بين منطق التسامح في قبول الآخر لتغييره وبين تضليل الخضوع لفلسفته

 

منهج العقل العلمي وخطل إلغاء التناقض

عالجنا للتو تفاعل الإنسان فردياً جمعياً بأسس قيمية سلوكية مع الآخر، انطلاقاً من رؤية أو فلسفة (التسامح)، بكل ما يعنيه ذلك من احترام هذا الآخر وإرادته ووجوده الإنساني، في سامي القيم ونبيلها. ولكننا بالتأكيد لم نكن نعني في (احترام الآخر) مجاملة لنقيض على حساب القيم الإنسانية السليمة، ولا خضوعاً لرؤى ذاك الآخر النقيض، حيثما كانت بالضد من الإنسان وحقوقه وحرياته، أو حيثما تكون بمرجعية فلسفية فكرية وأخلاقية بالمعنى الأوسع للمصطلح، تتعارض والتعايش السلمي أو تقطع جسور الصلات الإنسانية وتغلقها.

إنّ فكرة التعايش مع الآخر واحترام لا تأخذ منحى التلبية والتنفيذ إلا بخلفية اتفاق طرفي أية قضية على قواسم مشتركة تمرر لكليهما ما يمثل سلامة وجودهما، من منطلق عدم تعرض كل طرف للآخر سلبياً مرضياً أي عدوانياً، ومن ثمَّ ظهور حال التضافر بالجهد لمسيرة بناء وتنمية وتقدم لا خطى تخريبية استغلالية كما تفعل قوى الاستغلال الظلامية تجاه الجماهير الغفيرة المستلبة المصادرة…

وعليه فإن هذا المبدأ لا يعني ولا يقرّ حال وجود طرفين برؤيتين متناقضتين في إطار ائتلاف أو اتحاد تحت أية ذريعة؛ لأن ذلك لا يعني سوى خضوع أحد الطرفين لموازين القوى الفعلية من جهة ولنظام السلطة فيه، هي لآخر يفرض نفسه كرهاً وقسراً وبعنف بلطجة على جميع الأطراف..

في أنظمة الطائفية السياسية لا وصف ينطبق عليها خارج (نظام الدكتاتورية الدينية وطغيانها) أو سلطة (ثيوقراطية) طبعا مع إفرازاتها التي تتيح سطوةً بل بلطجةً مافيوية ميليشياوية، تهيئ لمنظومة الفساد إلى حد أو مستوى تكريس (نظام كليبتوقراطي).. ويمكننا هنا أن نشير إلى نماذج حية تعيشها بلدان شرق أوسطية عديدة، كالعراق الذي يُسجل من بين مَن تصدّر المؤشرات العالمية بالفساد منذ 2003 حتى يومنا وصار الدولة الأكثر فساداً وفشلاً…

في مثل تلك النظم التي أشرنا إليها هنا، تسطو (الشمولية) وطغيانها على المجتمعات؛ فترتدي تلك الشعوب (إجبارياً) أزياء موحدة؛ بمعنى سطوة (الأحادي) الذي لا يسمح للآخر بالعيش وإذا سمح له ففي ظل ما يسميه شريعة (المقدس) وفي ظل اشتراطات مرجعياته التي يُسقِط عليها القدسية والعصمة، وبهذا يجري تعطيل العقل ومنطقه لحساب مفردات مفروضة بالعنف والإكراه بمختلف أشكالهما…

بينما العقل الذي يطالبنا بمنطق التسامحَ، فلسفةً ومنظومة قيمية، فلا يقر قطعا الأحادية في الوجود البشري، ولا يدفع باتجاه خضوع أطراف التعدد والتنوع الإنساني لطرفٍ مهما علا شأنه وتفرد في منجزه أو ما مارسه ويمارسه من رؤية أو فلسفة.. فالمجتمع الإنساني على وفق سليم المنطق العقلي وعلميته، يتساوى فيه الجميع ولا يصح فيه فرض رؤية بادعاء عصمة صاحبها وبزعم صوابها المطلق وخطأ كل ما عداها…!

هنا، تدعو فلسفة التسامح ومرجعيتها العقلية العلمية، تدعو للتعايش بين الأفراد والجماعات على أساس المساواة، وعلى أساس حريةٍ مسؤولة للجميع، بمعنى الحرية التي تقف على أعتاب ما للآخرين ولا تتجاوز عليهم وعلى حقوقهم وحرياتهم بذريعة حرية طرف، يجري تمييزه بخلاف مبدأ المساواة.. فالحرية المسؤولة لها ضوابط وقواسم مشتركة تحددها قوانين موضوعية في كل مرحلة إنسانية بما تفترضه من اشتراطات ومحددات، عود للعقل وما امتلكه من خبرات وتجاريب…

