التحولات التي طرأت على الشعر العباسي


 

طرأت على الشعر في العصر العباسي تطورات جمى بسبب تغير بنى الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسة والادبية، وتاثر الأدباء والشعراء بمتغيرلت كثيرة تمثلت في :
1ً- في بناء القصيدة :
لم يلتزم العباسيون التزاماً كاملاً تهج القصيدة العربية التي رسم أسسها الجاهليون ، وكان بعضهم قد حاول ترسم خطا الجاهليين في الوقوف على الأطلال ووصفوا قصور بغدادٍ، ووصفوا الخلفاء بالصفات التي تتلاءم مع البداوة وقد أعرض بعض الشعراء عن ذلك، ونددوا بطريقة الوقوف على الأطلال كما قال أبو النواس:
عاج الشقي على رسمٍ يسائله
وعجت أسأل عن خمارة البلد

ولكن شاعراً كأبي تمام والبحتري وابن المعتز حاولوا تغيير مطالع قصائدهم ، فهذا أبو تمام صنع لقصيدته في مدح المعتصم مقدمة في وصف الطبيعة فقال:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر
وغد الثرى في حلية يتكسَّر

يا صاحبيَّ تقصّيا نظريكما
تريا وجوه الأرض كيف تصوَّر

تريا نهاراً مشمسا قد شابه
وجه الضحى فكأنما هو فقصر

كما وبدأ قصيدته في فتح عمورية بالحكمة:
السيف أصدقُ أبناءً من الكتب
في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللّعب

وهذا ابن المعتز يخاطب الخليفة المعتضد الذي نفاه وأبعده عن مجالسه قائلاً:
أتسمع ما قال الحمام السواجع وصائح بين في ذرا الأيك واقع
منعنا سلاما وهو محلل سوى لمحات أو تشير الأصابع
أما المتنبي فقد سلك في بناء قصائده مسلكا مغايرا بحيث جعل لكل قصيدة مطلعا يتناسب مع مضمون القصيدة كقوله :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم

وقوله :
إذا كان مدحا فالنسيب المقدم
أكل فصيحا قال شعرا مقيم

2-الزخارف اللفظية والمحسنات البديعية :
نظرا لتغير مظاهر الحياة العباسية عن سابقتها وازدياد الاهتمام بالشكل عند الإنسان أكثر من المضمون ، فقد انعكس ذلك الشعر فأخذ الشعراء يهتمون بشكل الشعر لديهم أكثر من المضمون ، ونشأ فن البديع القائم على المحسنات والزخارف اللفظية والمعنوية كالجناس والطباق والمقابلة والإرصاد وتحول الشعر من مطبوع إلى مصنوع .كما عند أبي تمام في قوله :
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
وقد تحول الاهتمام بالزخارف اللفظية والمحسنات البديعية من كونها وسيلة إلى كونها غاية وأصبحت في العصور التالية عبئا ثقيلا على الشعر العربي .
3-الأوزان والقوافي :
لم يتجاوز شعراء العصر الجاهلي والإسلام والأموي الأوزان الخليلية ، لكن شعراء العصر العباسي بسبب انتشار الموسيقى والغناء حاولوا أولا أن يجددوا أوزان البحور الست عشرة ، واضافوا لها وزنا ،وأضافوا أوزان جديدة لها ( المواليا )
وكان أبو العتاهية يقول : أنا أكبر من الوزن الخليل ونوع الشعراء بالقوافي فظهرت أوزان
كالمزدوج – المسمطات – المربعة – المخمسة
واهتم الشعراء بالأوزان المجزوءة التي تتناسب مع الغناء والموسيقا . يقول بشار بن برد :
ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
وقوله :
سلاف دن كشمس دجن
كدمع جفن كخمر عدن
4-التصوير الفني :
لم يرتض العباسيون الطريقة العربية الجاهلية والإسلامية القائمة على الإيضاح والاقتراب من الحقيقية ، وملاحظة التناسب في وجه الشبه بين المشبه و المشبه به والحرص على الدقة في الوصف في التصوير الفني في شعرهم ، بل حالوا أن ينهجوا نهجاً جديداً في هذا التصوير كما صنع بشار حينما حاول أن يجعل العلاقة مضطربة بين المشبه والمشبه به، وأن يمازح بين الحواس( نظرية تراسل الحواس) و يعتمد الإبهام كأن يشبّه (المسموع بالمنظور) و(المنظور بالمذاق) يقول بشار في وصف جارية:
حوراء إن نظرت إليك
سقتك بالعينين خمرا

وكأن رجع حديثها
قطع الرياض كيسين زهرا

فكأنّ الحديث المختص بحاسة السمع مشبّه بقطع الرياض الخاصة بحاسة النظر، وقد بلغ التصوير الفني منتهى الابداع الذي غدا ركناً أساسياً عند أبي تمام في تجديده حيث اختفت الصور المستوحاة من البادية واعتمدت الصور المستوحاة من حياة الترف. يقول ابن المعتز واصفاً الهلال:
انظر إلى حسن هلالٍ بدا
يهتك من أنواره الحندسا

كمنجلٍ قد صيغ من فضة
يحصد من زهر الربا نرجسا

5-في المعاني الشعرية:
كما أن العباسيين لم يقبلوا بشكل القصيدة الجاهلية ، كذلك رفضوا معانيهم، وحاولوا تجديدها وقد أسرهم في تغيير المعاني ثلاثةِ أشياء:
أ ـ قضية الفكر الإسلامي الذي تمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية وما فتحه هذان الكتابان من آفاق جديدة للعقل في ذلك كمناقشة وسائل الكون والحياة والعقل والخالق والمخلوق والروح والجسد، وما نتج عن ذلك من علمٍ سمّي في ما بعد بعلم الكلام الذي تبناه أصحاب المذاهب بالإضافة إلى المعتزلة.
ب- الثقافة الفلسفية:التي ترجمت من كتب الأمم التي مازجها العرب المسلمون والتي تمحورت حول ديانات تلك الشعوب كالمانوية والمزدكية والزردشتية وأثر ذلك على بعض الشعراء كما حصل مع المعري حينما حرّم على نفسه أكل اللحوم.
جـ- تغيرات الحياة الجديدة :التي فرضت نفسها من خلال امتزاج الحضارات الأخرى وحياة الشعوب الأخرى وما ابتدعه المفكرون من طرائق جديدة للفكر ، فقد نقل العرب حكمه الفرس ووصاياهم وآدابهم وأساليبهم في الحياة السياسية والصداقة والمشورة . قال بشار:
إذا بلغ الرأيُ المشورة فاستعن
برأي نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليل غضاضة
فريشُ الخوافي قوةٌ للقوادمَ

ونقل العرب أيضاً حكمة الهند وعلومها في الحساب والفلك والطبيعة ، فقد زعم علماء الهند أن الشيء إذا أفرط في البروده عاد حاراً، وقد أخذ هذا المعنى أبو نواس، فقال :
قل لزهير إذا حدا وشدا
أقللت أو أكثرت فأنت مهذارُ

سخنت من شدة البرودة حتى
صرت عندي كأنك النارُ

ويقول المعري:
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالماً              ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائح
ونقل العرب الثقافة اليونانية وفلسفتها المعتمدة على المنطق والأقيسة والأدلة واستخدام الشعراء مصطلحات فلسفية، كفكرة الجوهر، والكل والتعليل والتضاد يقول أبو العتاهية في سكون الحركة:
يا عليُّ بن ثابت بان مني
صاحبٌ حلَّ فقده يوم بنتا

قد لعمري لي غصص الموت
وحرَّكتني لها وسكنتا

ويقول أبو نواس في فكرة الجزء الذي لا ينفكك :
يا عاقد القلب مني
هلا تذكرت حلا

تركت مني قليلاً
من القليل أقلاّ

يكاد لا يتجزّأ
أقلّ في اللفظ من لا

ويقول أبو تمام في التضاد فصوّر جمال إحدى صواحبه :
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي
نوراً وتسرب في الضياء فيظلم

وهكذا فان النغيرات التي طرات على الشعر العباسي قادته الى رؤى جديدة ومعاني جديدة .

لا تعليقات

اترك رد