نَحْنُ جَمَالُ الْفَصْلِ


 

سأل الأستاذ تلاميذه وهم يُنهون قراءة قصيدة “عش للجمال” لإيليا أبي ماضي (1):” كيف تجعلون الفصل جميلا؟ ” أجابته تلميذة:” ولكنّنا – سيّدي -جمالُ هذا الفصل”.

إيه بنيّتي، أنتم نُسغ المكان بكم يكونُ، خطوُكم إليه مدى حلُم وأفقُ وطن. السّاحاتُ والأروقةُ والقاعاتُ والمقاعدُ والألواحُ والأقلامُ والأوراقُ… هسيسُ الرّوح تُبينُه شفتان أو يدان، أشواقُ الحياة تغنّيها الضّحكاتُ، رفيفُ القلب تَبرُق له النّظراتُ، مجلسٌ حميمٌ ناديه إمتاعٌ وإيناسٌ، عقول تَشيدها محاورة وتسآل وتدبّر وتفكّر وتجلوها ذكاءات ومهارات، نفوسٌ تنتابها أحوالُ الحياة خوفا ورجاء، غنما وغرما، رضى وسخطا…، جَوارحُ تجرح لذّة الكلام وفتنةَ الفَعال وبهجةَ الرّؤى.

جمالُكم تَهْجُون الحروفَ حتّى تُذلّلَ لكم عبارتُها فأنتم قارئون، جمالُكم تتقصَّون الفكرةَ تتوسّلون أسبابَها، جمالُكم تأوون إلى النّصّ فإذا أنتم بعض شخصيّاتِه وإذا هو قطعة من حياتكم، جمالُكم وجارحة الكلام منكم تُفصح عنكم، جمالُكم وأنتم تجرّبون ممكنا من الخَلق…

جمالُكم ترون في أساتذتكم أبا وصديقا وأخا تُسّارونهم أو تستنصحونهم، جمالُكم تنتظرون أعدادكم يعلو سقفُ منتظَرِكم أو ينزل كلّما أُصلِح تمرين من تمارين الاختبار، جمالُكم تقفون على أخطائكم تعرفون وجوه التّقصير فتعملون على تداركها، جمالُكم شردتم عن الطّريق تؤوبون إليه وقد مُحِضَ نُصحٌ وكانت صحبةٌ… جمالُ حياتكم التّلمذيّة الّتي تحْيَون ولا تني حيّةً فيكم مهما كبرتم.

ولكن لا بدّ لجمالكم هذا من راءٍ، ولا بدّ لهذا الرّائي أن يكون جميلا، ولا بدّ أن يتراءى الرّائي في المرئيّ والمرئيّ في الرّائي فجمالكم به وجماله بكم.

يجمُلُ رائيكم بتعظيمه رسالتَه التّربويّة يُعليها ويعلو بها، وبقوّة الضّمير خُلّة بها يمتاز، وبإتقانه صناعتَه يهتمّ لتجويدها يقسو على نفسه يريد أن يتنوّق. ذاك وشمُ الحرفِ على شغاف الروحِ، طُمأنينة الذّات في وطن المعنى، مثال تقدّه الأحلامُ وتقفوه العزائمُ، أثر تستهديه الخُطى، نصّ يُقرأ بعد حين، نصّ يُكتب من جديد، وتلك شرائط الفعل التّربويّ – وأعظم به !– يروم تغيير الأنفس والعقول ويرسم ملامح الخرّيج “حسّا ومعنى” (2).

جمالُكم – أحبّتي-جمالُ غدكم تحملونه وعدا جميلا، جمالُ الوطن تُنشِدونه، جمالُ الحَرَم الآمن يحوطكم. ولكن ما أكثر ما يُخشى عليكم منه! وما أبشع كوابيس تقضّ أحلامكم وأحلامنا!

كيف نرعى جمالَكم وجمال الوطن؟ ذاك هو السّؤال.

هل يمكن أن نرعى جمالَكم هذا بقوانين ونُظم تُوضع ولا تجتمع لإنفاذها أسباب الفعل، ولا تنعقد عليها ضمائر الرّجال وعزائمهم؟ هل يمكن أن نرعى جمالكم هذا برأي يُنسخُ بعد حين إذ لم تنتظمه رؤية ولم تقيّده رويّة؟

التّربية – وأنتم زينتها-مَعدنُ النّفوس والرّجال وموئلُ الرّمز والقيمة ومُنشَغَلُ عامّة النّاس وخاصّتهم وعلينا – جوابا على السّؤال-أن نعيش لجمالكم هذا وجمالِ الوطن هدفا جامعا وغاية بعيدة و” سرّا جدَّ مكنون” تجتمع منّا له القلوب وتتظاهر العزائم.

بنيّتي أنتم جمالُ الفصلِ وشأونا أن تكونوا جماله، وطوبى لمن عاش له.

(1) وردت هذه القصيدة بالكتاب المدرسيّ ” عيون الأدب” لتلاميذ السّنة الثّانية من التّعليم الثّانويّ. ج2. المركز الوطنيّ البيداغوجيّ. وزارة التّربية. الجمهوريّة التّونسيّة.

(2) برنامج البرامج. إدارة البرامج والكتب المدرسيّة. سبتمبر 2002. ص 16.

المقال السابقأستودعكَ بألف آهٍ
المقال التالىعلكة الضمير
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد