السماء تغلق الأبواب


 

تشعر زينب بالاختناق، كأنها تتسلق جبلًا شاهقًا، تتلاحق ضربات قلبها المنهك كعصفور ينتفض تحت المطر، تتحسس صدرها الموجوع بيد وتمسح بالأخرى قطرات عرق بدأت تساقط من جبينها.
تستجمع كل قواها كي تخلع عباءتها السوداء، يرتفع معها جلباب البيت الذي ترتديه تحتها، تظهر سيقانها النحيلة المجهدة، تحاول أن تمسك بالعباءة السوداء فقط، بعزم مبتور تستخلص رأسها من الجلباب، تهوي على الأرض قرب باب شرفتها الموصود، بالكاد تفتحه بقدميها على مصراعيه لتستطع التنفس.
تسمع ابنتها سماح صوت ارتطام مصراعي الباب بالجدران، تهرع إليها وهي تجفف دموعها وتحاول ستر جسدها العاري بلملمة الثياب الممزقة، تجد والدتها ملقاة على الأرض وصوت النحيب المكبوت داخل صدرها يكاد ينفجر، لم تكن قادرة على فتح عينيها أو رفع صوتها باستغاثة ولو ضعيفة، كي يسعفها أحد بأدوية لعلاج السكر والقلب، فأشارت إلى قلبها.
أسرعت سماح بإحضار كوب من الماء ثم رفعت أمها قليلًا لتتكئ على صدرها وتضع في فمها حبة دواء لعلاج مرض السكر وتساعدها كي تشرب الماء ثم تضع قرصًا آخر تحت لسانها لعلاج القلب.
تلقي سماح برأسها على جبين أمها وهي تحتضنها وتمسح بيدها على جسدها المبلل بالعرق بكل حنان ورفق ثم تجهش بالبكاء.
كم كانت عصيبة تلك الساعات التي مرت على زينب، إنها المرة الأولى التي يتطاول محمود عليها، كم أخفت مصائبه وفضائحه عن أخيه ربيع حتى لا يعنفه أو يضربه، فهو حاد الطباع عنيف.
تتذكر شقاءها وكفاحها على أبنائها منذ توفي زوجها، تفرُّغها لتربية الثلاثة، ولأن معاش زوجها ضئيل لا يفي بكل احتياجاتهم، اضطرت أن تخرج لتبحث عن عمل، حتى نجحت في الالتحاق بمصنع قريب من قريتها لحلج الأقطان، تقضي فيه ثماني ساعات يوميًّا ثم بعد أن تعد الطعام تنحني على ماكينة الخياطة لعدة ساعات في الليل علها تصمد أمام مصروفاتهم وتدفعهم ليستمروا في تفوقهم الدراسي، ظلت هكذا حتى تخرج ربيع ابنها الأكبر في كلية الهندسة، وبتلك الشهادة استطاع ربيع أن يلتحق بوظيفة مرموقة في الخليج فرفع عن كاهلها كثيرًا من العناء والتعب وساعدها في نفقات تعليم سماح الابنة الوسطى حتى تخرجت في كلية الطب، أما محمود أصغر أبنائها فبرغم ذكائه الحاد فإنه فشل في الحصول على مجموع يؤهله لدخول كلية من كليات القمه مثل إخوته، التحق بمعهد فوق المتوسط، أخفق فيه، لكنه نجح في التعرف على أسوأ طلابه، دفعوه إلى الضياع فتعاطى الحبوب المخدرة وتدخين المخدرات حتى أدمنها واستنفد عدد مرات الرسوب في أول سنة دراسية له فتم طرده من المعهد.
كان محمود يقضي أيامًا خارج البيت ولا يعود إلّا ليحصل على المال من أمه كي يشتري المخدرات التي تمادى في تعاطيها تدريجيًّا حتى وصل إلى الهيروين وأدمنه، بإدمانه الهيروين تغيرت كل طباعه وتصرفاته حتى كانت الطامة الكبرى، هذه المرة دخل على أخته يطلب منها راتبها الذي تقاضته منذ ساعات، وحين رفضت انهال عليها ضربًا وسبابًا، مزق ثيابها حتى تعرت، فأطلقت صرخاتها وهي تحاول أن تستر جسدها العاري، حاولت أمها أن تقف حائلًا بينهما وتسترها بجسدها، دفعها محمود بعيدًا وهددها أنه سيقتلهما إذا لم يحصل على المال الذي يريده، حطم كل شيء أمامه حتى وجد حقيبة أخته، حاول أن يستخرج النقود منها لكن زينب ألقت بجسدها كله على حقيبة ابنتها فقابلها بكتفه وألقى بها بعيدًا فارتطم وجهها بالحائط فانفجر الدم من فمها ثم انكفأت على وجهها بلا حراك!