وهكذا لنقل هنا ايضا: لا يأتينا شخص ويفرض تنظيراته لما يسميه (كتلة…) وهي ليست سوى تكرارا بتعبيرات أخرى لحالٍ تجمع الظالم والمظلوم، المستغِل والمستغَل، المستبيح والمستباح، على خلفية (فن الممكن والمتاح!) وعلى خلفية الادعاء بإمكان تحقيق خرق في قوى الظلم وجذب أجنحة منها وكسبها بـ((إصلاحها وتغييرها))… إذ ما طابع كتلةٍ كتلك؟ وما التوازن بين طرفيها؟ وما المشترك بينهما أصلاً؟

العقل العلمي يؤكد أنْ لا مشترك بين الظلامي والتنويري ، بمعنى لا مشترك بين المفسدين الكبار من زعماء طبقة الكربتوقراط، المصطنعة بقصد مفضوح لتكريس نظام ثيوقراطي كليبتوقراطي، وبين أيّ امرئ أو طرف نزيه نظيف يؤمن بالشعب وحقوقه وحرياته ويدافع عنها.. فالسؤال اليقيني على ألسنة الفقراء: مَن المجرم المتسبب بفقرهم وبكل الخراب الذي أصاب وطنهم بيتهم، أليس هو ذاته الذي يجري التحالف معه اليوم بحجة أن هذا فرع محسَّن من قوى الظلام؟ وهل سيبقى التنويري تنويرياً مدافعاً عن الفقراء وحقوقهم عندما يتحالف مع طرف طائفي؟؟؟

إنّ أولئك الذين يبررون للكتلة المزعومة ويزعمون توفير فرص لاختراق الطائفي وتغييره أو إصلاحه ومن ثمّ ادعاء هدف الوصول إلى جمهور المجَهَّلين المضللين المأسور عند الطائفي الظلامي، إنما يخادعون أولئك البسطاء ويمعنون في تضليلهم بخطاب التسامح أو خطاب خلط الأوراق أو ما يسمى الدبلوماسية [طبعا المزيفة] تجاه آخر مختلف نوعياً؛ بينما الحقيقة في هذا الخطاب لا تعني سوى تمديد خنوعهم وخضوعهم لأولئك المستغِلين المضطهدِين..

ونحن نسألهم بوضوح: عن أي تغيير أو حتى (إصلاح) للمتخمين من ناهبي مليارات من ثروات المجتمع يتحدثون؟ ألا يعني التحدث عن تغيير المجرمين من القتلة وسارقي قوت الشعب، جزءاً من خرافة، يتعمد خلط الأوراق ويمثل تبريراً للدجل والتضليل السائد؟ كيف يمكننا الاقتراب مجرد الاقتراب من جمهور الفقراء ونحن نذهب إليهم عبر مستغليهم والمتسببين بفقرهم؟ كيف نطرح أنفسنا بديلا ونحن نشارك النقيض لعبته التي تمثل أداته لفرض سطوته وتكريس نظامه؟

أما لمن يتحدث عن فرض برنامج البديل فقد قالوا للحرامي (احلف) قال جاءك الفرج يا حرامي… رجال الطائفية السياسية والنظم الاستغلالية كافة يقسمون ليل نهار أنهم يدافعون عن الناس وقضاياهم ولا يهمهم إن وقَّعوا على برنامج أو اتفاق بعينه فهم أصلا في حِلٍّ من تنفيذه ولا توجد سلطة تفرضه عليهم بل هم يملكون سلطة مضافة بتزكية جديدة تشرعن وجودهم وجرائم نهبهم…

وبالعودة مجدداً إلى منطق العقل العلمي وآليات اشتغال التفكير الجدلي نجد أنها تؤكد حقيقة أنَّ المتناقضات الموجودة بوحدة أو بوتقة مشتركة واحدة لا يحيل وجود تلك الأضداد في بوتقة واحدة من دون صراعها ومن دون انتصار السليم على المنتهي صلاحيته على وفق مقتضيات واشتراطات كل مرحلة وقوانينها…

إن تلك الوحدة لصراع المتناقض [صراع الأضداد] من قوى البنية المجتمعية والسياسية يُلزم أطرافها بالاستقلالية وبالعمل على وفق إراداتها وبرامجها المصطرعة للوصول إلى منطق تطوري، تتنامى فيه خطى التقدم كميا لتُحدث التغيير النوعي.. وبخلافه فإنّ الأوضاع جدليا وبمنطق العقل تختلط فيها الأوراق وتفسح المجال واسعا لتمديد سطوة قوى الاستغلال على السلطة…

كيف يمكن للفلاح أن يكون مع الاقطاعي بحزب واحد أو طبعا بتحالف سياسي واحد؟؟ كيف يكون العامل مع البرجوازي بحزب واحد؟ كيف يكون الفقير المستلب المصادَر المستغَل بحزب واحد مع من يستلبه ويصادره ويستغله؟ إن التقدمي التنويري لن يلغي الرجعي . الظلامي في حال دخول لعبة الائتلافات والتحالفات التي تجمع المتناقضين لأنها عبث ومراهقة سياسية قد تحظى بالجزرة وتراها لهنيهة، لكنها لن تجد قريبا سوى عصا سطوة بلطجية قوى الاستغلال ولن يحمي أطرافها وجود عقود وعهود واتفاقات برامج من أيِّ شكل!

