” لطم شمهودة ” !!

 

( شمهودة ) قد تكون شخصية وهمية خيالية ، وقد تكون حقيقية ولها مساس بالواقع حتى قيل ” انها من عشائر آل ازيرج وتحديدا من عشيرة الحريشيين ( بيت مشد) التي تسكن منطقة الهدام التابعة لقضاء الميمونة”(1 ). وحكايتها تمثل الحالات التي يحدث فيها غبن وعدم انصاف. و (شمهودة) كانت تعيش وسط مجتمع ريفي كشخصية معروفة ، طيبة القلب ، حنونة ، عطوفة ، تحب الجميع ولا تفرق بين شخص وآخر ، اذ كانت تحضر افراح واتراح الناس ، مآتمهم ومسراتهم ، ولا تكاد ان تفوتها مناسبة ، صغيرة كانت أم كبيرة. وكانت (شمهودة ) في المآتم تلطم مع الكبار الذين هم في سنها ، وحينما تحين وجبة الغداء او العشاء يضعون طعامها مع الصغار استخفافا بها . فصار ذلك مثلاً يقال او يضرب بـ(لطم شمهودة تلطم مع الكبار وتأكل مع الصغار(2)).
وشاهدنا اليوم المتقاعدون هذه الشريحة الكبيرة والواسعة التي تزداد أعدادها كحال كل دول العالم وهم مانحن بصدده من سوقنا لهذا المثل : ( لطم شمهودة ) ، فقد أفنوا أعمارهم بعد أن قدموا عصارة افكارهم وزهرة شبابهم وآستنفدوا قواهم من
أجل الوطن والمجتمع ويمثل وقت الفراغ لديهم مشكلة كبرى ، وكنا نمني النفس بان يكرموا على الدوام كان يشملوا بالمساعدات والمنح المالية والعينية والعلاجية والترفيهية وليس الزامهم بالاستقطاعات المالية و إرهاقهم بالمراجعات الروتينية المملة ، فهم في الغالب عاجزون عن العمل وأوضاعهم الصحية والمالية متردية وليس بمقدورهم ( كما المتنفذون اليوم ) شراء جزيرة هنا أو برج سكني هناك أو تملك ( مول) أو شركة هاتف نقال ولاحتى اسطول سيارات كما يتعذر عليهم ارسال أبنائهم للخارج حيث البذخ والانفلات ( ويستحرمون ) من الاستيلاء على عقارات الاخرين ولاحول ولاقوة لهم الا من رحمة الله ومايعتاشون عليه من معاشاتهم التقاعدية .
جانب آخر يتعلق بهم وهو التأييد السنوي لاستمرار حصولهم على الرواتب الشهرية والمسماة شهادة الحياة أو ( شهادة الوفاة ) كما يطلق عليها المتقاعدون تندرا ، حيث يتم استيفاء رسوم عنها بمالايقل عن عشرين دولارا في السفارات خارج البلاد.
وبالتأكيد فإن هذه الطريقة غير سليمة وتنأى عن الانسانية والتحضر، فالمتقاعد عادة يكون في سن متقدمة وفي آخر سني عمره ، وهذا الاسلوب يوحي له بأنه “أصبح خارج نطاق الحياة الفاعلة في المجتمع ، وأن تقاعده هو نهاية معنوية لحياته(3 )” والأفضل استخدام اجراء اداري آخر ، على سبيل المثال اعتماد هوية الأحوال المدنية التي يتم ( خرمها ) بعد الوفاة وبامكان دائرة التقاعد أو المصارف المطالبة بها شهريا او كل شهرين قبل تسليمه الراتب للتاكد من كونه على قيد الحياة او أي اجراء يجده المختصون مناسبا ، وهذا من مقومات وأهداف علم العلاقات العامة الذي يتم تدريسه في كل دول العالم من اجل تحقيق العدالة والرفاهية وفهم متطلبات هذا الجمهور.
ورحم الله الشاعر المعروف أبا العتاهية وهومن الذين ناحوا على ايام الشباب و هي هاجس المتقاعد اذ قال :
عريت من الشباب وكان غضا
كما يعرى من الورق القضيب
ونُحت على الشباب بدمع عيني
فما نفع البكاء ولا النحيب
فيا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
فرفقا بالمتقاعدين وكل كبار السن ياأولي الأمر ومطلوب منكم الالتفات بجدية لهم.. فهم أحوج للكلمة الطيبة والرعاية الصادقة والاستذكار الكريم بسبب دورهم الكبير في ارساء أسس ودعائم الحياة المدنية..وتذكروا أيها المسؤولون أن هؤلاء العزوة هم بناة الدولة ومؤسساتها العتيدة وهم الذين أرسوا قواعدها وأعلوا بناءها مثلما أعلوا صروحها وشواهد نهضتها ، فهم أصحاب المصلحة الحقيقية في ثمرات مابنوا وليس من هدم وخرب وأفسد واتخم من مال الشعب العام .. إنهم العصاميون الوطنيون والباذلون الحقيقيون وليس من تسلم اركان الدولة عمارا وشواهد مجد وحضارة ثم هدها وسواها بالأرض..!.
وبلاشك فإن كل واحد هو اليوم على دست المسؤولية سيكون حاله في يوم قريب آت كحال المتقاعدين اليوم ، فأحسنوا اليهم وذلك أزكى لكم من تركهم بحال كحال (شمهودة التي تلطم مع الكبار وتأكل مع الصغار)!!.

1- بتصرف ، منقول
2- بتصرف ، داود سلمان الكعبي ، لطم شمهودة ، الحوار المتمدن ، 1-3-2012
3- د.ابراهيم بن حسن الخضير، التقاعد ليس نهاية الحياة ، صفحة التواصل الاجتماعي – فيسبوك ، 7 مارس 2012

2 تعليقات

  1. الاخ المحترم الدكتور عبد الكريم الوزان

    تحياتي وبعد
    تعقيبًا على مقالتكَ الكريمة التي تناولت واقع حال المتقاعد الواقع المؤلم
    أزيدكَ علمًا أن خمسةً وعشرين ألف دينار عراقي تؤخذ من المتقاعد عند تصديق
    شهادة الحياة من وزارة الخارجية وبهذا يكون المبلغ المدفوع أربعين دولارًا
    من غير المصاريف الاخرى كمصاريف الصور للوثائق والتاكسي وما الى ذلك .

    دمتَ موفقًا

    الحاج عطا

  2. موضوع يخص شريحة لايستهان به وخاصة مع بداية الشهر الاول من كل سنة ..فكما ذكرتم البدائل يمكن إضافة بديل اخر كأن يستعاض بدل ان يقدمه كل سنة يقدم شهادة الحياة كل ثلاث سنوات ..ودمتم في اختياراتكم والمواضيع التي تطرقونها وتبحثونها يمس حياة المواطن العادي والمجتمع والله الموفق

اترك رد