قيد


 

إنه الوجع يستبد بي، لا أجد وسيلة لمسايرته، كل اللحظات الدافئة ضربها الشتاء في غير هوادة، زمن الرحيل يطلب أوراق الخريف، تقزمت الأزمنة، انطوت الأمكنة، غدا كل شيء مصابا بالملل، تفرست في الوجوه فإذا هي مصابة بالعجز والوهن، عرفت أخيرا أن عقول المحيطين بي مصابة بتكلس لا علاج له، مصابون بمتلازمة داونج، ، في آخر زيارة للحي الذي سكنته منذ كنت شابا كان كل شيء كما هو، أقراني يضعون نظارات بيضاء على عيونهم، عندهم قصر نظر، هذا ما أخبرني صديق كنت أسر له بأحلامي، كثيرا ما تجاذبنا الحديث في موضوعات شتى، كانت نظرتي إلى الأمور مقولبة بإطار من حدية مرهقة، لم أعرف غير لونين: الأبيض أو الأسود، ثمة درجات للون، رحم الله معلمتي في الصفوف الأولى، لم تطلعني على ألوان الطيف السبعة، من يومها صرت مصابا بتخشب معرفي، انزويت بعيدا، سرقتني المدينة سنوات عدة، همت على وجه مثل قط ضال، وجدت الكثيرين يسكنون أرصفة الشوارع البازلتية، قادني
التصعلك في المتاهات إليه، عمامة خضراء، ثوب أبيض، المسبحة المدلاة من رقبته، خيوط النور التي تلوح من كتاب وجهه، يتراقص الكون بين شفتيه حين يتلو ورده، تسربلت بثوب منه، غرفت بقبضة يدي من أثره، تشممت عطره الندي، مضى العمر دونما رغبة جسد، امتلأت جعبتي بأعمدة الحكمة السبعة، بدوت في عيون المحيطين بي مصابا بلوثة قاهرة، لم أعد أهتم بعقارب الساعة، أنثر الورد على جانبي الشارع المصاب بتخمة الامتلاء، في أحيان كثيرة أمسك بالقلم، أرسم لوحة وراء لوحة، ثم ألقى في اللهب المنبعث من الحارة الخلفية وهجا ، تتراقص النيران من حولي، أشدو بأغنيتي الحزينة، أترنم بها ؛ يتتابع حدائي مثل طفل في زحمة الحرمان ضل طريقه.
لقد جنى علي ذلك المعمم برداء الروح، كان مثل الطيف يتماوج، جذبني إليه، حاولت الهروب منه، أمسك بي، أحكم خناقه حول رقبتي، كرهته، تمكنيت موته، لكن الوسائل تشي بي، إنه يطالع في كتاب أصفر موضوع في مخلاة يحملها على ظهره، يدب بقدمين مثل نخيل جدي العجوز، جاءني خاطر ماكر؛ أن أسرق المحبرة، أو أثقب المخلاة بإصبعي حين أعانقه، حين هممت أن أفعل أمسك بي، ساعتها انثالت عبراتي ملتاعة، انهزمت أمامه مثل كل مرة.
وفي مرة انزويت بركن قصي، نظرت إليها، مثل خيط العنكبوت صارت حكمته، تطايرت أوراده في يوم عاصف كأنما هي بقايا ريش طائر مهيض الجناح.
جذبتي مثل ملكة النحل، همت نفسي أن ألج البحر اللجي، تأخرت قليلا، فالخطو هنا محرم، منعنى منه ألف قيد، بدا لي خياله يتراقص فوق صفحة الماء، اللمحة الشاردة شفاء، أما التمعن في قرص العسل المدور مثل البدر ليلة التمام؛ دونه السوط والعنت، اغتربت في بلاد تطارد الحلم، تقيم المقصلة عند كل ناصية، أخذت أعدو وفي كل مرة يزداد الوجع المغلف بالحرمان، عاودت سرد حكايته معي، لقد ظلمني بسؤال المنع، لم يترك لي حرية التصرف، مارس علي سطوة مقيتة، تفرست في الوجه الذي يختال فوق صفحة النهر؛ كنت أنا، وما كان غير وجهي، تقزمت رغبتي حتى تسللت عبر رمال الشاطيء، من بعيد وعلى متن موجة قادمة – سقيت بماء السماء- لاح الأمل، ابتسمت ومن جديد دبت الرغبة في نهار مشرق.

لا تعليقات

اترك رد