ما إن رأى محمود كل هذه الدماء حتى تسمر في مكانه كأنه يسأل نفسه ما فعلت؟ كيف حدث كل هذا؟ لكنه سرعان ما مد يده داخل حقيبة يد سماح واستولى على المال الذي في الحقيبة ثم انطلق يعدو خارج البيت، وسماح تبكي وتحاول أن توقف الدم الذي يخرج من شفاه وأسنان أمها التي كانت فاقدة للوعي!
حاولت سماح إسعاف أمها، لكن قلبها كان منهكًا وضعيفًا، لم يتحمل الجرح الذي سببه محمود فلفظت زينب أنفاسها الأخيرة عند الفجر.
لم يكن جوار سماح غير جارتها صفية وزوجها الذي جهز كل شيء وأنهى مراسم الدفن، ورجعوا إلى البيت، لا يبدد الصمت الذي خيم على المكان غير صوت زفراتهم الحارقة، لا يرفع أحد رأسه عن الأرض، سحابة الحزن الثقيلة تحني رؤسهم وتمزق قلوبهم، حتى رفعت سماح رأسها تسأل زوج جارتها:
– عمي، هل أبلغت ربيع بوفاة أمي؟
هز رأسه ببطء شديد ثم قال:
– نعم يا ابنتي، وحتى يعود ستنام معك خالتك صفية وأخبريني بكل شيء تحتاجينه، ثم قام متجهًا إلى الباب مرددًا: “لا حول ولا قوة إلا بالله!”
لم ينم محمود منذ ذلك اليوم، ولم يستطع أن يحضر مراسم دفن أمه أو الاقتراب من البيت ليرى أخته. يومان كاملان قضاهما مع صديق له، يتعاطى فيهما الهيروين، كان إذا شعر بأن عقله بدأ ينتبه أو أن ضميره يستيقظ تعاطى جرعة جديدة لكي يصرف العذاب عن نفسه، حتى أتى على كل ما يحتفظ به من جرعات الهيروين، المخدر الذي أنفق في سبيله كل المال الذي اغتصبه من أخته!
ما إن جن الليل على محمود حتى بدأ جسده يطلب جرعة أخرى من الهيروين، فأشتعلت النيران داخله حتى كادت تلتهم جسده النحيف، حاول أن يجد شيئًا في جيبه أو مع صديقه فلم يجد.
بدأ يشعر برعشة تضرب كل أطرافه وأنه يفقد اتزانه تدريجيًّا، فتأكد أنه مع مرور الوقت لن يكون قادرًا على التحكم في جسده الذي بدأ يترنح يمينًا ويسارًا حتى سقط على الأرض، وارتطمت أسنانه وشفتيه بها، فتحسس فمه فإذا بسنتين من فكه العلوي قد تحطمتا والدم ينزف من فمه، تذكر أمه والدم الذي نزف منها ولطخ ثيابها، فأغمض عينيه لعل صورتها تختفي من أمامه، لكنها لا تتركه وتقترب منه أكثر حتى شعر بدمائها تسقط على خده، وهو منبطح على الأرض ثم تقترب منه أكثر فأكثر فاغرة فاها الملطخ بالدماء كأنها تريد أن تلتهم رأسه، ويرى أسنانها وقد تلونت بلون الدم، وتنبعث من فمها زفرات كالجمر تحرق وجهه فيشيح بعيدًا عنها واضعًا يديه على عينيه!
وإذا به فجأة يرفع رأسه ويحدق بعينيه في سقف الحجرة وكأنه شعر بشيء قد وخزه في مؤخرته.
مسح فمه براحة يده، وحاول مرات أن ينهض، وفي كل مرة يفشل في الوقوف على قدميه، أخذ يزحف حتى وصل إلى باب الشقة، واستجمع كل قواه حتى فتح الباب وكأن الحياة قد ردت إليه فخرج إلى الشارع وهو يشعر بالدوار أحيانًا وبالقوة أحيانًا أخرى حتى وصل إلى قبر أمه، الظلام يغطي المقابر كلها إلّا ضوء يبعثه القمر، جوار القبر مقعد من الطوب المغطى بالأسمنت يستريح عليه الزائرون ، ألقى جسده على ذلك المقعد، حاول أن يلتقط أنفاسه وهو يتفحص المكان شبرًا شبرًا، وجد على مقربة من باب القبر عددًا من الحقن المستخدمة في تعاطي المخدرات، انحنى يتفحصها جميعًا لعله يجد بعضًا من المخدر في واحدة منها وبالفعل وجد واحدة بها بعض من سائل مشوب بالحمرة هي حمرة دم من استعملها من قبل، التقطها وشمر عن ساعده بيده المرتعشة محاولًا أن يجد وريدًا يدفع بداخله هذا الشيء، بالكاد استطاع أن يجد وريده المتهالك فحقن نفسه بها، نزع الحقنة وألقى بها على الأرض، ثم أزاح بقدمه كل الحقن التي تراكمت بجوار قبر أمه، ما إن أزاح كل شيء حتى جلس على الأرض يتحسس الباب الحديدي للقبر، اجتهد حتى وجد المزلاج الذي يحكم باب القبر فوجده موصدًا بقفل كبير لتأمينه، حاول أن يجذبه لأسفل عله يستطيع فتحه لكنه فشل، أخذ يتحسس الأرض بكلتا يديه باحثًا عن أي حجارة ضخمة يستطيع بها أن يحطم هذا القفل، لم يعثر على شيء قط، تحامل على ذراعيه كي ينهض، سار وهو يترنح ناحية المدخل الرئيسي للمدافن، حيث المنطقة الصناعية تقع في الجهة المقابلة له، وكذلك ورش السيارات بمخلفاتها الصلبة، توجه إليها وهو يتلفت يمنة ويسرة كي يطمئن أن أحدًا لا يراه، بدأ يعبث في تلك الأكوام من المخلفات حتى وجد مطرقة على باب إحدى الورش فابتسم كأنه وجد كنزًا من ذهب، حملها عائدًا إلى قبر أمه.
وقف محمود أمام القبر بجسد مرتعد، تكاد تسقط كل أوصالة من شدة الرعشات التي حلت بكل جزء في جسده، يتصبب عرقًا ويشعر بأن جسده النحيل يكاد ينصهر من فرط ما أصابه من سخونة قد حولت جسده إلى قطعة من الجمر.
يحبس أنفاسة، يحملق في باب القبر طويلًا، يرفع رأسه إلى السماء برهة فيجدها حالكة السواد كأنها وجه جنيٍ عابس فلا يستطيع أن يطيل النظر إليها، يعود بنظره إلى القبر مرة أخرى، يتفحصه كأنه ينوي فعل شيء، لكنه لا يملك القدرة على البدء به فيطلب العون من السماء فيزداد وهنًا وخوفًا!
ظل على هذا النحو قليلًا حتى فقد الإحساس بيديه كأنهما تجمدتا وأصابهما الشلل فتسقط المطرقة من يديه على الأرض، يشعر في الوقت نفسه بأن قدميه أوهن من أن تنتصبا بل وترفضان حمله هو الآخر! استدار قليلًا وألقى بجسده على المقعد والخوف يزلزل كيانه، أنفاسه الهاربة تجعل صدره ضيقًا كأنه فقد رئتيه، تجحظ عيناه، وحين شعر بأن روحه تكاد تفارقه التقط المطرقة، ضرب القفل بكل ما لديه من قوة فتحطم القفل، سحب المزلاج وفتح الباب، أخذ يضرب الطوب الذي خلف الباب وكان لا يحمل كثيرًا من الجص أو الإسمنت، انهار الجدار بضربة واحدة، فانحنى يريد أن يمر إلى داخل القبر فأوقفته الرائحة التي تملأ القبر، كاد يفقد وعيه فرجع بجسده كله إلى الوراء يحاول أن يستنشق هواءً نقيًّا.
استلقى على ظهره وقبض بكلتا يديه على التراب الذي ينتشر حول المكان، يدفع جسدة للرجوع إلى الخلف ثم يميل بظهره على حائط خلفه، يخلع قميصه ليصنع منه منديلا يضعه على فمه وأنفه كي يتقي به رائحة الموت وتعفن الجسد، يحكم الرباط على أنفه ثم يعاود الدخول إلى القبر، ينجح هذه المرة، لكنه لا يري شيئًا داخل القبر، كأنه نفذ إلى جوف الأرض، فتحسس بكلتا يديه أرض المقبرة حتى لامست يداه جثة أمه، مسح بيده على جسدها المسجى داخل القبر والمقيد بالكفن، حاول أن يصل إلى رأسها لكن يده فقدت حاسة اللمس وعقله غير قادر على فهم ما يحيط به من أمور لا يصدقها عقل بشري!
يصل إلى رأس أمه فيرجع إلى الخلف قليلًا فيكاد يقع على مؤخرته، يمسك بالكفن حتى يسترد توازنه، يهم بإزاحة الغطاء الذي يلُف جسدها، يستشعر برودة وجهها تسري في أنامله، ينحني قليلًا حتى كاد وجهه يلامس وجهها، يشعر أن صاعقة من السماء قد ضربته، تتجمد أوصاله فلا يستطيع أن يتحرك، يشعر بدمعة تريد أن تتحرر من سجن عينيه ولا تفعل، كأنها تجمدت هي الأخرى فأصبحت كرة من الثلج استقرت في عينيه، يحاول أن يتخلص منها بيده لكنها سرعان ما انطلقت وخلفها دموع غيرها كانت تنتظر إشارة التمرد، فانهمرت الدموع المتمردة ساخنة تحرق خديه وتغسل وجه أمه!
– سامحيني يا أمي فأنا لست محمودًا الذي تعرفينه.. أنا لست أنا.. أنا شيطان خرج من الجنة بإرادته
أنا من دمر نفسه بغبائه!
أعرف أنك ستسامحينني وتدافعين عني كما كنت تفعلين طيلة حياتك، سامحيني يا أمي فأنا أشعر بصفعات حماقاتي تضرب وجهي وتهشم عظامي، سامحيني فأنا لا أجد قلبًا أحن عليَّ منك وأحتاج إلى صفحك وصبرك، أعاهدك أن تلك المرة ستكون حتمًا هي آخر حماقاتي!
كان يتمتم بتلك الكلمات وهو يصرف ناظريه بعيدًا عنها والدموع تنهمر كالمطر، كأنه يقدم قرابين الغفران تحت أقدام أمه في معبدها المقدس لكن يديه كانتا في عالم آخر نجس تتحسس الرباط الذي يلتف حول رأسها ليمنع انفراج الفم فيحل عقدة الرباط ثم يعبث بأصابعة محاولًا فتح فمها الذي كان كالصخرة صلبًا فضغط على جانبي فكيها بكل قوة، كانت ولا تزال تسكن أصابعه المرتعشة فينفرج الفم قليلا وتتسرب أصابعه من بين شفتيها وتتحسس أسنانها ثم تدخل إلى فمها رويدًا رويدًا متجهة إلى مكان يعرفه هو جيدًا لكن أصابعه تسقط في فجوة كبيرة ولا تجد الشيء الذي كان يريده!
أسنان أمه المصنوعة من الذهب ليست في مكانها، أدخل يده كلها إلى فمها وحاول عبثا أن يجد الأسنان!
خر على مؤخرته ومال على جدار القبر برأسه ثم غاب في نوبة بكاء ونحيب لم يتوقف إلّا حين سمع صوتًا يأتيه من خارج القبر.
نظر إلى باب القبر فلم يستطع أن يرى غير بريق حاد يلمع في الظلام، ويأتيه من خارج القبر كأن هناك نجوما صغيرة تتلألأ في هذا الظلام الدامس، فتملكه الرعب، أصابه الفزع بالهياج فأخذ يصرخ ويعلو صوته ويعلو صداه داخل القبر، وحين أراد أن ينطلق إلى باب القبر وجد مجموعات من الذئاب تنقض عليه وتنهش في لحمه وتقطع جسده الهزيل وهو يتقلب بين أسنان هذا الذئب وذاك بلا صوت وبلا آهات، كأنه أصابه الخرص حتى بلغت الذئاب الشبع وعافته.

لا تعليقات

اترك رد