لم نَحتفل بالعام الجديد؟


 

في كل رأس سنة ميلادية جديدة، أُمسي مع العائلة والاصحاب للاحتفال بهذا المُطّل الجديد، و الآتي من بعيد، إمّا بمطعم أو بحضور لحفلةِ فنان يمتعنا بأنغام وألحان التراث القديم. و حقيقة الأمر أنّني لم أَصب بعد على سبب يَروي تساؤلي عن هذا الإحتفال، فقد خرجت سنة قديمة و دخلت أُخرى جديدة، فما الذي تغير سوى رقم اضيف على مر سنيننا ودخل على إعداد اعمارنا؟ فَلطالما كانت ولم تزل سعادتي في جَمعة من أحب، مهما كانت الأسباب.

على الرغم من أن فئة ليست بقليلة من الناس ولا اختلف عنهم يتخذون من إحتفال رأس السنة الميلادية عذراً للقاء الاحبة وجمعة الاصحاب، لكنني ولأول مرة قررت عدم الخروج من المنزل. بل عوضاً عن ذلك، جلست بهدوء وسكينة في البيت الذي تنير غرفة جلوسه مصابيح شجرة الميلاد التي انصبها كعادة سنوية, وذلك لحبي لتلك الانوار الدافئة المعلقة كأمالي على شجرة خضراء، كنت مع صديقة قديمة قريبة من قلبي اتفقت معي ان نحتفل بها وبشكل مختلف، واتخذنا من التلفاز نافذة على العالم. ألعاب نارية بِكُل بقاع الدنيا، حفلات صاخبة وأُناس قد غزت اهم معالم وعواصم العالم، يرقصون مبتهجين، يصرخون بجنون، يحتفلون بقدوم عام جديد و خلاصهم من عام سابق لحيثما اعتبروه عام شؤم عليهم (كما وصف البعض). أما آخرون، فلربما أحسَست من فرحهِم بترحيبِهم للسنة الجديدة و لسان حالهم يقول (خُشّي برگلِك اليمين يا حلوة) كما اللهجة المصرية.

نستشف من إرهاصات العالم في ليلة رأس السنة أنّ هناك ترابط وثيق بين الأرقام و الأيام من جهة و بين نجاحِ البشر وفشلهم أوسعادتهم وحزنهم من جهةٍ أخرى. فمثلاً، سنة ١٩٣٩، كانت سنة حزينة مرعبة عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية على العالم اجمع، حينما السنة ذاتها هي سنة الانتصارات والفتوحات على الألمان. أو عام ١٩٤٥، كان عاماً جميلاً آملاً بالأمنيات الجديدة المفرحة حيث انتهت الحرب وهي ذاتها الموجعة والحزينة حيث الهزيمة وخسارة تلك الحرب على نفس من شنها.

كما كانت وما زالت عادة عراقية قديمة اجهل اصلها, تعتبر شهر صفر الهجري هو شهر شؤم, فيخاف البعض من الاقدام على الزواج او عقد عمل جديد او حتى السفروعند انتهاءه يكسر الزجاج عند الابواب حتى يتبخر النحس وما جلبه من بؤس على البيت وصاحبه.

وهنالك ايضا امثال شعبية شهيرة في مصرعن ما تسمى بالاشهر القطبية والتي لم تشهد تقويما بكتاب ما او حتى ذكرى عبرالقصص التأريخية. الا انها ما زالت تتداول بجدية بين الفلاحين الذين يؤمنون بأرتباطها المباشر بالحظ.

لِم لا نستبصر الموضوع من زاوية اخرى؟! لماذا لا ندخل في إطارِ علم النفس و الفلسفة من باب تهذيب النفس ومحاسبتها. أي اني أرى أن ليلة رأس السنة ما هي إلا فرصة لمراجعة النفسِ و حسابها. فإن كان علي أي تقصيرعلى راحة الذات و إسعاد الروح، فأن هذه الليلة بحق هي الفرصة المناسبة لمسح الأفكار السلبية و تحقيق الفرحِ والنجاح في العام الجديد. ليمتلئ هذا العام الموعود بالآمال و تحقيقِ الأمنيات البسيطة منها أو البعيدة المنال.

و لكن، و بعد مسح تلك الأفكار والأعمال من حياتنا، لا بد من إيجاد مفاتيح الذات و التي تكمُن بالسيطرة على مشاعرنا, اي إستخدام عقولنا مع لمسة مشاعرٍ طفيفة، فما البشر سوى حفنة احاسيس ومشاعر والتي تملؤُ الخلايا و تسيطر على العقول.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، رمي اللوم على الأرقام والأيام و سوء الحظ من الأفكارِ السلبية. لنتفق معاً أن لا شأن لُحسن الحظ أو سوءِه بالأيام و الأعوام. فعندما يرمي القَدر نَرده، لا نستطيع قلب المعادلة لاسترجاع ما مضى. بل يجب إيجاد فرصة فرحٍ و نجاح مع كل ضربة حظ فنستخدمها لصالحنا، و التكيّف مع عنصر المفاجأة و التغيّرات اليومية التي نواجهُها.

الحياة للبعضِ هي عبارة عن سلسلةٍ من المغامراتِ قد تكون مخيفة و محزنة، أو قد تكون جميلة ومشوقة للبعض آخر.

عودة إلى ليلَتي، و اثناء تصفحي لِعامي المنصرم، لا أُخفي أنني كنت قاسية بعض الشيئِ على نفسي، فقد حاسبتها على بعض التصرفات والأخطاء التي كانت ربما جارحةً أو مؤذيةً لِمن حولي و لي شخصياً. فمن المُضحك المُبكي أن الإنسان أحياناً يضعُ نفسهُ بمواقف تُؤذيه من غيرِ أن تُنجيه. فكما ذكرنا مسبقاً أن استخدام العقل مع لمسة مشاعرٍ خفيفة؛ عادةً ما ينجيك و قليلاً ما يُؤذيك. و الجدير بالذكر أن مسح الأفكار والأعمال السلبية و التي إن بقيت في الذاكرة فلن تنفع إلاّ بِسَحبِنا إلى حفرة الفشل.

أقول هذا و أستشهد بالأديب أوشو عندما قال ” القلبُ دوماً ينبض لهفوات وفرص و بذورٍ جديدة حتى تبقى الحياة على حِراك كنهرٍ جارٍ”

و أذكر أيضاً مجلة ميموري البريطانية و التي أكدت بدراسةٍ حديثة مفادها أن الذين يُركزون على إنجازاتِهم عوضاً عن فشلهم، يكسبون السعادة و يتحفزون للبحث عن سبل النجاح بشكل أفضل. كما تُشير هذه الدراسة أن التأمل بنقاط القوة الداخلية و إكتشافها سيُحسّن المزاج و يسعد الذات و يعطي قدرةً أكبر في التغلب على المصاعب. هنا يأتي دور العقل، ليس ليتخلص فقط من الأفكار و الأعمال السلبية السابقة، بل لِيُعزِّز الأفكارَ الإيجابية ايضا، و استرجاعها دائماً عند بداية كل عام، و إبقاء هذه الإيجابيات كشموعٍ للروح كي تمضي قُدماً نحو مستقبلٍ واختياراتٍ أفضل و أجمل.

من المهم أن نتذكر ما اكتسبنا من تجاربٍ في العام الماضي، سلبية كانت أم إيجابية، فننسف السلبي منها و يُعزّز الإيجابي، خصوصاً فيما يتعلق بالوعي الذاتي، الثقة بالنفس، الإيمان الدائم بالنجاح، و التكيف مع أي وضعٍ أو حالة بالصبر و العمل والصمود أمام التحديات بتعزيز هذه المهارات الباهظة الثمن، ستنغرس في حياتنا اليومية و المستقبلية.

رجوعاً إلى صديقتي القديمة الجميلة التي شاركتني ما ذكرت آنفاً فقالت مازحة:

“علينا التخلص من الحلوى اللذيذة التي تَملؤُ الطاولة وإيجاد حل للشحوم التي نرتميها من سنة على التي تليها.

هنا أردفتُ قائلة “نعم يا صديقتي، وأنا أيضاً علي أن أفكر لِوجهتي الجديدة. و كيف أصلها؟ من يستحق أن يكون معي و من يجب أن يطْوى مع ما طويت في السنة الماضية؟ وأخيراً ومن المهم جداً أن أتمنى الخير والحب للجميع عسى أن يحملونا بالمثل، لِنصبح كزهورِ حُب وحمام سلام على طريقِ الحياة.

كل عام و أنتم بخير

لا تعليقات

اترك رد