أنسي الحاج وإمكانيّة تخطّي اللّحظة الحرجة


 

أبدع الشّعراء في مختلف العصور في وصف الطّبيعة لاسيّما الغيم الّذي اختلف وصفه واستخدامه كدلالة رمزيّة من شاعر إلى آخر. فمنهم من اعتبره رمز الخير والعطاء، ومنهم من اعتبره رمز التّطهير وغسل الذّنوب. لكنّ أنسي الحاج في قصيدة “غيوم”(*) يرى في الغيم فعل المعلّم الّذي يحمل في ذاته المعرفة، والاختبار، والحكمة، والصّبر…

غيوم، يا غيوم
يا صعداء الحالمين وراء النّوافذ
غيوم، يا غيوم
علّميني فرح الزّوال!…

الغيم، شكل من أشكال الماء المرتبط دلاليّاً بالحياة والخصب والخلق، يحضر ويرتحل بصمت، وبين صمت الحضور وصمت الرّحيل يهدر بقوّة ليفيض الماء/ الحياة خلاص الّتّراب. يستدعي أنسي الحاج الحالم من خلال الغيم رحلة لم تحدث بعد. ويتوق للحكمة المحتجبة فيه (فرح الزّوال) ففيها يكمن جوهر الوجود وخلوده كفعل حياة مستمرّ لا ينتهي ولا يتبدّد. فالغيم المتشكّل من الماء/ الحياة، يمنحه ثمّ يزول، لكن على رجاء العودة من جديد، محمّلاً بذات الحياة وبذات الفيض. ما يدلّ على ديناميكيّة الغيم الّذي لا يزول عمليّاً وإنّما يتحرّك داخل جوهر الحياة يأخذ منها ويمنحها. ولعلّ أنسي أراد أن يتعلّم من الغيم فرح العودة لا فرح الزّوال. فالزّوال موت، ونهاية حتميّة. وأمّا فرح الزّوال فهو الرّجاء بالعودة كما الغيم، ليمنح ذاته فيض حبّ، ويرحل ثمّ يعود.

يتمدّد الغيم في القصيدة ليكون محور تأمّل في الكينونة الإنسانيّة الوجوديّة، في تفاصيل الحياة وحركتها. كما أنّه يرتدّ إلى ذاته في هذا التّأمّل، لا ليبحث عن الحقيقة، بل وهو المتلمّس خيوطها يكتشف اليقين ويتحاور مع القارئ بطريقة غير مباشرة ليبيّن الحالة الإنسانيّة بعمقها المتألّم المتحيّر، ويذهب إلى الثّمن الّذي تدفعه مقابل أن تحيا وتستمرّ. يعلن أنسي حقيقة أدركها واختبرها ويشبه الغيم في حالة الفيض ليسهم في خلاص الإنسان كما يخلّص الغيم التّراب من القحط واليباس. (لا أسأل لأُجاب، بل لأصرخ في سجون المعرفة).

فيدلّ بذلك على جهل يستحكم بالإنسان، جهل بذاته وبكينونته. ويأتي الفعل (صرخ) مدوّياً كما الغيوم في سبيل أن تهطل المعرفة مثل المطر لتروي الجفاف المعرفيّ. ولا يمنح أنسي لنفسه ملكيّة الحقيقة، أو كمال المعرفة، لكنّه لا ينقاد للخمول والرّكود، ويواجه الحياة بالألم ليستمرّ.

ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم
ولا أن يظفر بدون جزية.
لا أعرف من قسّم الأقدار، ومع هذا فإنّ قدري أن ألعب ضدّها.

جوهر الحقيقة الحبّ الّذي يخضع كذلك للتّأمّل لاسيّما أنّه خلاص الإنسان. والحبّ رجل وامرأة، وأنسي يرنو في هذه القصيدة إلى “الرّجل” و”المرأة”، ككائنين معنيّين بصلب الحقيقة. ولا ريب أنّه ينطلق من ذاته لسبر أغوارهما الوجوديّة. (هل يحبّ الرّجل ليبكي أم ليفرح؟/هلمّي يا ليّنتي وقاسيتي، يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة). يتحدّث أنسي عن الرّجل والمرأة ككائنين يحتويان حقيقة العلاقة وحميميّتها ووجوبها. لا حياة بالمعنى العميق للكلمة دون لقاء هذين الكائنين. إنّهما الحقيقة الّتي يحلم بها أنسي. تلك الحقيقة الملتبسة المعنى لدى سائر البشر.

اسألني يا الله ماذا تريد أن تعرف؟
أنا أقول لك:
كلّ اللّعنات تغسلها أعجوبة اللّقاء!

أنسي الحاج قريب جدّاً من الحقيقة (اسألني يا الله ماذا تريد أن تعرف؟) هل أراد أنسي بهذه الجملة الدّلالة على نقص المعرفة الإلهيّة، أم هو الانغماس في الحقيقة حدّ التّعامل مع الإله ندّاً لندّ؟ أم أنّه يصوّر الشّكل الإلهيّ للرّجل والمرأة، فتتكوّن صورة الله بلقائهما؟ اللّقاء ببعده الجسديّ والرّوحيّ يحضر في هذه القصيدة، ليعبّر عن لقاء متكامل يولي من خلاله أنسي الحاج الرّغبة مكاناً مقدّساً تتحقّق من خلالها وجوديّة الحبّ كفعل خلاص من الأقدار المعذّبة.

وجمر عينيكِ يا حبيبتي يعانق شياطيني
تنزلينني إلى ما وراء الماء
وتصعدينني أعلى من الحرّيّة.

الحركة التّنازليّة التّصاعديّة تبيّن فلسفة العلاقة بين الرّجل والمرأة من ناحية الاتّحاد الكيانيّ، فترتقي إلى الحرّيّة والملائكيّة فتكون الحياة. (من يخاف على الحياة وملاك الرّغبة ساهر يضحك؟). وبذلك ينتشل أنسي علاقة الرّجل والمرأة من بؤس الجهل إلى مقام المعرفة بحقيقة الحبّ.

نظرة واحدة
وعيناك الحاملتان سلام الخطيئة
تمحوان ذاكرة الخوف
وتسيّجان سهولة الحصول بزوبعة السّهولة!

يبتعد الشّاعر في هذه السّطور عن العلاقة/ الخطيئة كلّ البعد، ليحوّلها إلى فلسفة وجوديّة مرتبطة بالحبّ الأسمى، بحقيقة الإنسان وسرّ وجوده، وبسلامه في هذه الحياة. إنّها العلاقة سرّ الخلق، والعلاقة/ الحقيقة

الّتي عليها بنيَ الوجود الإنسانيّ. حقيقة الرّجل المتعطّش لأحشاء الأمّ الرّمز، وحقيقة المرأة أم الحياة. وسيعرض أنسي هذه الحقيقة بنشيد ضمن القصيدة يحاكي فيها المرأة الأمّ/ أمّ الحياة الّتي تحتوي الرّجل فيكتمل بها.

أيّتها الغلاف الحليبيّ للقوّة
يا ظاهر البحر وخفيّ القمر
يا طمأنينة الغرق
يا تعادل حلمي وحركاتك وخيبتي وإدهاشك
يا فوح الجذور الممسكة بزمام الأرض،
أيّتها الصّغيرة المحمّلة عبءَ التّعويض عن الموت،
عن الحياة والموت

تلك المرأة/ الأمّ الملتبسة بتركيبتها مع تركيبة الرّجل هي الطّريق إلى الحقيقة بحسب أنسي، وهي الحاجة الملحّة له، وبفقدها يتهاوى ويتلاشى وتأسره الوحدة القاتلة والشّعور بنقص فادح. ما يعبّر عنه أنسي بلفظ (خيانة) الأشدّ قسوة من كلّ فقد. وهنا يتجلّى ألم الحرمان عند أنسي الّذي يتّهم القدر بالخيانة؛ لأنّه يشعر في العمق بالفقد وبالحرمان من المرأة. أنسي الّذي فقد أمّه ثم زوجته يصرخ بصمت ويتوجّع من حرمان يؤرّقه عميقاً ويؤجّج في داخله التّساؤلات، والقلق، والعذاب.

خيانة دوماً، خيانة لا تُطاق
أفدح من أيّ فقد،
خيانة تسلبك عمرك
تسلبك أمّك وأباك
خيانة يا إلهي أكبر من حضنك
ولا أحد يسطيع شيئاً!
لا أحد يسطيع شيئاً!

في تناص غير مباشر مع سفر التّكوين في فصوله الأولى يروي أنسي الحاج قصّة الخلق ويمنحها طابعها الملائكيّ العذب المتجرّد من بشاعة الألم. لكنّه يصوغها بما يتوافق وحلمه وبحسب الرّغبة العميقة في استعادة لحظات ما قبل فعل الخلق (في وقت من الأوقات لم يكن أحد). لكن يبدو أن أنسي يصف المشهد وكأنّه في رؤية، فيقلب حركة الطّبيعة (كان الهواء يتنفّس من الأغصان/ والماء يترك الدّنيا وراءه/ لم يكن

أحد إلّا وله أجنحة/ وما كان لزوم للتّخفي/ ولا للحبّ/ ولا للقتل). وكأنّي به يعاين الفردوس الّذي محوره المرأة الأم. (كانت الأمّ فوق الجميع/ وكان الولد بأجنحته). وهنا عودة إلى العلاقة الوجوديّة بين الرّجل والمرأة، تلك العلاقة الكائنة قبل الزّمان والمكان. لكنّ الألم حلّ، وتلبّد الفردوس بغيوم على أهبة الفيض. فيخرج أنسي من الرّؤية أو يتمّ إخراجه منها بفعل الألم، ليعود إلى الصّراع الدّاخليّ بين الشّوق والفقد، بين الرّغبة واللّقاء. لذلك يرنو أنسي إلى الغيوم، ويتطلّع إليها كبركة تغسله من الألم، وربّما الذّنوب، وتطهّر نفسه حتّى يتمكّن من تيقّن معنى فرح الزّوال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نُشرت القصيدة سابقاً في الملحق الثّقافي لجريدة النّهار قبل أن يعدّلها الشّاعر لاحقاً كما نُشرت في كتاب “كان هذا سهواً”.

شارك
المقال السابقشرنقة
المقال التالىقيد
مادونا عسكر كاتبة لبنانية من مواليد 1974. تعمل كمدرسة لغة فرنسيّة وعربيّة. لديها العديد من المقالات مجلات وصحف إلكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد