ما ضرّ لو … !

 

تناظرا وكلاهما متنمّر بصاحبه وتداعبت العيون في كلّ صوب معاتبة، ثائرة، مستنفرة وسادهما صمتٌ ثقيل وأقبلا على فنجانيهما يتلهّيان بمداعبتهما في عصبيّة مثيرة… تلاقت الأعين فابتسم وغالبت الوجع وأنصتت إليه وهو يقول:
“ما ضرَّ لو… يزهر ثغرُكِ، هذا الصّبــاحْ؟!
ما ضرَّ لو يخفق نبضُكِ بدمي، ذاك القراحْ؟!
ما ضرَّ لو… أحببتِني أكثر، أكثر…
وضمّدتِ منّي تلك الجراحْ؟!
ما ضرّ لو… همستِ لي ببعض أغنيّة
قبل أن تحترف الصمتَ تلك الشّفاه؟!
ما ضرَّ لو…”
وبمرارة، أجابته:
” لا شيء يضيرني، غير أنّي…
رأيتُ طيرَكَ يغرّد بغير لحني،
وسمعتُ عطركَ يهفو إلى غير أذني،
وأدركتُ أنّ حرفكَ ما كان ليخبرَ عنّي،
فأنفتُ أن أحبّك وما أنتَ سوى
سراب وهمي وقذى بعيني!!!”
قاطعها، مستاء:
“أحببتُكِ رغم أنفي،
ودسستُ لكِ العشق في حرفي،
وبُحتُ لكِ بلظى ضعفي،
فتغابيتِ وتواريتِ وتناءيتِ…
وبلظى حرفكِ أحرقتِ مراكبي،
ومزّقتِ أشرعتي،
وبترتِ أجنحتي،
ودستِ ورودي وأوردتي،
أيّ دوس!!”
أجابته في وهن من أعجزته الحيلة:
“ما كنتُ لأفعلَ لو كنتُ سيّدة نفسي
ما كنتُ لأهربَ لو سمتكَ بثمن بخس
ما كنتُ لأصمتَ لو أدركتَ خوفي ونبسي
ما كنتُ لأرحلَ لوكنتَ لي غيرَ رمسي
ما كنتُ لأرسم فجيعتي… لو…”
قاطعها، مستاء مدافعا عن نفسه:
أنتِ حوريّتي وربّة حرفِي،
أنتِ ملهمتي وأميرة عرشي،
أنتِ الطيف الذي يؤنس صبوتي،
فيُربع الشّتاء ويهطل الصّحوُ،
ويتدفّق النبع ويطفح الضّرْعُ،
أنتِ الحياة تُراقصني فيخضرُّ درب،
ويخضلّ أفق ودمع… ”
اقتربت منه وقالت، مشاكسة:
“كلّ ذي لا تليق بي!!! فما أنا غير أنا:
أكره أن أكون أميرة يحكمها ربّ السّرير،
وأكره أن أكون شهرزاد، جاريةً،
تُقايض الحياة بالطّاعة والحكايات…
وأكره أن أكون جوليات التي تقايض العشق بالموت،
وأكره أن أكون عبلة التي تقايض الحبّ بالصبر والانتظار…
وأحبّ أن أكون أنا ولا شيء سواي…”
ابتسم، معاتبا وقال:
“أنتِ أناي وأنا أناكِ،
وأنتِ عمري الذّي اشتهاكِ،
وأنتِ مهجتي التي تهواكِ،
وأنتِ بعضي وكلّي…
وربّ العزّة الذّي سوّاكِ،
وأنتِ أرضي وسمائي،
وقصيدتي ولساني الذي براكِ…”
ابتسمت بدورها وقالت:
ــ أنا يا… كلمةٌ فردٌ
والكلمة أنثى…
وهذه الأنثى، لا ترضى بأن تستبدل سجنا بسجن
ولا دربا بدرب،
ولا حبّا بحبّ!!!
بل ستَظلُّ تُغنّي… تُغنّي
حتّى ترى في عينيكَ
صورتي لا ظلّي!!!”
دنا منها مبتسما، كما كان يفعل دوما بعد كلّ خصومة لاسترضائها وهمس: ” أماني، يا أماني، تعاليْ، اقتربي منّي فإنّي أشتاقكِ جدّا جدّا وإن تظاهرتُ بالهجر وإنّي لأُحبّكِ، أُحبُّكِ، أحبّكِ… يا مجنونة!!! ”
صدّتْ وتمنّعت وهي الرّاغبة الظّمأى إلى أحضانه الدافئة ولمساته السّاحرة… بل أمعنت في الصدّ وانخرطت في عاصفة بكاء!!!
دسّ رأسها في صدره وطوّقها بذراعيه وظلّ يداعب جيدها ويمشّط بأنامله خصلات شعرها، حتّى هدأتْ وهمدتْ كخيمة أضنتها العاصفة…

لا تعليقات

اترك رد