وائل المرعب تقترن خلجات نفسه مبكراً بين شعر التفعيلة والرسم الحُر

 

هنالك صفات إقترنت مبكراً عند ألفنان – وائل المرعب – تميز بها عبر مسيرته الحياتية نحو الإتجاه السلوكي ألذي يقترب من هواجس مشاعر موهبته المخزونة في الذات وبين مسلك طريق الدراسة ألتي أجبرته في الإختيار، ونقصد بها مغادرته على التقديم إلى أكاديمية الفنون الجميلة ألتي تكمن في داخله دفقا من الميول الكبيرة نحوها، ولكن عدم رغبة الأهل في إختيارها، لذلك أتجه نحو كلية الإدارة والإقتصاد لتكملتها، علما بأنها أيضا كلية لها خصوصيتها ووقعها المؤثر في الإدارة والبنية الإقتصادية للمجتمعات بثقافة علمية دقيقة ترتبط بكل جوانب التنمية ومنها (التخطيط) ألتي تعد الهيكل الرئيس للتنمية،

وهذا ما لمسته أنا بنفسي حينما كنت في الإعدادية، كانت ميولي تتأرجح بين الإتجاه نحو الفنون الجميلة أو كلية الإدارة والاقتصاد أو كلية القانون والسياسة فرع السياسة، ولازالت مصطلحات الأقتصاد تجول في ذهني بعد مرور أكثر من 40 عام، منها رأسمالية الدولة وميزان المدفوعات وفائض القيمة، وكذلك المراحل الإجتماعية الإقتصادية بالمفهوم الإشتراكي عبر مراحل المشاعية ثم نظام الرق أو العبيد ثم الإقطاع. .إلخ ما أشرت له ليس الإبتعاد عن محور الحديث عن إتجاه ألفنان – وائل المرعب – بقدر ما نقصده هو الإيحاء له بأن لايندم على هذا الإختيار كونه إتجاه علمي ملهم للشخصية الثقافية، تكمل ما لديه من مواهب إقترنت معه منذ الميلاد، وهو الرسم ألذي أشارت له (معلمته) في الإبتدائية عندما رأته وهو في مرحلة مدير متحف الرشيد للفنون، وقالت له هل لازلت رساماً؟ حيث تتجسد في ذاكرتها منذ كان في عمر مبكر قبل الدخول إلى الإبتدائية،

وأنا أود أن أشير إلى ألفنان – وائل المرعب – كوني خريج كلية الفنون الجميلة / بأن هنالك أعداد هائلة وعبر عقود تتخرج من كلية ومعهد الفنون، وفي كل الإختصاصات التشكيلية والسمعية أو المسرحية، لم تكن لهم مكانة متميزة بإستثناء ألفئة المحدودة ألتي تتساوى معها وتنافسها مواهب أخرى لم يدرسوا في الإختصاص كالدكتور علاء بشير وغيرهم . وما يثبت ذلك الأثر الإبداعي المتميز عند ألفنان – وائل – وبرغم ذلك حاول الدخول إلى معهد الفنون الجميلة – بعد التميز الكبير في نتائج الإختبار، ولكن تم إلغاء قبوله لأسباب معروفة، عشناها وهي كل الكليات والمعاهد ألتي تؤهل الخريجين إلى التدريس ينبغي الإنتماء إلى الحزب الحاكم آنذاك. وهذا الأمر عاناه الكثيرون من كبار الفنانين ومنهم الرائد الدكتور خالد الجادر – ألذي أرغمته الضغوطات أن يكمل دراسته في الخارج وعند عودته لم يتعين فغادر إلى دولة عربية سنوات كثيرة ولكن فيما بعد أتيحت له الفرصة وكان هو المؤسس إلى أكاديمية الفنون الجميلة.

وطبعا في المناسبة أنا عشت نفس المشكلة عندما قدمت على معهد الفنون الجميلة تم نجاحي في الإختبار ثم بعد ذلك ألغي القبول حينها أتيت إلى البيت بدموع ساكبة وحزينة مزقت في حينها أعمالي الفنية بإنفعال. . ولكن بعد صبر طويل أكملت الإعدادية للدخول في أكاديمية الفنون آنذاك. ولم أقبل في الدراسات العليا في وقتها للأسباب ذاتها. وأكملت الدراسات العليا بعد الأحداث. . وعودة إلى ألفنان – المتميز وائل المرعب – فإنه تتلمذ في مرحلة المتوسطة والإعدادية على يد فنانين رواد مهمين في الحركة التشكيلية العراقية وهم: ألفنان شاكر حسن آل سعيد – والفنان سعد الطائي – وفي الوقت ذاته فإن إقترابه واختلاطه وامتزاجه المستمر في الوسط الفني التشكيلي له الدور الكبير في المواصلة والتجسيد العملي في المسؤليات الإدارية وكذلك العمل في المجلات المعروفة المهمة. وفي الوقت ذاته تتناظر مع الرسم مقترنات مكملة ومتبادلة بينهما بين التكوينات البصرية المتمثلة بالرسم وبين النطق الشعري المتحرر من قيود الشعر العمودي نحو شعر التفعيلة ألذي كان يتعارض مع إتجاه أبيه ألذي لايتوافق معه في هذا النطق المتجدد الحر.

