” الجذور ” لوفاء جميل


 

على هامش مؤتمر استضافته الكنيسة الإنجيلية بجوار كنيسة المهد في بيت لحم، حيث مهد المسيح (عليه السلام) وأرض السلام والزيتون والأنبياء، وبحضور وفود من ثلاث وعشرين دولة تحاوروا وتناقشوا تحت عنوان “تشكيل المجتمعات وقت الأزمات”، وفي أجواء الكنيسة حيث الصلاة والترانيم من أجل السلام، سلام الروح والإنسان وبين وقوف المشاركين ينشدون أغنية عن الأمل والحب والسلام، ومن بين وجوه تحمل ملامح الإنسان كإنسان بدون تمييز بين عرق ولون، وبين دهشة الحاضرين الذين أتى كل منهم من مكان وفكرة ما تسكن في كيانه.

في قلب هذه الأجواء، كان الحضور المتميز للمخرجة الفلسطينية وفاء جميل، حيث تمكنت أن تحيل جلسات المؤتمر والوجوه الملونة ما بين دهشة واستغراب وألم، إلى قصة بلا سيناريو مسبق، بحثت عن الجذور، وفتحت ملفات قضية شعب جرى استعباده واستلاب أرضه ومنازله، شعب جرت كل المحاولات من أجل تدمير روح الإنسان فيه بلا جدوى، فلا الحواجز ولا القتل أو مصادرة الأراضي، ولا الجدران وحراب الجند تمكنت أن تمنع الورود من أن تنبت بين الصخور.

بإمكاناتٍ متواضعة وإيمان كبير ومعاناة تعصف بحياتها، امتشقت وفاء الكاميرا والتقطت الكلمات المتناثرة من الأفواه، والجولات الميدانية لبعض حضور المؤتمر، فخرجت لنا بقصة شعب من خلال عيون الآخرين وكلماتهم، تركت لهم أن يتحدثوا بلغتهم الإنجليزية بحرية، ولوجوههم أن تعبر عما يشاهدون ويحسون، وتركت للكاميرا أن تلتقط هذه اللحظات الإنسانية بحرية وتحليق.

فتاة قادمة من الولايات المتحدة تقول: “لم أعد للشرق، بل عدت إلى بلدة والدتي التي هي محرومة من العودة منذ حوالي ستين عاماً.. لقد عدت لأبحث عن بيت جدودي”.

رجل دين أسود قادم من جنوب إفريقيا يقول: “كنت أريد معرفة ماذا يدور في هذه المنطقة من العالم، كان السائق الذي أقلني يشير إلى المستوطنات التي أقيمت على هذه الأرض، فاستعدت بذاكرتي مرحلة ما قبل الحرية في بلادي وأنا أمرّ على الحواجز الكثيرة والمستوطنات حتى وصلت إلى بيت لحم”.

أولئك يصبحون أبطالاً لفيلم لم يخطط له، كل منهم أتى بهدف، فيجولون فيبيت لحم والخليل ورام الله من أجل هذا الهدف، ترافقهم الكاميرا ترصد جولتهم، ملامحهم، تعابير وجوههم، كلمات ومشاعر عفوية تلتقطها عدسة الكاميرا وروح فنانة، فتخرج لنا إبداعاً بلا تمثيل هو (الجذور).

شوارع وأزقة بيت لحم حيث الوجوه المتعبة وعبق التاريخ، يجول القس والفتاة وهما يتحدثان بكل بساطة ويعبرّان عما في نفوسهما، الفتاة تعرّف نفسها باسم سما الشيبي؛ عراقية الجذور من طرف الأب وفلسطينية الجذور من حيث الأم وأمريكية الجنسية ومسلمة الديانة، والقس يعرّف نفسه باسم ماثيو من جنوب إفريقيا، وعانى من الفصل العنصري والاستعباد كمواطنيه في بلاده.

تنقلنا الكاميرا حيث ينظر الزوار في كنيسة المهد إلى صندوق ذي غطاء زجاجي يحمل آثار الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية ومن بينها بيت لحم، وبين مشاهد المستوطنات والحواجز التي يشاهدها القس والفتاة، فالكنيسة التي التجأ إليها الناس لم تسلم من الحصار والقتل والقصف والتدمير، وفي الصندوق آثار تركت نفسها وبقايا قذائف ورصاص لم يرحم الكنيسة ولا المواطنين أمام أنظار العالم الذي بقي صامتاً مغمضاً عينيه عن الهمجية وامتهان أقدس مقدّسات المسيحيين في العالم ومهد رسول السلام.

