في الثورات والشعوب غير الناضجة


 

من البوعزيزي في تونس والي مصر وليبيا وسوريا والبحرين والكويت ومؤخرا في ايران، تفاوتت ردات الشعوب على أنظمتها وحراكها السياسي والاجتماعي للمطالبة بالتحسينات والتعديلات وتغيير الأنظمة والحكام .. بعض هذه الحركات قد نجحت في ذلك ولكنها سرعان ما انتكست الي الأسوأ، وبعضها لا يزال قائما ومشتعلا، وبعضها الأخير قد تم وأده أو كما يعرف بانتهاء مفعول الغضب وركود الشعب الي مصيره.

ما يجمع هذا الحراك الشعبي تاريخيا هو الثورة .. بمعنى الغضب وخروج الجماهير الي الشارع كردة فعل على الظلم واللاعدالة والفقر والتهميش والطغيان الذي يمارسه النظام على المحكومين. وترفع الشعوب المظلومة والمسحوقة عادة مطالب متعددة تتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية وصولا الي الإصلاحات السياسية، ولا شك أن الشعوب العربية نجحت تماما في أمر واحد، ليس بتغيير الأنظمة جذريا، وإنما بكسر حاجز الخوف وترسيخ ثقافة سياسية جديدة قادت الي التغيير الاجتماعي والسياسي في دول عربية مهمة. وقد ساعدها في ذلك التطور التكنولوجي والإنفتاح الإعلامي وخصوصا في العالم الإفتراضي وهو مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة تجييش الشعوب والتواصل معهم الكترونيا. ولكن التاريخ وشواهده لا يعتد أبدا إلا بالتضحيات البشرية وإسالة الدماء للوصول الي الحرية والإنتصار الحقيقي على الظلم والاستبداد والوصاية.

وهنا علينا أن نفهم ونقدم تعريف الثورة وماهي عواملها وأسبابها ومحدداتها. فالثورة في تونس اختلفت عن الثورة في مصر، وكذلك عن سوريا أو ما حدث في البحرين والكويت وما يتعلق أيضا في حراك إيران مؤخرا. فضبط مفهوم الثورة أمر صعب جدا، بسبب تنوع الفهم للمصطلح وتنوع رأي المفكرين والفلاسفة والمثقفين منه بحسب ايديولوجياتهم أو بحسب البيئة والمجتمع الذي خرجوا منه، سواء في الغرب أو الشرق أو دول آسيا وأفريقيا. فلكل ثورة عواملها وخصائصها ولكل شعب قيمه ومعتقداته وتاريخه.

فالثورة تعني التغيير، واستخدم مفهوم الثورة بالمعنى السياسي بدأ في أواخر القرون الوسطى، كما يستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة للتغييرات الجذرية

والمفاجئة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية كما يقول شعبان الطاهر في كتاب علم الاجتماع السياسي. وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها: “التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريا وجوهريا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية”. ويعرف كرين برنتون الثورة في كتابه تشريح الثورة بقوله “إنها عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيان اجتماعي إلى بنيان اجتماعي آخر”. وعرفها البروفسور “هاري ايكشتاين” في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها “محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة” .

إذن في المحصلة، يمكننا أن نفهم أن الثورة بشكلها المجرد والنهائي هي نوع من التغيير الجذري والعميق في الدولة يستهدف مطالبات جديدة وإزالة بنى قديمة مكانها تختص بالعدالة والمواطنة والحريات والتطور.

ولكن، لماذا نجحت الثورات الشعبية في الغرب وأفريقيا ولم تنجح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ولم تقترب حتى من التصادم مع البنى السياسية والاجتماعية والدينية القديمة. فهل الخلل في الوعي العربي الإسلامي، أم الخلل في الشعوب التي لم تقدم تضحيات كافية، أم الخلل في العلاقات الدولية الحديثة والقائمة على المصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية والدولية التي تمنع أو تؤجل أي ثورة في المحيط العربي الإسلامي.؟؟

في الواقع، أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تختلف إختلافا جذريا في عديد من المسائل الاستراتيجية المؤثرة. فدول الخليج مثلا هي دول غنية نفطية أنظمة الحكم فيها وراثية عائلية قبلية والشعوب تعيش فيها برفاهية ودلع وبذخ، بينما الشعوب في الشرق الأوسط تعاني من اختلالات في الاقتصاد ولكنها أيضا أنظمة حكم عسكرية أو جمهورية استبدادية. وهنا نفهم أن الثورة هنا في مجتمعاتنا هي إفراز لواقع اجتماعي وهذا الواقع يختلف من مجتمع إلى آخر، لذلك لا يمكن الجزم بأسباب محددة بعينها تتوفر في كل الثورات في منطقتنا لان كل ثورة هي وليدة سياق معين لذا تتعدد الأسباب بتعدد الظروف الثقافية والاقتصادية والسياسية.

فإذا كان الفيلسوف الفرنسي سان سيمون يرى بأن التطور التاريخي للجماعات البشرية هو صراع دائم بين الطبقات الاقتصادية في المجتمع بين من يملكون ومن لا يملكون. فإن كارل ماركس يرى أن جميع الثورات مهما أختلفت أشكالها ذات طبيعة واحدة، فالثورة حسب ما يعتقده هي مرحلة طبيعية وحتمية في حياة المجتمعات.

ولكن الواقع الثوري العربي لم يشهد مثل هذه الثورات، فلا طبقات اقتصادية معروفة في الدول العربية، فغالبية التجار هم إما منتفعين من الحكومات أو على علاقات عائلية مع الحكام، ولم يعاني واقعنا أيضا من ممن يملكون ومن لا يملكون، فدول الخليج العربية تملك الكثير والثروة النفطية يوزع بعضها على الشعوب، إما عن طريق الرواتب العالية أو الدعم الحكومي لمجالات الصحة والتعليم وغيرها..وما خرج من حراك سياسي في الكويت لا يعدو كونه عن امتداد ديني لحركة الأخوان المسلمين في مصر وأذرعتهم في المنطقة العربية باستغلال الهامش الجزئي للحريات السياسية في الكويت، بينما في البحرين تم استغلال الحراك السياسي للإصلاحات فيها بشكل طائفي يصب في مصلحة إيران ومطالباتها المتكررة للبحرين.

بينما في الدول العربية قد انتهت موجة الحراك بتغييرات جزئية في تونس وتغيير النظام في في مصر الي الإسلاميين ثم العودة الي الحكم العسكري، وبقت ليبيا تعاني من الصراعات القبلية وتدخلات بعض الأنظمة الخليجية فيها، وسوريا استمرت في حراكها الي اليوم بعد تدخلات إقليمية ودولية أنهكت الشعب والمنطقة العربية برمتها بعد اعتبار أو توجيه الثورات الي نواحي دينية وطائفية. بينما في إيران بقى المشهد السياسي فيها محكوما بالايديولوجية الدينية وولاية الفقيه بعد ان انتهى الحراك الشعبي فيها بخروج مظاهرات مضادة ووعود من الحكومة الدينية بتعديل وإصلاحات سياسية واقتصادية كانت السبب الأول والأكبر في خروج أجزاء من الشعب الي الشارع للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية.

بشكل عام يمكن اعتبار الحراك الشعبي في مجمل الدول العربية والإسلامية مجرد تنفيس وغضب عن أوضاع اقتصادية رثة وفساد ظهرت أشكاله وتهميش لبعض الفئات، ولم يرتقي الي أن يكون حراكا ثوريا يطال البنية السياسية والاجتماعية والسياسية والدينية. وهو ما

يحيلنا الي اعتبار ان الوعي الفكري والثقافي حول قيم ومبادئ الثورة ومتطلباتها وتضحياتها لم يختمر بعد في العقول العربية والإسلامية..فالكثير من الشعوب العربية اليوم تتمنى أن يعود الحكام العرب السابقين..يتمنون عودة صدام حسين والقذافي وحسني مبارك وغيرهم لانهم على الأقل وكما يعلنون ذلك بأنهم كانوا يعيشون في أمن وسلام بدون إنقطاع للكهرباء مع توافر للطعام والرواتب الهزيلة، ولم يتكلم أحد أو حتى يهمس عن حاجته للحرية والديمقراطية والعلمانية والمساواة وهي المبادئ التي أدت الي نجاح الثورات في الغرب.

إن الثورة تحتاج إلى أيديولوجيا فكرية وفلسفية تحدد المبادئ والأهداف المنشودة لها، وتساعد في تحريض الشعوب على الخروج والانتفاض والاحتجاج في سبيل تحقيق هذه الأهداف. وطالما أن الوعي العربي والإسلامي يخشى حتى اليوم من مواجهة ذاته وتاريخه ومعتقداته، فسوف يظل يصرخ ولكن في وادي غير ذي زرع. إن العقل العربي يحتاج في الحقيقة الي فترة زمنية، أراها طويلة جدا، حتى تتراكم الدوافع وتنضج ظروف الثورة الحقيقية ضد الإستبداد والوصاية والحكام الطغاة..فكم من ثورات قد فشلت في التاريخ..ولكن وبالمقابل كم من ثورات نجحت لأنها تحمل الفلسفة الصحيحة والأمل الوحيد والرؤية المستقبلية.

لا تعليقات

اترك رد