إن التزامنا بمنطق العقل العلمي يوجب علينا أن نجد الدراسات الأنجع المستندة للتجاريب وإلى محددات موضوعية سليمة.. فعنف البلطجة المافيوية الميليشياوية لا يقابله عقد تحالفات ولا تفاهمات سطحية فارغة من مضمون حقيقي يمكنه أن ينجز مهمة التغيير.. فالسطحي في التحالف بين تنويري وظلامي هو العقد (المعلن) وخطابه المضلِّل للعقل ومنطقه العلمي القائم على اشتراطات موضوعية بعينها والجوهر فيه هو وقوع أحد أطرافه موقع الخضوع للطرف الأقوى المسيطر على السلطة فعليا سواء سلطة الدولة أم سلطة الشارع تلك السطوة والسيطرة المبنية على منطق العنف وتحطيم الآخر ووقف مسيرة التقدم..

ولا يملك المُستغَل سوى استقلاله في وحدة قواه المعبرة عن تطلعاته من جهة والمتسقة مع منطق العقل العلمي وقوانين الحراك التاريخي إلى أمام تلك التي تتحدث عن التقدم عبر التراكم الكمي والتحول النوعي وهو ما يأتي تحصيل حاصل صراع الأضداد، الصراع التناقضي بين الشكل والجوهر حتى يستقر على التعبير الأنسب والأنجع وليس خلط أوراقهما تضليلياً كما يفعل بعضهم اليوم..

لعل بعض الشخصيات التي نجدها تنظر اليوم وتتخذ قرارات من قبيل وضع المتعارضين المصطرعين في بوتقة واحدة إنما يخضعون لعوامل يدرها علم النفس ومعه العلوم الاجتماعية بدقة معرفية تكشف الخلل في الذاتي لكننا نبقى بحاجة لمزيد تركيز على أن تبني قيم التعايش السلمي وأدوات الرد على العنف سلميا لا تعني قطعا قبول الخضوع للنقيض وإدامة سلطته…

كيف تقرأ السايكولوجيا والسوسيولوجيا الأمور وكيف تقرأها العلوم السياسية والفلسفة وكيف تؤسس المعرفة لأرضية التصدي للظلامي إنما تبقى بحاجة لتخطي ألاعيب المجرمين في أزمنة فيها من تعقيد الصراعات ما يكفي لإثارة غبار التعتيم والتضليل…

لكن المفيد هنا، أن البحث في الأمر يسجل تمسكه الثابت بوحدة قوى التنوير وبأن حوارها سيبقى موضوعيا بنائيا بالضد من قوى الظلام التي يريد كنس سطوتها على الحياة وتفاصيل اليوم العادي للإنسان..

ولهذا السبب فإن هذه القراءة تتطلع لتفاعلات موضوعية تستند لمنطق العقل العلمي والفلسفة الجدلية الديالكتيكية ولأسس صياغة خطاب بديل لا يقبل الالتباس ويستطيع إنجاز مهام تحرير الإنسان واسترداد حقوقه وحرياته في نظام ديموقراطي يلبي العدالة الاجتماعية ويوقف أشكال الضيم والظلم.. وبالتأكيد نؤمن هنا أنه بين منطق التسامح في قبول الآخر لتغييره وبين تضليل الخضوع لفلسفته يوجد بون نوعي واسع بين الاثنين، حيث انفصام جوهري بين آخر نتحد معه ونلتقي وإياه في ضفة واحدة تجمعنا قيم الإنسانية ووحدة المصير وآخر نقيض بالضد من الوجود الإنساني برمته ممن لا لقاء معه ويقينا لا مع برامجه التخريبية التدميرية.. في الحال الأولى يلزمنا استقلالية ووحدة مؤملة لحراك قوى التحرر والتقدم والسلام وفي الحال الثانية يلزمنا التنبه على ألاعيب تريد قوى الظلام والاستغلال بها جرنا إلى مغالطات توقع جمهورنا مجددا ولمرحلة أخرى في مخادعات وأضاليل ما أنزل الله بها من سلطان..

فهلا تفكرنا وتدبرنا قبل أن نوغل في خطوة خطيرة ستحيق بكل ما أنجزه العقل العلمي لصالح الخرافة وما يختفي وراءها من مآرب وأطماع؟؟؟

1 تعليقك

اترك رد