دفاعا عن الإيمان ! – ج 2

 

فالإنسان العربي ليس محكوما أن يعيش أبد الدهر بين الحفر وعلى هامش الحضارات المتقدمة، هناك العديد من العوامل المتحكمة في نموه والمؤثرة في تطوره الفكري والروحي كالبيئة الإجتماعية كما يفسرها علماء الإجتماع وكدا العوامل المادية والطبقية.

لكن هذا لا يمنع من الاعتقاد بأن الإنسان يمكنه بشكل من الأشكال أن يكون من صنع نفسه أي أن يكون شريكا في بناء ذاته، فعلا الإنسان وليد بيئته ومجتمعه وهو يخضع أيضا لتأثير ظروف حياته المعيشية لكن الإنسان الطموح يمكن أن يغير ملامح صوره من الضعف إلى القوة بقدر نضج إرادته ووعيه الذاتي وقوة فكره الواعي.

فالإنسان بالقوة الفاعلة يستطيع أن يرتفع إلى حدود العلة المستقلة عن القوانين المادية ويصل مرحلة استثمار الطبيعة والتاريخ والمجتمع ويكون مدبر الدنيا المادية أي صاحب السيادة على المشاكل المادية وبهذا الشكل فهو يتجه نحو نيل الحرية الكاملة ويتحقق الجانب الإيماني والروحي.

هذا الفهم هو الذي يجب أن يسود داخل مجتمعاتنا، يجب أن تتوفر قدرة الإنسان والمثقف خصوصا في التخلص من الحتميات التي يعيشها التاريخية والإجتماعية والإيديولوجية، وبذلك فإمكان أي مثقف الانضمام إلى كوكبة التغيير. وهذا التفسير هو ما يدفع الفرد بعدم التسليم حينما يسيطر نظام غير عادل على المجتمع أو يسيطر فكر عسكري أو شمولي أو إمبريالية جديدة على المجتمع.

فبناء الذات يجب أن يكون له معنى وهدف لذا يجب تحديد الأهداف المتوخاة، فالإنسان العربي بحاجة إلى بناء جديد للذات والهوية والتصورات إذن نحن بحاجة إلى فكر وإيديولوجية جديدة تتماشى وتطلعاتنا وثقافتنا وواقعنا وماضينا. فالذات العربية مغتربة إلى حد كبير فقد سجنها مثقفوا التقليد وجعلوها أسيرة نماذج حددت مسبقا وبمقاسات مختلفة، فتقبلها مثقفونا دون عناء ودون ابتكار.

المشكل الثاني الذي يعاني منه معظم الحداثيون أنهم يعيشون في كذب متواصل ويشعرون دوما بأنهم تخلصوا من الموروث القديم دون أن يعوا أنهم انتقلوا من نوع من الاغتراب إلى نوع آخر. فأول شيء يجب فعله هو كشف هته الذات ودراستها والعودة إلى القيم والأخلاق الإنسانية التي كانت عندنا وسلبت منا وهو أول درس لمعرفة حقيقة الذات الآن.

وإنسان الغد يجب أن يتجرد من كل إملاءات الغرب والإستعمار العسكري والثقافي، وأن يتحرر من كل السجون الفكرية التي بناها حوله وجعلته أسير الآخر. آنذاك نستطيع أن نكتشف عوامل الإخفاق التي أدت إلى انكسار المثاليات الكبرى واندثار عوامل العطاء والإنتاج.

فكل مفكر يجب أن يتخلص من كل السجون الذهنية والمادية ويؤسس لايديولوجيا جديدة على أساس مسيرة التاريخ والمجتمع العربي المعاصر والحركة الكلية للثقافة العربية الإسلامية من أجل بلورة فكر آخر يقوم مقام ما نعيشه من عبث فكري وإيديولوجي. وبهذه النظرة يمكن أن نتصور مدى جديتنا وهل نحن على الطريق الصحيح، وهل اخترنا فعلا الطريق الصائب أم اختير لنا كالعادة. يجب أن نكتشف أي الطرق استقامة لنتميز على المسارات التي سرنا فيها لقرون ولم نجني شيئا سوى الهزائم والنكسات، ربما سيكون طريقا عظيما بعيدا عن الأزقة الضيقة والمظلمة التي نسير فيها.

إن إشراقة الإيمان الصادق ونظرتنا المتزنة يجب أن تعتمد على أسس فكرية وأخلاقية صلبة من قيمنا وديننا وهاته الخطوة بحاجة إلى جرأة فكرية إصلاحية وثورة جوهرية في الفكر السائد وتغيير لكل أنماط التصورات والقوالب الذهنية وأبعادها العاطفية.

وهذه هي مأساة العرب الكبرى في عدم فهم الدين والانصياع وراء الآخر، أدى إلى تشتتنا وصرنا نعيش صراعا بين الحاضر والماضي وضاع المستقبل بين رفوف السياسة والخيانة ومصالح ضيقة وتآمرات…. تلك كانت الخديعة الكبرى التي لا زلنا نعيشها ونؤمن بها للأسف ويتم تسويقها إعلاميا وسياسيا.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    مقال رصين عزيزي عبدالله العبادي ماأحوجنا إلى التسلح بموروثاتنا الدينية والثقافية والأخلاقية دون إنكفاء على الذات ودوغمائية صماء إنما لابد من الإنفتاح على مخرجات الحضارة الإنسانية التي نحن جزء أصيل منها

اترك رد