المحلفون


 

لم أتوقع في حياتي أن ادعى يوماً لأكون عضو (هيئة محلّفين) ، تلك التي تشكل عماد القرارات التي يتخذها القضاء خلال النظر للحوادث والجرائم التي تحدث في البلاد.

فقد وصلتني في البريد اليوم رسالة غير متوقعة فعلا ،( ( Jury Summonsتشير الى اختياري للمشاركة ضمن هذه الهيئة في محاكمة تستمر لمدة اسبوعين ، اختيار الشخص بالطبع هنا ليس مقصودا بالذات بل ضربة حظ تحكمها بعض القواعد الاولية أهمها ان يكون انسانا مستقيما ، والانسان المستقيم في هذه البلاد هو من يخشى القانون فيسْلمَ الناس من أذاه.

هيئة المحلفين
وللمزيد من القاء الضوء على هذا الامر بداتُ بحثا بسيطا عن اصول وتفاصيل هذه الهيئة التي طالما سمعنا عنها في الاخبار والروايات والقصص وكانت تثير لدينا الفضول حين نرى تخطيطات شخوصها بالقلم الرصاص حيث يمنع تصويرهم .لنجدها في ابسط تعاريفها : مجموعة من المواطنين يدعون للمشاركة في مجلس القضاء مع رجاله، بعد حلفهم اليمين لسماع الدعوى وإصدار قرارهم في وقائعها،

ليقوم القاضي بتطبيق حكم القانون على هذه الوقائع. ويتخذ المحلفون صورتين أساسيتين : هيئة المحلفين الكبرى grand jury ، وهيئة المحلفين الصغرى petit jury، والكبرى هي مجموعة أشخاص تتكون من ثلاثة وعشرين شخصاً، يدعون من وقت إلى آخر بوساطة المحكمة للتحري عن الجرائم، فهي التي تقرِّر ما إذا كانت هناك أسباب محتملة للاعتقاد بأن شخصاً ما قد ارتكب جريمة معينة، وتسمى بهيئة محلفي الاتهام، فهي تقوم بدور المدعي في توجيه قرار الاتهام. وأما الصغرى وهي الحالة التي دُعيتُ لها فتسمى بهيئة محلفي المحاكمة trial jury وتتكون من اثني عشر شخصاً يدعون للإسهام مع القضاة في سماع الدعوى والبتّ في وقائعها بإصدار قرار يحدد مسؤولية المتهم فيما إذا كان مذنباً أم غير مذنب.

شروط الاختيار
هناك بعض الشروط العامة لابد من توافرها في المواطن الذي يختار محلفاً في قضية ما، وهي عموما تتصل بشرط السن كأن لا يقل عن إحدى وعشرين ولا يزيد على ستين سنة في بريطانيا، وشرط الإلمام بالقراءة والكتابة، وشرط يتعلق بحسن السمعة والخلق واتزان الشخصية، فمن حُكم عليه بعقوبات معينة مثلاً لا يصلح للعمل محلفاً، وهناك شروط أخرى قد لا تنص عليها التشريعات مثل الشرط المتعلق بالحالة الصحية للمحلف وهي مسألة يقدرها القاضي، ولأطراف الخصومة الاعتراض على المحلف كما لو كان أعمى أو أصم؛ لأن مثل هؤلاء لا يصلح للقيام بمهمة المحلف على وجه مقبول.

ورغم تعدد المصادر حول أساس نشوء المحاكمة بطريقة المحلفين الا انها تُجمِع على انها ليست نظاماً ناتجاً من تشريع برلماني رسم حدودها وحدد وظائفها، وإنما نشأت تلك المحاكمة تدريجياً، وهي بكل الأحوال صورة من صور إسهام المواطنين في إقامة العدالة،وفكرة إسهام المواطنين في إقامة العدالة وُجدت لدى مختلف الشعوب القديمة.

من التعليمات الاساسية ، ان ينفصل المحلفّون عن عوائلهم ويسكنون فندقا خلال ايام المحاكمة مع منع تناول موضوع المحاكمة اثاء احاديثم فيما بينهم كي لايتاثر أحدهم بالاخر ويدخلون في نقاشات قبل ان تكتمل صور المرافعات واللوائح المتعارف عليها داخل المحكمة، وما ان تنتهي كل هذه الاجراءات حتى يعقدوا اجتماعا خاصا بهم ليس للمحكمة او القضاة دور فيه أو تأثير عليه ، ويجب ان يتوصلوا جميعا في النهاية الى رأي واحد فقط (هل ان المتهم الذي حوكم أمامهم بريء أم مذنب )، لان المحكمة هي التي تتكفل بنوع وحجم العقوبة حسب اللوائح فيما اذا خرجوا بالخيار الثاني. .

حاجتنا الى المحلفين
ماذا لو طبق نظام المحلفين في بلداننا العربية ، ؟ ماذا لو تحرر الحكم على الافعال والتجاوزات والجرائم من سلطة التعميم واتيح للناس ان تتدخل في توصيف الذنب من عدمه في ذلك كله . ان نظام المحلفين الذي تعتمده دول كثيرة يعتبر مدرسة في الحقوق والترشيد السلوكي للناس جميعا ، فاذا ما افترضنا ان لندن وحدها تضم مئات المحاكم الخاصة ( محاكم التاج تحديدا) وكل محكمة تكلف اثني عشر مواطنا اسبوعيا ، سيكون لديك بمرور السنين الافا ثم الاف من المواطنين غير المختصين وهم يتابعون ويشاركون ويتعقبون الاجراءات القانونية والمحاكمات الجزائية ثم يحكمون ، وهذا بالنتيجة يعد تدريسا تلقائيا للمجتمع كله . مالذي يمنعنا في بلادنا من اشراك طلبة المحاماة وطلبة التربية والموظفين والنساء والرجال في امر كهذا ، كي ننقذ قضاءنا وعدالتنا من تحقيقات الغرف المظلمة / ، فكم من الخيانات والمظالم ارتكبت في تاريخنا العربي ، وكم من ضمير ناقص برّأ مدانا ، او أدان بريئا ، وكم من المحاكم الباطلة والمقاصل الظالمة في الخفاء جرفت بارواح ابرياء الى الموت قبل أوانهم،لتجعل من ارض الرسالات والالهة ،منابت للشر والعنف وموت العدالة ، ذلك التاريخ المرير والحياة الملفقة المقيدة، تستدعي أن يدخل الناس العامة الى ميدان التحكيم ، الى كهوف العدالة المهجورة في بلداننا ، انها امنية بعيده ، ولكنّ مجرد التفكير بها يكمل عتزازي بدعوتي لاكون عضوا في محاكمة يشهدها قضاء عريق محترف في المملكة المتحدة ، احكم معهم بشرع الله ، اي : بشرع العقل والحكمة والعدالة .

المقال السابقتدوير الأحزاب .. تحالفات مكر وخداع للجماهير
المقال التالىمضار الاعتماد على الحكومات
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد