتفاصيل وبين مدلولات العمل الفني وقد تنوعت تلك الدلالات الفنية بين الإعتماد على مرجعياته السابقة للمفردات وبين إضافاته الجديدة للأعمال، فقد إستخدم الطيور ذاتها التي وردت في أعمال الرسم، ولكن هنا أعطى للرؤى العامة للعمل، دلالة شاملة للتكوين كانحناءات توحي إلى الأمومة والعاطفة ومنح أعماله رمزية عامة لا تستهلك من المشاهد أنشغالات فضفاضة، إن في أعماله الجديدة ذات الأنصاب الكبيرة في الأماكن العامة ضربا من الحرية في التنفيذ غير المقيد بالاشتراطات التقليدية، وبهذا أجد في أعماله من جانب آخر تأسيس لإستمرارية تكامل الفكرة على نحو مفتوح غير منغلق, بمعنى أوضح إن أي عمل يمثل وحدة من وحدات – بونا راما – دائمة، تتطلب الديمومة في المواصلة وإتباع الأجوبة لأسئلة مطروحة من شروعه الأول في التنفيذ،

أما بخصوص تفضيل الفنان لهذا النوع من الخامات أي حجر المرمر في هذه الاعمال الأخيرة تحديدا فان موضوعاتها المختارة تتناسب مع إيحاءاتها الشكلية لمظهرالنعومة [soft] مع مضموناتها النسوية والطيور الجميلة وكذلك بعض التكوينات التي توحي الى النمو والتصاعد [grow up] المستمر من جراء حركاتها الملتوية للأعلى حسب دلالاتها النفسية وهي تجمع بين جانبين من المضمون الفني، معنى يوحي بتدفق لهيب نار مستعرة للأعلى ومضمون يوحي إلى حركة نمو نتاج الأرض كدلالة الديمومة والإستمرار في الحياة وهي ذات العلاقة بين المرأة والأرض في جانبي الخصب والنتاج، بين الولادة والحصاد، ولكن لنعود إلى طبيعة الخامات فهنالك تضاد ما بين الشكل لخامة المرمركسطح أملس يوحي إلى الرقة والحيوية والنمو والترف، بفعل تقبله إلى مديات أبعد إلى الصقل والتنعيم، وبين طبيعة تركيبة محتوياته الجزئية المتماسكة الكثيفة، أي الصلابة وبهذا فان الفنان هنا قد أختار أشد الطرق تعقيدا من أجل تقديم أفضل الطرق نتائجا لتحقيق محتويات النص التشكيلي النحتي، ومحتويات النص هنا تستلزم دافعية صادقة ومركزة وهذا ينطبق تماما مع مقولة الفنان خالد المبارك في هذه المجال وهي [بيني وبين حجر المرمر علاقة عشق تقربني للمرأة أكثر] وبالرغم من الإختزالات الواضحة للتفاصيل لنصب المرأة فإن دلالاتها الفنية لا تقبل التحريف أو التوقف ضمن مجال التصور المبهم للإيحاءات الشكلية للعمل الفني، وقد أكد الفنان على ضرورة المحافظة على التغيرات الإيقاعية لجزئيات الشكل، تنتاب ما يتلاحق وحداتها الإيقاعية فترات سكون متوازية مع مثيلاتها من الوحدات، وبالرغم من إن الإيقاعات غير الحرة في قياساتها، فإن العمل فيه طابع المعاصرة لأن الإيقاعات الثابتة غير الحرة كما هو معروف هي تراثية إسلامية متصلة بالتكرار اللامتناهي ضمن مفهومه المطلق، وهي إمتداد كذلك للنحت السومري والبابلي والآشوري، كالحلقات الحلزونية المستديرة في لحى وشعر الشخصيات المنحوتة.

وعموما فأن أعمال الفنان – خالد المبارك – تمتاز كذلك من الناحية الشكلية بالأستدارات المنحنية بطريقة الحنو العاطفي والأمومي للمرأة على طفلها أو حبيبها، ولو تأملنا أعمال أخرى له فإنه قد منحها المضمون المكاني والدلالة التراثية التي تتناسب معها كنصب الجنائن المعلقة في بابل مثلا والتي قسمها على شكل إفريز، كمسلة حمورابي كي يمنح العمل بعده التاريخي والتراثي، والعمل يأخذ صورته الشكلية للزقورة والتي ترتكزعلى قاعدة عريضة ثم تنتهي بحجم أضيق، وهذا النوع يعد من الصروح المعمارية الفنية التي إنتشرت بعدئذ منها ملوية سامراء مثلا، إن صلة الفنان – خالد مبارك – لم تكن منفصلة عن تلك الإمتدادت ببعديها الأفقية والرأسية التراثية والمعاصرة للمهارة الشخصية، والمكتسبة، التعليمية الإجتماعية.

– أعماله النحتية الجديدة –

مهارة الإتقان النحتي
مهارة الإتقان الأدائي عبر مسطحات الأعمال النحتية الشكلانية وتفاصيل بنيتها المختلفة في جانب الرؤى والاستغراب والإنتباه والتمعن. .لدى الفنان – خالد المبارك – في أعماله الجديدة، تلك الأجزاء النصية للأشكال تمنح المتلقي ثراء جمالياتها المبصرة، للأسباب التي ندرك تماما حقيقتها، وهي إن البناء المعماري والنحتي والفنون بأنواعه المختلفة، تتطلب الأسترخاء والحيوية التي تنطق بأدوات السلام والمحبة والتآلف. تلك المفاهيم تكمن داخل هواجس الإنسان بمحور ومجال مغاير ومتضاد إلى منطق الدمار ولغتها التراجيدية العنيفة المؤلمة التي سادت فحواها عبر عقود من الزمن، جعلت المواطن العراقي تحديدا يتوق إلى نزعات مغايرة لتلك الأندثارات التي أحبطت مستويات ومجالات متعددة من التنوع, جوانب مرئية مجسدة، أعطت إعاقة في التواصل التعليمي لبراعم الأجيال التي تشكل عماد بنية البلدان, الذي جعل نسبة الأمية تزداد بمراحل متوالية، فضلاً عن إنعكاس تلك التوترات والأرهاصات على تواصل التلقي ونمو القيم الأستاطيقية التي تبهر وتبهج النفس في جوانبها المولودة مع الإنسان. تلك الإنعكاسات تشلها موجات الصخب والتقلبات الساخنة.. إنها عوامل دخيلة على منهجية الخلق الطبيعي، والذاتي ومنظومته الحياتية (السوية) في جذورها الأصيلة. تلك المؤثرات تتناولها وتجسدها مواقف وتجسيد مرئي وسمعي. . قصائد شعرية وكتابات سردية وروائية وتشكيلية، تتناولها بألم وتسجيل تاريخي قد يثير الألم والحزن، منها واقعة سبايكر، وحادثة الكرادة وغيرها من الأحداث التي شهدتها البلاد. تلك المناحي الأستعارية المرتبطة بمصادر جذورها الرافدة – تستوقف ألفنان – خالد المبارك – لأستبدال تلك الكوامن المؤلمة بتعبيرات تفاؤلية تنبض بالحياة والأمل، من خلال مرموزاته السميترية الإشارية التي تعايشت مع الإنسان منذ النشيء بسروره ومأساته. . تبعث في داخله هاجس الشعور الوجداني والإدراك العقلي والمعرفي، كمنطق تسجيلي يثبت ديمومة الإستمرار في الحياة. إن هذا المنحى سلكه الفنان – المبارك في أعماله النحتية والرسم معا عبر مراحله المتوالية السابقة. إنها تتناسب وتتوافق مع مفاهيم التحليل السايكلوجي الذي يدعو إلى الجانب المغاير لتفتيت عامل التخريب والاندثار، إنها إنشداد نحو إلامتزاج المختلط بين هواجس الذات ودفقها المنفعل وبين إنعكاس تجسيد جوانب روحية الحياة في قيمها الجمالية للتفاؤل، لإيصال وسائل المعايشة مع الإنسان منذ النشيء بسروره ومأساته في إنتصاراته وإنكساره للتركيز ونمو كوامن الهواجس التي تتعلق بقيم الأستاطيقيا الجماليّة، تلك السلوكيات تفصح عن توافق نتائج المضامين الفكرية والأدائية بأنواعها المختلفة، من خلال إستخدام. المواد الجديدة التي هي تركيب الخامات والمزاوجة لإخراج العمل بشكل مغاير وغير مألوف, بصيغتها التنفيذية وموادها المتنوعة التي تحتاج إلى جهد كبير من الأداء الفني المهاري للأعمال النحتية التي تستخدم بمواد صلبة ومتناظرة في التنوع. منها مواد البرونز الأصفر والحديد والالمنيوم، إنها مواد متنوعة, من البرونز في مقدمتها الألمنيوم والحديد والحجر والكرانيت الأسود والرخام الأبيض (كرارة الإيطالي) نفس المادة التي عمل ما يكل أنجلو أعماله وهو جبل في إيطاليا إسمه كرارة منجم لجر الرخاموالستيل ..لحجر الرخام بمختلف ألوانه..والأبيض بالذات.. أما الاعمال السابقة فهي متنوعة وحسب الخامة بين الحديد والبرونز والحجر المحلي وحجر المرمر بألوانها المتعددة وخامة الخشب والحجر الصناعي ومخلفات الحديد ..


