عن الأطفال و ثنائية اللغة


 

تعاملت أغلب المجتمعات العربية مع تعلم اللغة الثانية من منطق الكماليات وبعض الأحيان كان البعض يعتبرها محافظة على دلالات انتمائه الطبقي وشيئا مكملا ( لبرستيج ) حياته ومستواه المعاشي.

إلا أن ما أحدثته صراعات الشعوب مع جلاديها في العشرية الأخيرة و ما ترتب عليها من نزوح ودمار طال البشر والحجر أفرز مشاكل جديدة لم تكن بالحسبان ،ولعل أهمها مشكلة التعامل مع لغات المجتمعات الجديدة التي وجد نفسه مواطننا العربي نازحاً ولاجئا إليها ، و كان من أولويات اهتماماته تعلم اللغة لمحاولة التواصل مع المجتمع الجديد والأهم من ذلك محاولة ايجاد مكان في سوق العمل، كون المجتمعات الجديدة تركز على مفهوم العمل كمنطلق وحيد لتقييم الأفراد، بغض النظر عن انتماءهم الطبقي أو الطائفي أو حتى المادي، فالكل سواسية إلا من رفض ذلك.

بالنسبة للمجتمعات المستضيفة، فقد تفاجأت بنسبة غير الناطقين باللغات الحية ( طبعا باستثناء العربية ) فقد كان حتى بعض حاملي الشهادات الجامعية يتكلم الانكليزية بشكل سيء.

من هنا ركزت المجتمعات المضيفة على تعليم اللغة المحلية لكبار السن، وقدمت لهم فرصة التعلم المجاني ، تمهيداً لزجهم في سوق العمل، ومن ثم دمجهم بالمجتمع.

أما بالنسبة لصغار السن، فقد تم اهمال أمرهم بعض الشيء، وتم زجهم بشكل مباشر في المدارس الاعتيادية، أو روضات الأطفال ، اعتماداً على قدرة الأطفال على التعلم بشكل أسرع، وهذا ما كان صحيحاً نسبياً، إلى أن ظهرت بعض المشاكل فيما بعد.

طبعاً لن أناقش توجهات المجتمعات المضيفة ، فهذا أمر يخص سياساتها، وعلينا كضيوف التأقلم واحترام القوانين الناظمة للعملية التعليمية ، إلا أنني انشغلت لمدة مضت بما يعانيه الأطفال ممن يرتادون رياض الأطفال أو الصفوف الأولى الابتدائية.

بدأ الآباء يلاحظون أن أطفالهم باتوا يعانون من بعض المشاكل في النطق، كتأخر النطق ، أو التحدث بسرعة شديدة أو بطء شديد وحتى أن البعض من الأطفال بات يعاني من بعض التأتأة أو التردد في الكلام.

بعض الأهالي بدأوا يتحدثون عن اضطهاد ما أو تهميش، من الممكن أنه هو ما سبب تلك المشاكل في النطق لدى أطفالهم، البعض ذهب إلى التلميح إلى نوعية الطعام المقدم ، في حين اعتقد البعض أن الأطفال لا يحظون بالإهتمام المطلوب .

على الطرف الآخر، بدأ معلمي المدارس و الروضات ، و المشرفين الاجتماعيين ينظرون بعين الريبة لتأخر الأطفال بالنطق.

بعضهم ذهب إلى معاملة سيئة يتلقاها الأطفال في المنزل، وهو أمر خطير ولا يتم المسامحة به في المجتمعات الغربية.

هنا كان على الجميع ( مدرسين و مشرفين وأهالي ) أن يقدروا صعوبة العيش ( بالنسبة للأطفال على الأقل ) بشخصيتين منفصلتين، أحدهما في الروضة أو المدرسة ، و ثانيهما في المنزل.

ليس أبداً من السهل متابعة الحياة مع لغتين منفصلتين و مختلفتين ، وتقاليد مختلفة، و عادات وموروث ثقافي مختلف.

خلاصة الأمر ، أنه من الاعتيادي لأطفال القادمين الجدد ، المعاناة من تأخير في النطق، أو ما يشابهه، وذلك لأن الأطفال يلزمهم مدة أطول لاستيعاب الأمر ، تفهّم اللغة، ونشأة ذلك النوع من الألفة بين اللغة و الطفل ، إضافة لتفهّم الطفل ، بأنه إن هو فعلاً بدأ بالتحدّث باللغة الجديدة، فهذا لا يعني أنه قد بدأ بالابتعاد عن أسرته، حتى لو كانت أسرته لم تكن تنوي أن تتعلم اللغة الجديدة بعد، و أنهم بتعلمهم للغة فهم لا يقومون بفعل خاطئ أو معادي للأهل.

لا تعليقات

اترك رد