القس ماثيو يسود وجهه الألم، فتنبثق الكلمات من بين شفتيه: “الفصل العنصري لا يهدف إلى الفصل بين فئتين فقط، بل يهدف إلى تدمير الإنسان أيضاً”. إنهم لم يرحموا الكنيسة والناس الذين التجأوا إليها، فلم تسلم الكنيسة من التدمير والتخريب واقتحام الجنود بيت الراهبات واستخدامسطحه لقنص من يرونه داخل الكنيسة من بشر، وها هي الآثار نراها بعيوننا وفي عيون من عاشوا التجربة المرة من قساوسة ورهبان، ويعقب الدكتور متري الراهب مدير مؤسسة دار الندوة الدولية: “أولئك الإسرائيليون يظنون أن الله منحهم الأرض، إن إسرائيل أصبحت كقطعة جبنة سويسرية، وتدفع الفلسطينيين إلى داخل ثقوب الجبنة”.

الكاميرا تتنقل من بين هذه الكلمات والأحاسيس إلى صور المستوطنات التي تلتهم الأرض والجدار الذي يتلوى كأفعى ضخمة تلتهم الأرض وتقطع أوصال المواطنين، وإلى صور حواجز الاحتلال الإذلالية التي تتفنن بإذلال المواطن الفلسطيني والتنغيص عليه من أجل هدف واحد هو تهجير المواطن وإبعاده عن أرضه.

في الخليل وبين الحواجز المكثفة التي تنغص حياة المواطن، وتحت أشباك معدنية ممتلئة بقاذورات المستوطنين التي يلقونها على منازل المواطنين الفلسطينيين، وضعت هذه الأشباك بدلاً من إبعاد هؤلاء الغزاة عن هذا التداخل في حياة المواطن وبيوته ومحلاته، المواطن الذي يرفض أن يغادر بيته رغم كل الضغوطات وعمليات الاعتقال والإساءة والقتل أيضاً، فالخليل أنموذج غريب من عمليات الاستيطان الإسرائيلية التي تنتشر بين البيوت وأنفاس الناس، والتحرك من حارة إلى حارة، أو حتى الذهاب للصلاة في الحرم الإبراهيمي الشريف، تدفع المواطن للمرور بين حواجز وبوابات وكأنها تقف حدوداً بين دول. في هذه الأجواء تتنقل بنا وفاء جميل بكاميرتها الجميلة ذات العين الحساسة لالتقاط الألم، وهي تلتقط ردود الفعل عند القس ماثيو ورفيقة رحلته سما التي جاءت تبحث عن جذور نصف أجدادها المنغرسة في هذا الوطن المعذب، ردود فعل ترسمها النظرات وملامح تنغرس بحدة في الوجوه أمام كل مشاهدة وحدث، وتبرز ردة فعل كبيرة لدى القس حين يرى مفاتيح البيوت التي طرد منها أصحابها واستولى عليها الاحتلال ليقيم عليها أكبر مشروع ظلم في العالم أصبح يعرف باسم “دولة إسرائيل”، فيعقب القس قائلاً:”إن والدتي احتفظت بمفتاح بيتها في كيب تاون عشرة سنوات حتى عادت إلى بيتها الذي طردت منه، لقد آن الأوان ليستخدم الفلسطينيون مفاتيحهم أيضاً”.

وفي رام الله يقف القس على قبر الرئيس الشهيد عرفات ويخاطبه: “لم نتمكن من الوصول إليك وزيارتك ومشاركتك في الحصار، وها نحن نزورك في قبرك وبلدك ما زال في الحصار”. ويستدير يتحدث وكأنه يخاطب الشعب الفلسطيني: “نحن معكم لإيجاد أمل جديد، وهنا فقط عرفنا معنى الأرض وارتباطها بالفلسطيني، وإن هذه الأرض للفلسطينيين.. إن أبشع ما رأيته هنا هو هذا الجدار”. وتقفز بنا الكاميرا فوراً إلى مشهد نصف قمر ينير في السماء ينتظر اليوم الذي يضيء فيه نصفه الآخر.

سما الشيبي التي بقيت ترافق القس في كلّ جولته والقادمة لتبحث عن الجذور، تنتقل إلى قرية بدرس غرب رام الله حيث سكن جدها لأمها بعدما طردوا من قراهم بعد مجازر دير ياسين، فتسأل المواطنين عن أسماء أقرباء لها فتعثر عليهم، تلتقي بالجذور فتبكي فرحاً، ولا تتمالك نفسها حين تلتقي مع أحد أبناء عمومة والدتها، فيحدثونها عن جدها والجذور، فتصرخ من بين الدموع المتساقطة من عيونها: “الآن شعرت ما هو معنى أن أكون فلسطينية وأن أرتبط بجذوري وهويتي في فلسطين”. ويهمس ماثيو قائلاً: “أنا مسيحي ومن جنوب إفريقيا ولكني إنسان ومرتبط بالشعب الفلسطيني”.

تنهي وفاء فيلمها الناطق باللغة الإنجليزية، حسبما هي لغة المتحدثين، بمشهد طفل يركض خلف الطيور، ومشاهد من الريف الفلسطيني المهمل والمدمر والصامد، صور لوجوه مواطنين يتشبثون بوطنهم، وكلمات أغنية تقول: “نريد العدالة”.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

شارك
المقال السابقإليه مع التحية والإحترام
المقال التالىمحاور التصنيف والتحوير
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد