يحكون في رحيلك .. الفنان ابو بكر سالم

 

(يحكون) في رحيلك الديسمبري رحل الوطن فقدنا الوطن (يحكون) في رحيلك الباقي في عيون الوطن مع كل قطرة ماء ورعشة شجر ونسمات فجر.. مع حرقة دموع الصغار والكبار حين رثائك (الزعيمي) في النهاية الخاسرة الكاذبة لجماهيرك الغفيرة في كل أنحاء المكان الحزين لفراقك الذين يرقصون لرحيلك حزنا كالطير المذبوح! في رحيلك يهللون نشوة حزن عليك إنه رحيل الفنان أبوبكر سالم تحت سماء يكسوها البارود المتفحم بأجساد الأبرياء
من (تريم)الحب إلى عدن الجمال إلى (حضرموت) الحنين إلى (قاهرة) الفن إلى (بيروت) سحر الثقافات إلى (السعودية) الإقامة والسفر والترحال بصوت لا يعرف له حدود ولا مكان صوت مرتحل في (شواطئ عدن) حيث قهوة البن وعسل (دوعن).صوت من منازل طينية بألوانها الزاهية البسيطة بالعمق والدلالات العمرانية التي تميزت بها تريم الحب صوت من سعف النخيل الطويل وهن يرتلن صلاة السماء مع مئذنة جامع (المحضار) التأريخي.
تريم المعلم الأول تحت أسقف غابات النخيل وصومعة التصوف والتعبد الفني مع دفء المنازل الطينية الشبيهة برحم الأم في حالة (الإخصاب) و (التلقيح)
يا أول مشروع لحني يمسح الغبار من فوق الأنامل (ياورد محلى جمالك) لينجب قرينةلها (لما ألاقي الحبيب) إلى الخوف من العقاب الرباني شعور متعبد ومتصوف في بيئة العلم التي اشتهرت بها العائلة (خاف ربك) للمعادلة والمداعبة الحزينة للعودة إلى الجو الجميل (يا حبيبي يا خفيف الروح) والتلعثم بداية حب متقلب ومتشظًّ بالبيئة القابعة تحت عباءة الجهل والتخلف الذي لم نستطع التحرر منه
والمحب أول خطوة يقع فيها بسبب معاناة الحب وحرقته- هي السهر (سهرت ليلي طويل) و (يا سهران) ومن السهر الطويل الذي لا يحصى ولا يعد بالأرقام التي تعتبر عمودا أساسيا
والحياة من غير الأرقام مستحيلة التعامل والأصح التعايش مع المجتمع (24 ساعة) ولتحل محل الترقب والتحسب.
والتحيل والأخذ بقلب الحبيب ودفع رشوة
مشروعة في دين من نحب (من نظرتك يا زين)
حالة انسجام وهي تجربة ناجحة ومميزة على الصعيد المحلي والعربي أدبا وفنا، وهي الروح الثانية للفنان والانسجام الروحي الفني والجسدي مع المحضار وسالم، والمحضار الذي رحل مبكرا في عام 2000م ورغم ذلك كان الانسجام مثمرا حيث ظهرت أعمال خالدة في وجدان المواطن العربي المغترب الحزين (باشل حبك معي) الذي يمثل الزاد والغذاء ويمثل أيضا بطاقة عبور في الدوريات والمطارات والحدود الإقليمية والجغرافية البحرية والجوية ليسافر به في كل مكان على هذه الأرض ويطير مسرعا متقلدا الخفة والرشاقة (كما الريشة) محلقا عاليا في سماء واسعة ليتعب من التحليق وليحط من رحلته الطويلة إلى الأرض ذات الجاذبية القوية المعتادة للجميع.. فهي المستقر الحقيقي والبقاء فيها يحتاج إلى التكاثر بالحب والسلام حتى يقوم بالزرع والحرث (يا زارعين العنب) و (عنب في غصونة) والعنب اليمني بأنواعه المتعددة كله جميل المذاق واللون والشكل وقد ضرب به المثل: “لا طلنا بلح الشام ولا عنب اليمن” وللمكوث في الأرض لابد من تعايش وتقارب حتى لا تضمر المودة ولهذا لابد من زيارة الأحباب والمقربين من القلب ولابد أيضا لنا من شيء أو آلة سريعة حتى تقوم بنقلنا إلى دار الحبيب أو مكان الحبيب البعيد القريب للنفس وهي آلة (شلنا يا بو جناحين) وقد تتوه هذه الآلة ولا تقوم بأداء وظيفتها الصحيحة ليتساءل (أنت وينك) أيها الحبيب الضائع الذي مازال بعيدا ولكن كيف نصل إليه ومن يدلنا عليه وليس لنا إلا أن نهتدي بالنجوم والكواكب كما في القدم (الكوكب الساري) وعندما تتعقد عليه الأمور والأشكال والأشياء فليس للمرء إلا الخلو إلى نفسه أو الدخول إلى ذاته والإصغاء إلى ما تبوح به نفسه (يا ويح نفسي) ومع التجارب مع الحياة والفن يقوم بتصنيف الناس بمواقفهم وتعاونهم (الناس معادن) .
“دون ياقلم دون” بالخط العريض متجاوزا “الخطوط الحمر.. أنا يا قلم.. أنا هايم.. حذاري من كلام الناس “.
رحلت في وضع كرهنا فيه الرحيل في عقد من الزمن تقيأنا فيه الغياب بلمسة الذكريات التي تشاكس أدراج الذاكرة بالنوتات (ما علينا يا حبيبي ما علينا..) في زمن يلحق الزمن الجميل رحلت بعيدا عن (تريم) الحب والصفاء (مغردا بوادي الدور) تاركا خلفه (أمي اليمن) و (عمدة الجلاس) غزاك الرحيل ولم (يغزيك الشيب) سافرت بعيدا وكنت أنت (المسافر) سافر صوت عملاق الحس و (سر حبي فيك غامض) الذي يبحث عنك في قرن الحروب التي خسرت الإنسانية وكسبت الدمار والتشريد أنت غيمة صافية ذات مساء “رنين الوتر” زمن لا يتغير وإنما البشر.
(عادك الا صغير) حتى ذهبت يا صاحب الكاريزما المتميزة والصوت حيث مدارج القرار والجواب والمسافات البعيدة التي لا تلتقي “قل لي أمتى أشوفك.. ” يا “مشغل التفكير..” في رحيلك “طوينا صفحة الماضي..” وطويتها أنت في رحيلك (يحكون) حتى نحتفل برحيلك وأنت (احتفل بالجرح ) في غيابك السرمدي الذي يتشح بالسهر الغريب عنه النهار عقيم الوطن (أقول له ايه) بعد الغياب هل أخيط جرحي حينما يعود أم أسفح من مدامعي حبر الوداع بعد الفراغ الشاسع والمتسع بعدك “ويا ضياع الحب وانته يا ضياعك” رحلت يا صوت حنجرة البحر وهسهسة سعف النخيل ويا دفء التراب والماء والبيت التريمي رحلت يا حنجرة الصحارى والبوادي وطنين منازل تريم وحضرموت.
لقد تساءلنا في أرواحنا إلى أين أنت ذاهب أبو بكر الفن وقد قلت لنا مبكرا (حجة الغايب معه) فمن سار معك يا ترى ولمن تركتنا حتى نضمحل بعد صوتك حزنا على فراقك المؤلم في عام الحزن والضياع والحروب اللعينة المتيهودة بشرب الدماء وأكل لحوم البشر قبل الطهي.

التعينات:
فنان القرن المولد والغياب (1939 /17/3- 2017/12/10)م.
أفضل صوت في العالم عام 1978م في أغنيته الشهيرة (أقول له أيه).
أحيا حفلة في المسرح العالمي (ألبرت هول ) عام 1983م حيث شدا بأغنية (ماعلينا) و (عادك الا صغير) وغيرههما.
تدهورت صحته حيث عمل عملية القلب المفتوح فقد كان آخر ظهور له في اليوم الوطني السعودي في المملكة العربية السعودية عام 2017م قبل الرحيل بشهور..
حصل على عدة جوائز ودروع وشهادات فخرية عربية وغربية ونال عدة جنسيات عربية ولكنه كان يفتخر بوطنيته اليمنية التي لم يحضر أي حفل إلا باسم اليمن فهي أمه والحبيبة والصديقة في زمن بلا وطن.

لا تعليقات

اترك رد