حتى الآن الأمور غير محسومة لصالح موسكو في سورية


 

لم تتوقع موسكو بعد هذه التضحيات الكبيرة التي قدمتهما من أجل حلمها الامبراطوري وعودة أمجادها وطموحاتها بالحصول على موطئ قدم على البحر المتوسط أن تتعرض قواعدها في سوريا ل 13 طائرة مسيرة ليلية السادس من شهر يناير 2018 في حميميم وطرطوس في سوريا، ولم تعلن روسيا عن حجم الخسائر الضخمة التي تلقتها نتيجة هذا الهجوم المباغت والذي لم تكن تتوقعه روسيا نهائيا بل وتعتقد أنها وصلت للمرحلة ما قبل الأخيرة لتمتين تموضعها في سوريا بحجة قيادة حل سياسي نهائي في سوريا.

لم تتنبه روسيا للرسالة المقدمة لها عندما نفت روسيا تعرضها لهجوم على قاعدة حميميم في رأس سنة 2018، يبدو أن روسيا وقعت في المحظور عندما تباهت بالانتصار في سوريا ( على غرار إيران التي أعلنت أنها تتحكم في أربعة عواصم عربية أزعجت السعودية ) مما أزعج الولايات المتحدة خصوصا عندما طالبت روسيا بخروج الولايات المتحدة من شرق سوريا.

فلم تكن تتوقع روسيا أن مثل تلك الممارسات من المؤكد أن تزعج الولايات المتحدة التي هي تركتها بمحض إرادتها تصول وتجول في منطقة الشرق الأوسط ضمن استراتيجية جديدة منذ عهد أوباما، وبشكل خاص الآن في عهد ترمب التي تهدف إلى تقليل التكاليف التي تتحملها الولايات المتحدة في إدارة الأزمات في العالم.

لم تستوعب روسيا هذه الاستراتيجية وتحاول التوجه نحو تقاسم المصالح مع الولايات المتحدة، لكن هنجهية بوتين التي جعلته يشعر بالابتهاج ونشوة النصر والتمكن من الوصول إلى تحقيق أهداف عالية المستوى، وهو ما يفسر مواصلة تأديبه للمعارضة التي ترفض أن يكون الأسد جزء من الحل في سوريا رغم أن بيان الرياض الأخير للمعارضة كان أكثر براغماتية في رحيل الأسد الذي يمكن أن يفسر أنه يمكن أن يرحل في وقت متأخر من الحل السياسي أثناء الفترة الانتقالية.

ماذا يفعل بوتين الذي أعلن انتصاره الحاسم في سوريا في 11 ديسمبر وسحب جزء من قواته، وبدأت روسيا تتفاخر بازدهار مبيعاتها للأنظمة الروسية المضادة للصواريخ، لكن تلقي هجمات ضد قواعدها في سوريا تمثل صاعقة مفاجئة لبوتين بشكل خاص، ولوزارة الدفاع الروسية أيضا بأن المعادلة الاستراتيجية الروسية يمكن أن تعود إلى نقطة البداية، وكأن التضحيات التي أقدمت عليها روسيا ذهبت أدراج الرياح.

رغم أن روسيا تدرك أهمية التوافق مع الولايات المتحدة، لكن كانت اختباراتها لقدرة الولايات المتحدة قد أثبتت فشلها ظانة أن الولايات المتحدة أصبحت قوة هشة.

وقد يكون السماح لروسيا بالحضور إلى سوريا فخ قد نصب لها بكل احترافية لتنفيذ عدد من الاستراتيجيات باعتبار أن روسيا أداة أميركية، لكن الصواريخ من المؤكد أنه أزال هاجس الجبروت الروسي، وبشكل خاص أزالت الصواريخ الهالة التي أحاطت ببوتين وجعلته الرئيس الذي لا يقهر، والذي توجت بزيارته الشهيرة للقاعدة الروسية في سوريا في ديسمبر 2017 قبل تعرجه على القاهرة ومروره بأنقرة بعد ذلك وهما دولتان إقليمين كبيرتين يعتقد بوتين أنهما أصبحتا تحت رهن إشارته، خصوصا بعد استدعاء بشار الأسد وكأنه أحد أركان قيادته وليس رئيس دولة، بل وتركه يخضع لمزاج أحد ضباطه الكبار وهي إشارة بأن سوريا أصبحت دولة تابعة لروسيا.

تابع بوتين يسير مزهوا بما حققه عندما كان ينوي مغادرته قاعدة حميميم، هذا الزهو أراد استخدامه في انتخاباته الرئاسية، لكن ليلة الدرون المرعبة شوشت صورته، وأن الوضع في سوريا لم يعد في قبضته كما يعتقد بوتين إذا لم توافق الولايات المتحدة خصوصا وأن التفوق الروسي في سوريا كان مدفوعا أميركا منذ عقيدة أوباما التي منعت أي رد نوعي ومنعت صواريخ ستينغر المضادة للطائرات أن تكون في متناول المعارضة ولا حتى من الدول الإقليمية التي اضطرت إلى الالتزام بقرار الولايات المتحدة بمنع تزويد المعارضة بتلك الصواريخ لتمكين بوتين، لكن يبدو أن بوتين خرج عن المسار الأمريكي فلابد من تلقيه صدمة للفت نظره وأنه لا يزال بمثابة أداة أميركية ولا يملك أي استقلالية بعيدا عن الولايات المتحدة.

عدم اعتراف أي جهة بالعملية ضد القواعد الروسية في سوريا يزيد العملية غموضا، لكن الطائرات المسيرة زودت بتكنولوجيا متطورة لا تمتلكها سوى الدول المتقدمة رغم أن الولايات المتحدة كان ردها بأن هذا النوع من الطائرات متوفر في الأسواق وبالإمكان الحصول عليه بسهولة، لكن اعترفت وزارة الدفاع الروسية بان طائرة تجسس أميركية كانت تسير فوق المنطقة تلك الليلة، ما يعني أن هناك شركاء إقليميين ودوليين لديهم أيضا مخالب لن يرضوا بأي احتكار خصوصا وأن أمريكا استغلت امتعاض تركيا من إشراك موسكو حزب العمال الكردستاني في تركيا بحوارات سوتشي، وإيران قلقة من التواطئ بين موسكو وتل أبيب الذي يسمح لإسرائيل بضرب السلاح الإيراني الموجود والمهرب إلى سوريا وحزب الله.

أصبحت الأوراق الآن مكشوفة في الساحة السورية، ويعتبر انقلابا على استانا طالما أن الطائرات انطلقت من مناطق المعارضة التي تتبع تركيا ردا على التجاوزات التي ترتكب في إدلب من قبل النظام المدعوم بالطيران الروسي.

هذه الطائرات التي ضربت القواعد العسكرية في سوريا ليس انقلابا على التدخل الروسي بل هي رسالة لبوتين بأهمية إعادة الشراكة الإقليمية والدولية داخل سوريا ويجب الاعتراف بالولايات المتحدة كقوة عظمى مسؤولة عن أي ترتيبات جديدة في المنطقة لابد أن تمر عبر موافقتها دون أن تدفع أي تكاليف أو أي ضحايا هذه هي الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة وأن على الجميع الالتزام بها وأنها لا زالت الولايات المتحدة القوة العظمى حتى الآن في العالم التي لها الكلمة الفصل.

لا تعليقات

اترك رد