ٍالى أين يا تونس ؟


 

لاشك أن تونس اليوم تقف في مفترق الطرق , بعد مرور سبع سنوات من “الثورة ” لم يستقر الوضع على حال , وشهدت البلاد تقلبات مختلفة في شتى المجالات السياسية والٍاقتصادية والٍاجتماعية وحتى الأمنية , دون أن تعرف حد الآن طريقها ٍالى بر الأمان والٍاستقرار .
ولئن تغيرت الأوضاع سياسيا في تونس , فٍانها تشهد أزمة ٍاقتصادية خطيرة , قد تقود البلاد ٍالى حالة من الٍافلاس وتلتحق بالسيناريو اليوناني . وليس بخاف أن أغلب الحكومات المتعاقبة بعد 14 جانفي 2011 , فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الوضع الٍاقتصادي الذي يزداد تأزما يوما بعد أخر , مما أثر على تراجع المقدرة الشرائية للمواطن , وبات أغلب الشعب التونسي في حرب لا تتوقف مع الأسعار الملتهبة والفقر والبطالة المتزايدة . وبدأت الحياة تضيق بأهلها وخاصة في المناطق الداخلية الأكثر عزلة , ولاسيما مع دخول قانون المالية لسنة 2018 حيزالتنفيذ , حيث ساهم في تفجير الوضع خلال هذا الشهر الجاري (جانفي) بٍاندلاع تحركات احتجاجية في العديد من المناطق والجهات ,منددة بغلاء المعيشة وبٍارتفاع أسعار المواد الأساسية , واتخذت طابعا عنيفا , تمثل في أعمال شغب ونهب ليلية استهدفت مقرات المؤسسات العمومية ومراكز الأمن . فمن المسؤول عن هذا الغضب والاحتقان الشعبي التي تشهده البلاد ؟ من يتحمل مسؤولية الأزمة الٍاقتصادية الخانقة وتداعياتها الخطيرة على المجتمع ؟ وهل ستعصف هذه الأزمة بالمشهد السياسي الحالي ؟ وٍالى أين ستذهب بتونس في الفترة القادمة , خاصة وأن أغلب التونسيين قد انفضوا من حول الطبقة السياسية الحالية ؟
الثابت اليوم , أن كل المؤشرات الٍاقتصادية والٍاجتماعية لاتبعث على الٍارتياح والتفاؤل , بل تحذر من أننا نتجه ٍالى نفق مظلم , فلا الممسكون بالسلطة قادرون على تغيير المشهد التونسي من الٍافلاس في ٍادارة الدولة , ولا المعارضة قوية لها مشروع بديل , ولا شعب مستعد لسياسة التقشف التي دفعت البعض منه الى الخروج والتظاهر للتعبير عن غضبه . فكل المعطيات الٍاقتصادية تشير الى أننا مقبلون على سنين صعبة , بسبب فشل كل الحكومات المتعاقبة في رسم خيارات وسياسات ٍاقتصادية وتنموية واضحة على القطاع , بل أكتفت في كل مرة بسياسة “المسكنات ” أو بالحلول “الترقيعية ” لمواجهة واخفات شعلة الاحتجاجات والٍاضرابات القطاعية , من خلال بعض الٍاجراءات أدت الى ٍانهاك أغلب المؤسسات الٍاقتصادية والقطاعات الحيوية الٍاستراتيجية . فغاب عنها الٍاستشراف والتخطيط , الأمر الذي أدى الى تفاقم عجز موازنة الدولة وارتفاع المديونية وتراجع العملة الصعبة بصفة غير مسبوقة . وبالتالي تضرر الوضع الٍاقتصادي وبات يتراوح بين الٍانكماش ضعف النمو وسلبيته ,وارتفاع التضخم وتدهور قيمة الدينار التونسي وتراجع الاستثمار وتدني المردودية في مختلف القطاعات .
ولعل ذلك يبين أن تلك السياسات الٍاقتصادية التي تبنتها السلطة الحاكمة , كانت خاطئة ودفع ضريبتها الشعب التونسي , الذي أصبح يعاني من زيادة الضرائب وارتفاع الأسعار وغلاء فاحش للمعيشة , فتلاشت الطبقة الوسطى وأكتوى الفقراء , وازداد الفقر والبؤس في تونس . هذا ما يفسرصرخات وغضب الشعب التونسي تجاه الحكومة الحالية وتظاهر المطحونين منه , لكن المقلق هو احتجاجات الصغار والشباب التي تعصف بالبلاد هذه الأيام , والذين قد يكونوا وقودا وقنبلة موقوتة , قد يقع استعمالها من طرف أيادي خفية داخلية أو خارجية لضرب استقرار تونس , ومن ثم يكون رد فعلهم هؤلاء قويا وخاصة في المناطق المهمشة والفقيرة !! .
ولا محالة يخطئ من يتصور أو يظن أن هذه التحركات الاحتجاجية , التي نشهدها في هذه الفترة , نتيجة قانون المالية بل هي بسبب تراكمات سبع سنوات عجاف عرفتها البلاد , ولم يجن منها التونسيون الا تدهور المقدرة الشرائية وتهميش اجتماعي وغياب العدالة الاجتماعية التي من المفروض يتأسس عليها كل نظام ديمقراطي !
لهذا فٍان المسار السياسي الديمقراطي الذي تتشدق به الأحزاب الحاكمة اليوم , قد يكون مهددا لأنه لا يغني ولا يسمن من جوع أمام قفة المواطن الخاوية , وجيوب فارغة بين مطرقة الأسعار وسندان الحاجات المتأكدة والمعيشية . فهو لا يعني له شيء في ظل تواصل عجزه عن توفير لقمة العيش الكريم . وبالتالي فٍان نجاح العملية السياسية الديمقراطية يبقى رهين نجاح اقتصادي . وطالما السلطة الحاكمة لم يتبوئ الٍاقتصاد ضمن أولوياتها , من خلال برامج مدروسة واجراءات اصلاحية هيكلية تقوم على سياسات منتجة , فٍان الوضع سيزداد سوءا, وستكون المعادلة صعبة بالنسبة لها اذا تواصل فشل مساعي الحكومة الحالية في انقاذ البلاد من افلاس محدق , ولاقدر الله سيتعفن الوضع وينفجر في وجه الجميع بعد أن سئم التونسي من شعارات وخطابات أصبحت للضحك على الذقون وغايتها الانتخابات المقبلة , ومن الصراع المتفاقم بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة الذي يبدو زكم الأنوف !! فتونس باتت مهددة لا فقط من المخاطر الأمنية بسبب التهديدات الارهابية , وٍانما من الصراع المستشري على الحكم , قد تؤدي الى أمور لا تحمد عقباها ! الى أين تتجه تونس في ظل حالة عدم اليقين بشأن مصير البلاد ؟؟؟ حفظ الله وطننا العزيز من كل مكروه .

لا تعليقات

اترك رد