– مضامين وإشارات لونية –
في أعمال الفنان – وائل المرعب – هنالك صفتان تجسدهما عوامل ومصادر مؤثرة وملهمة لحيثيات التطبيق العملي ألفني لتكويناتها الشكلية وثيماتها الفكرية الدافعة لتحريك هواجسه المتبادلة مع المحيط. . الأمر الأول ينطق بموجاته اللونية الفائرة بالحرارة والمتضادة في التجاور كأنعكاس للأحداث الصاخبة ألتي قطعها العراق عبر عقود متوالية.. والأحداث لاتقتصر على الحروب فحسب كخسائر أجساد بشرية، وإنما مردوداتها النفسية ألتي إنعكست بحدة وقسوة وألم ووجع على من بقي في الحياة إما سالما جسديا أو معوقا، فضلاً عن قساوة التعامل إلا إنساني من الجهات الرسمية ومن الصراعات الإجتماعية ألتي أيضا تفعلت أكثر نتيجة الأحداث الصاخبة، وتم نمو فعالية تلك الأنحدار ات الإجتماعية بالاحتيال والتسليب والخداع والغدر والقتل بين الفئات الإجتماعية أثناء مرارة الحصار، برغم مغادرة ألفنان – وائل المرعب – في بداية الحصار. .

إلا إن الأمور لاتعني إنقطاع تواصل المشاعر والإدراك الحسي لمحيطه الأول من خلال الخطوط المستمرة في الذات والإعلام والأهل. والجانب الثاني حسب ما أشار له سبب إستخدام الآلات الموسيقية في أغلب أعماله ألفنية بطريقة تعبيرية تجريدية من وقع حادث هز مكنونات مشاعره الحساسة ألتي يتميز بها ألفئة المثقفة ألتي تتحسس مشاعر محيطه الإجتماعي، عكس الفئات الظالمة المدمرة سواء في السابق أم الآن بالطرق والأوجه والوسائل الأخرى.

حيث أشار (تبنيت الموسيقى وعالمها السحري ليس بمفهومها المجرد وإنما أردت تجسيد الفعل الموسيقي من خلال العازفين وأدواتهم، وقد دفعني الى ذلك حادثة مرّت بي وأنا في بيتي عام 2007 حينما كان أبني الأصغر يعزف على آلة الأورغ بصوت عال حصل إنفجار قريب جدا اهتزت له جدران بيتي لكن بقي صوت الموسيقى هو الأعلى .عندها تساءلت لم لا نحارب الإرهاب بالموسيقى ما دام صوتها هو الذي يطغى وفعلا أقمت معرضيّ الأخيرين في أبو ظبي معتمدا ثيمة الموسيقى). وفعلا ما أشار له الفنان – وائل – هو جوهر مفهوم المحاربة الحقيقية لمسح المجالات ألتي ينمو بها جذور براعم الإرهاب والتخلف والجهل والصراعات (الضاغنة والضاغطة) على حرية واستقرار الشعوب، لذلك على الجهات التعليمية الرسمية أن تعود مرة أخرى إلى تدريس الفنون ومنها الموسيقى والرسم، كما كان في زمن النظام الملكي بتدريس فن الرسم وكذلك الموسيقى ألذي تبناه بعض الرواد ومنهم الفنان – جميل بشير – أما تجاهل الفنون ألتي تنمي المشاعر الحساسة منذ مرحلة النمو عند الأجيال سيكون لها بديل هو التعصب والقسوة والصراعات العنيفة بين القلوب يغذيها ويرفدها أصحاب المعتقدات الخرافية والجهلة وأصحاب المصالح الخاصة. الأمر الآخر ألذي يتميز به الفنان – وائل المرعب – هو ممارسة الخوض المتنوع في التجريب لكل الأساليب ألتي تسر خاطره ومشاعره وألتي يتفاعل معها بحيوية بدءاً من الواقعية وانتهاءا بالتجريدية التعبيرية،

ولا زال الأمر يلازمه حين رصدت له عمل (واقعي إنطباعي) قبل الكتابة عنه بيومين، العمل يعكس البيئة الكندية التي يقيم بها، حيث تسودها الألوان الهادئة الباردة الخضراء والزرقاء وتموجات لألوان متدرجة، بطريقة إسلوبية مختزلة متفردة تميز هويته الأسلوبية الخاصة. وائل المرعب – خريج كلية الإدارة والأقتصاد عام 1970، فنان تشكيلي سلك طريقه بجدارة بين زملائه عام 1978 كانت بداياته الأولى، إذ عمل رساما بالصحافة في مجلة فنون ثم أنتقل إلى ألف باء فترة قصيرة وبعدها جريدة الجمهورية وأخيرا مجلة آفاق عربية عام 1985 حتى عام 1991 الذي انقطع فيه عن الرسم في الصحافة وتفرغ لعمله الفني إذ إنتقل عام 1985 الى وزارة الثقافة والإعلام/ دائرة الشؤون الفنية وأصبح مديرا لقاعة الرشيد وبعدها مديرا للمتحف الوطني للفن الحديث وآخرها مديرا لجناح الفن العراقي المعاصر في مركز الفنون حتى أحال نفسه إلى التقاعد بداية فترة الحصار الجائر على البلد.أقام تسعة معارض شخصية ( بيروت عام 74 ـ أثينا عام 79 ـ بغداد 85 و 86 و 88 و 94 ـ عمّان 92 ـ أبو ظبي 2007 و 2008 ) ثم بعدها تهيأ لإقامة معرضه العاشر في تورنتو / كندا التي يقيم فيها . عضو جمعية التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين العراقيين والإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وجمعية الاقتصاديين العراقيين.

لا تعليقات

اترك رد