أدب الدعاء في الإسلام

 

الدعاء معناه الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال والرغبة فيما عنده من الخير ، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب وإدراك المأمول . قال تعالى ” واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ” ( الكهف : 28 ) ، وقال أيضا ” تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون , فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ” ( السجدة : 16 , 17 ) .

ولعل الآيات السابقة تؤكد على مفهوم الدعاء الذي أشرنا إليه بداية ، والواقع أن ثمة آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعونا إلى الإكثار من الدعاء ، لما له من أهمية , فهو رحمة للعباد , قال تعالى ” ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ، و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا ، إن رحمت الله قريب من المحسنين”( الأعراف : 55 , 56 ) . وقال جل شأنه ” وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ” ( غافر : 60 ) . ففي الآيات السابقة دعوة قوية من الله تعالى لعباده أن يكثروا من الدعاء وأن يخلصوا فيه ، وأن يلتزموا آدابه وشروطه ، لكي يكونوا أهلا للقبول ومحلا للإجابة .

وقد بين النبي (ص) في أكثر من توجيه نبوي فضل الدعاء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال : ” ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء ” , كما أرشدنا (ص) إلى أن الدعاء طريق إلى رحمة الله و رضوانه ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله (ص) : ” من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة , وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، ولا يرد القضاء إلا الدعاء فعليكم بالدعاء ” ولما كان الدعاء كذلك يأمرنا (ص) في حديث آخر أن ندعوا الله في كل أمورنا ، صغيرها وكبيرها ، عظيمها وحقيرها ، فيقول : ” ليسأل

أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ” وقال أيضا : ” من لم يسأل الله يغضب عليه ” .

والدعاء هو العبادة , بمعنى أن منزلته كمنزلة الرأس من الجسد فهو عمادها ودعامتها وركنها وشعيرتها ، أخبرنا بذلك النبي (ص) فقال فيما رواه عنه النعمان بن بشير رضي الله عنهما ” الدعاء هو العبادة ” ثم قرأ : ” وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ” واستجابة الله لعباده هي الرحمة والمغفرة لهم ، قال تعالى ” والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ” وفى الحديث القدسي فيما رواه أبو هريرة عن النبي (ص) ، يقول الله عز وجل ” أَنَا عَنْدَ ظَنّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرَنِي، فإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ اقْتَرَبَ إليّ شِبْراً اقْتَرَبْتُ مِنْهُ ذِراعاً، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِليّ ذِرَاعاً اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ بَاعاً، وإنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ” .

ولما كان الدعاء بهذه الأهمية , فعلى المسلم أن يتوجه إلى تعالى بالدعاء في كل وقت وفى أي مكان , غير أنه يستحب أن يغتنم الداعي الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة كيوم الجمعة ويوم عرفة من الأيام , وكشهر رمضان من الشهور وكوقت السحر من ساعات الليل

ويرى العلماء أن للدعاء آداب ستحب أن يلتزم بها المسلم تأسيا بهدي النبي (ص) في دعائه , وإشارات القرآن الكريم , لعل أبرز هذه الآداب :

1- استقبال الداعي القبلة ورفع يديه والمسح بها على وجهه بعد الدعاء تأسيا برسول الله (ص) , فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه , قال ” خرج رسول الله (ص) إلى هذا المصلى يستسقي فدعا واستسقى واستقبل القبلة ” وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ” دعا النبي (ص) ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه ” .

2- أن يفتتح الداعي دعاءه بالثناء على الله تعالى والصلاة على النبي (ص) وأن يجعل ذلك في وسط الدعاء وفى آخره .

3- أن يظهر الداعي التضرع والخشوع حال دعائه , وأن يلح فيه , وأن يكرره ثلاثا , وأن يبدأ بنفسه , وأن يصدق الرجاء في الإجابة دون تعجل .

4- أن يكون صوت الداعي بين المخافتة والجهر , وقد أرشدنا الله تعالى إلى أحسن طرق الدعاء , فقال جل شأنه ” ادعوا ربكم تضرعا وخفية ” .

5- أن يحرص الداعي على جوامع الدعاء من القرآن والسنة متجنبا السجع المتكلف , والألفاظ المبهمة والمعاني المتشابهة , ولذلك يفضل أن يحرص الداعي على المأثور من الدعاء كدعاء الأنبياء والرسل والصالحين من العباد .

6- أن يطلب الدعي في دعائه ما يتفق مع تعاليم شريعة الإسلام , فلا يدعو بشر أو بإثم أو يدعو على نفسه أو غيره إلا عند الظلم , فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه , قال , قال رسول الله (ص) ” لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم , ولا تدعوا على خدمكم , ولا تدعوا على أموالكم , لئلا توافق على الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم ” .

وإذ يلتزم المسلم بهذه الآداب في دعائه , فإنه يشترط لقبول هذا الدعاء أن يجتهد الداعي في تطهير نفسه ظاهرا وباطنا من الذنوب والآثام ولن يتحقق ذلك إلا بثلاثة أشياء :

* أولها : الإكثار من ذكر الله واستغفاره , والتوبة إليه , وذلك لأن ذكر الله هو رأس الأعمال الصالحة , إذ به تزكو النفوس وتطهر القلوب وتصفو المشاعر وتتيقظ الضمائر , قال تعالى ” اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة , إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ” ( العنكبوت :45 )

* وثانيها : مخالطة الأخيار , لأن مجالسة الصالحين لها أثرها العظيم في توجيه النفس والعقل إلى ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه , قال النبي (ص) : ” المرء على دين خليله , فلينظر أحدكم من يخالل ” .

* وثالثها : أن يوطن الداعي نفسه على التقيد بما أحله الله في المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك , قال تعالى ” يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو بين ” ( البقرة : 168 ) . وقال النبي (ص) لسعد بن أبي وقاص عندما طلب منه أن يجعله الله مستجاب الدعوة : ” يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك , والذي نفسي بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في

جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا ، فالنار أولى به ” اللهم استجب دعانا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

لا تعليقات

اترك رد