تلك التناظرات من المواد تحيي المضامين الفكرية والأدائية بأنواعها المختلفة، من أجنحة الطيور وأجسادها التي تطفوا فوق محطات الجري لنهري دجلة والفرات يشكلان السلام والحياة الدائمة. تلك الإمتدادت تتصل بمفردات أعماله السابقة، وخاصة في مجال الرسم. تلك الطيور التي تحلق في مساحات الأهوارالمتضمنة بيوت (أكواخ) تطل على مشارفها، لتشكل حركة وتباين وحياة تتعايش مع تناولها وأصطيادها والتمتع بحوم تحليقها. وفي إنغماس الأعماق لمياه الأهوار والأنهار يسجل الفنان التشكيلي – خالد المبارك – تلك الأسماك في منحوتاته الحديثة بجمالية الشكل ومهارة الإتقان مع المفردات الأخرى التي تدعوا إلى ترابط العلاقة بين المعنى الحرفي المهاري ومضامينها المسالمة. لقد توزعت أعماله المنجزة، في البصرة .بابل .لبنان في مدينة عاليه، وكركوك، حجم العمل الأخير يبلغ إرتفاعه مع القاعدة 6 أمتار وبعرض 3 أمتار, ومن أعماله الأخيرة، في بغداد وفي شارع الرشيد .. تبدوا لنا مضامين أعماله النحتية وتقنياتها العالية المستوى، أمرا يستحق الثناء والأسناد والتولي، لأستثمار تلك القدرات المهارية الأكاديمية المعاصرة، التي تجلب الإنتباه وترسخ التسجيل الأثري لثيماته الإدراكية وصلتها بمعالم الأنثروبولوجيا الإجتماعية لبلاد وادي الرافدين تأريخا عريقا وحاضرا معاصرا. . يسعد النفس ويزيل الهموم، ويكسر جوانب المأساة التراجيدية المؤلمة بتعبيرات تفاؤلية تنبض بالحياة والأمل. . لجوانبها المشرقة للحياة, وخاصة لبراعم الأجيال القادمة التي تحتاج إلى تجنب مصباتهم في دفق الماضي المؤلم. . تلك الأمور يفتقر لها المبدعون بما يتناسب مع حجم قدراتهم الإنجازية. لذلك نجد كوامن الحماس تدعوا المبدعون ومنهم الفنان – خالد المبارك – إلى تبني تلك العطاءات بإمكانياتهم الخاصة, يقطعون من لوازم معيشتهم المتواضعة إلى منح عطاءاتهم الإنجازية إلى عموم المجتمع العراقي، وكما هو معروف منذ المراحل الأولى للبشرية. . ومنها حضارة وادي الرافدين وكذلك الإغريقية والفارسية والفرعونية واليونانية تدعم وتكلف الأيدي الفنية بشكل رسمي لكون اليد الواحدة لاتستطيع أن تصفق. . والأمر ينطبق على الحركة الفنية التشكيلية خصوصا في عصر النهضة تكليف من قبل الكنائس الدينية، أو من قبل الجهات الحكومية للبلدان الأوربية إيطاليا وفرنسا وغيرها من الجهات الرسمية، تلك الدعائم فعلت دفق الإنتاج الإبداعي نحو آفاق التألق وإعكاس هوية تلك الشعوب برغم تباين الزمان والمكان ونوع الأمم في العالم. . تلك التنويهات الإشارية نؤكد على أهمية تقدير وتقييم تلك الأعمال والإنجازات المهمة التي أفرضت وجودها برغم كل العقبات المتنوعة، من خلال ذلك نستنتج على إصرار الفنان التشكيلي – خالد المبارك – منح عطاءاته الإنتاجية في مجال الرسم والنحت، ديمومة الإستمرار، لتنير أعماله أجواء معتمة، وتبديل مناخها نحو الحيوية والتفاعل الدائم في نفوس المجتمع، وعودته إلى جذور العروق الإبداعية والتذوقية الراقية.

– شاعرية الشكل وجوهر الأصالة –
من المسلمات الأساسية في العرف التشكيلي أن يكون للإبداع شروطه القائمة على وفق ثوابت لا تقبل الدحض أو الإختلاف وهي (الأصالة، المرونة، الطلاقة) وقد سعى كثير من الفنانين بالعودة الى جذور الأصالة ونقاوة الطرح والتعبير في الأخذ من مناهل مختلفة ومنها تراث الشرق حصريا من ديلا كروا إلى بيكاسو مثلا، برغم إختلاف الإنتماء ما بين الرومانتيكية والتكعيبية وطريقة التناول لكليهما. لقد خضعت كثير من التجارب التشكيلية عالميا وعربيا إلى منطق التحديدات المغلقة بهدف الحداثوية، إلا أن الكثير منها بقي أسير قفص الأطر الجاهزة، والفن عموما يحتاج إلى تلك المغامرات التجريبية. إلا إن الإتصال مع السمات التي يتميز بها الفن الشرقي قد ترفض بعض مطلقاتها الخاصة، وفي حال فشل الفنان في اللعب بتلك المغامرات التقنية والفنان خالد المبارك يبدو أنه قد تجنب الإنسياق وراء الموجه المتجسدة في الإنتظار من المصادفات المفاجئة من (عجائن اللوحة التجريدية) لذلك بقي في إطار عبق الشرق وروحية الخطوط المرنة والمتحركة بإنسيابية وبدفق عفوي.

– مرجعياته التشكيلية –
في نصوص الفنان المبارك ) على الصعيد (النحت) أو(الرسم) ثمة إيحاء مباشر ذو نغمة ظاهرة مفعمة بعبق جمال الشرق وسحره الأخاذ، فالمفردات وإن كانت ليس بالضرورة مفردات شرقية تراثية مستعارة بشكل مباشر، إلا إن الأجواء المناخية عامة توحي بذلك، وخاصة بطريقة الأداء الزخرفي ذات الإيقاع الرتيب أو بساطة ملامح الشخوص التي تذكرنا بالواسطي وعموما فهي إيحاءات شرقية تتنقل سماتها بغيرإرتباط (زمكاني) محدد فيها مسحة من التفكير الأسطوري بموسيقى غنائية تعزف في أجواء العشق العذري و عذوبة البراءة.

– الأبعاد عن المناخات الصاخبة –
ولو تأملنا مرة أخرى كقراءة جديدة للفنان المبارك نجد إن عناصر مفرداتها قد خلت من مفردات العصر وما يترتب عليه من إرهاصات مغلقة وضاغطة على الإنسان الحديث يبدو إن الفنان قد أختار لنفسه عالما تسوده الألفة والمحبة والسلام ، مفرداتها طير المهلهل المعروف في البصرة في أبي الخصيب تحديدا و أوراق الأشجار ووجه المرأة كلها مفردات نبتت عليها أحلام الطفولة بعيدا عن تناقضات وصراعات المدينة وضوضائها الصاخب فالفن كما نفهمه تفريغ لإنفعالات النفس المتوترة من جراء متناحرات ودوافع شتى منها الإستجابة لمعطيات الجمال كفعل إنعكاسي يثير فينا فعالية الإبداع والتأمل معا … ولكنه من ناحية أخرى يثير فينا دافعية التذمر من أفعال وأجواء مضطربة تجسد تلك الشحنات بإنجازات إبداعية .. وقد إرتضى الفنان خالد مبارك لنفسه أن يجسد تلك الدواعي في مناخات يسودها ألود والصفاء والسلم وقد نطقت بألوان وخطوط موائمة لتلك الأهداف .

– مدلولات العمل الفني-
بناءا على ما تقدم .. نلاحظ إن مدلولات العناصر الفنية في أعمال – المبارك – كشكل ومضمون قد إستمدت تعبيراتها من الدوافع الأساسية له، والدوافع كما قلنا هي الإقتداء مع الوجد ومع الذات التي تبحث عن الإنفلات من تعقيدات العصر وبهذا الإنقلاب النفسي وتداعياته الإيحائية للعيش في أجواء لم نألفها إلا في الأحلام والأساطير, وأغلفة الكتب التراثية الأدبية والشعرية,نلاحظ تكورات الخطوط وإنحناءاتها المتموجة تارة والمتدفقة كالنافورة تارة أخرى. إن الأنحناءات ترمز إلى الرقة والنعومة واللانهاية ولكن هذه الأنحناءات ليست مغلقة في أطرافها فهي تتدفق أحيانا للأعلى على شكل شجيرات أو نباتات كدلالة على الحياة والأمل والديمومة. والمشهد التشخيصي عنده يرمز إلى براءة الوجوه الملائكية وقد تتدلى أحيانا ضفائر النسوة مختلطة مع الأزهار تتداخل فيها الرؤية البصرية عن طريق وحدة إيقاع اللون، وهناك علاقة متداخلة بين ذاتية الفنان ورموزه الأخرى، فالوجه الرجولي في أعماله، هي تجسيد لمحاكاة الوجه الشكلي له والخلفية مفعمة بتكرار لوحدات متشابهة تشكل فيضا من النسق العام للعمل الفني (باك راوند) وقد عمد الفنان بأن تكون أرضية الموضوعات ذات طيات داكنة بهدف إستقرار الأشكال الأخرى عليها منطلقا من ألوانها، فضاء مزدحم بوحدات زخرفية دقيقة أشبه بالوريقات الصغيرة، لذلك فأن إتجاه حركة العناصر إلى الأعلى في أغلب أعماله هي تأكيد على الحياة والحيوية والخصب والولادة بإخراج يتنقل ما بين التعبيري والرمزي والتجريد المعاصر أما الأشكال الأخرى .. ومنها الأشخاص (وجوه وأجساد) فهي ورقية الأبعاد مسطحة تختفي أبعادها التفصيلية تحت عباءة المناخ العام للوحة.

– الأسلوب والمعالجة –
بالرغم من إستخدام الفنان في أعماله وحدات تزينيه .. والتي بدورها كما نعرف تحتاج إلى خطوط داكنة وفواصل و أطر تتخللها حافات حادة في اللون والخط إلا أن الفنان قد أنتبه إلى تلك المعالجات بشفافية بإستثناء الأرضية دون أن تخلق تشويشا على مجالات الأشكال الأخرى، ولكن يبدو أن الفنان قد أستأنس بأشكاله التي تكررت في أعماله سواء في الشكل أو أسلوبية الإخراج في سياق مغلق وتنوع في إدخال مفردات تراثية تضيف للعمل تجديد في رؤية المتلقي بصريا على وفق إيقاعات حرة، أي غير (ستاتيكية الإيقاع) وكذلك في تجديد تنوع الفكرة التي يمكن بدورها أن تتطلب إستخدام تقنيات أخرى توائم المستجدات المنتظرة، إن نجاح إتجاه ما، في ترويجاته الأولى قد يمسك زمام المغامرة لدى البعض في الإبقاء على تأسيس مشاريعه اللاحقة. ولكن من جانب آخر قد تكون المغامرة غير التجريدية العاجلة والمتشابهة، في أسلوب – المبارك – قد حققت هويته الفنية في خطواتها الأولى، في الجذور التراثية وفي أسلوبية الإخراج الفني، ولكنها تدعو إلى الإقتراب من حيثيات الواقع الموضوعي و إنزالها من غياهب التحليق المفرط ، وقد تحقق ذلك في بعض لوحاته إنشائيا, إذ أخرج بعضاً من أجنحة طيوره من إطار اللوحة، وبعضاً من قصائب النساء ضمن محيط آخر يكمل لوحته التشكيلية، وتعد هذه التبدلات في بنية العناصر التكوينية للعمل أنسلاخ من واقع الرتابة المقيتة في التقنية والموضوع في الشكل والجوهر أما في قراءة توزيع الكتل فإن موضوعه الإنسان عموماً هو البؤرة المركزية لأعماله، وقد حققت تكوينات الأخرى من، أشجار، طيور ..إلخ عملية توازن لا شكلي للعمل سوى بعض الميلان يميناً أو يسارا،ً في أنسحاب الكتلة الرئيسية لغرض التعبير أو إعادة البناء التكويني للعمل لغرض الموازنة، وعموماً يبدو للنظارة إن التقنيات غير مفتعلة أو محكمة بضوابط التبدلات المهارية المنوعة على وفق سياقات التجريب البحثي المغامر .. ربما قد فرضتها رقة الخطوط اللينة التزينية التي لا تسمح بإستخدام سطحين متضادين في الملمس بمواد متنوعة.

– تحولات جديدة –
أما في أعمال المبارك الجديدة تبدو تحولات واضحة للعيان في إستخدام تقنيات من المواد التي تخلق سطوح خشنة وناعمة نجح الفنان في الخوض بتجربتها لخلق أجواء جديدة من التكوينات المجردة من المشهد التشخيصي إذ أضحت إشارات السطح التجريدي للوحة بفعل متضادات السطح الغائرة والبارزة (الناتـئة) أشبه بمناخات الطبيعة التي تشاهد عن بعد من الأعلى بعدما غابت عنها الأسس التي إنطلق منها الفنان (الشرقية) في المفردات تحت تأثير التقنيات الجديدة إلا أنها عكست رؤية بصرية ذات مسحة جمالية أخرى، كسرت عامل التكرار وسام المباشرة في الطرح كما إن روحية الفنان الشرقية ما زالت خيوطها باقية في الألوان تحديدا.

المقال السابقالعراق بلد الفراخ
المقال التالىسأعود أدراجي
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد