كانت ظلاّ للممكن السّماويّ


 

أضاعت مفاتيح ذهنها …حاصرتها الأبواب الموصدة فلجأت إلى مفاتيح الحلم الأوّل ترسمه على لوح الذّاكرة .

رسمت منزلا جبليّا صغيرا مثلّث السّقف قرميديّه …توسّط واجهته باب كتم أسراره مصراعان قد تغلّقا بمفتاح أضاعته عفويّة الطّفولة أو هويّة الأبواب الورقيّة التي تستمدّ فخامتها من انغلاقها وتناظرت على جانبيه نافذتان شرّعتهما براءة قلمها بما سمحت به سعة الحلم فبدتا كطائرين يهمّان بالتّحليق …و كانت أشجار السّرو تحرس الطّريق الذي يصل المنزل بما لا تعلم لأنّ مساحة الورقة لا تسع خرائط الحلم أو لأنّ الحلم لم يعتزم بعد سلوك الطّرق البعيدة …وكانت الأزهار تطاول الأشجار بزهو الجمال النّاعم وقد بدت أوراقها المنفتحة ككفّي مكبّر …وكانت خضرة العشب جنّة جرت من تحتها أنهار البراءة …و العصافير قد ثبّتت أجنحتها على تيّارات بقاء أبديّ و انصهر سربها تحت أشعّة الشّمس النّاظرة بعين لا تطرف في زاوية الفضاء الورقيّ كما لو أنّها قد برئت من الشّروق والغروب …وفي السّماء التي صفت حتّى نسيت الألوان كانت قطعان السّحاب قد خلّفت وراءها غيمة شكّلتها كثافة عفويّة التّصوّر الطّفوليّ فحلّقت وحيدة و كانت ظلاّ للممكن السّماويّ .

رفع المعلّم الرّسم يريد تعليقه على جدار القسم فعلقت الأنظار به ..كلّ شيء كان كاملا : تحليق رسمها وحروف الثّناء التي كانت تطير من فم معلّمها لتغدو لوحات على جدار دهشة أترابها وذلك الزّهو الطّفوليّ الذي يفعل فعل الفراش كان يطير بين جنباتها التي تطاولت فيها أزهار كتلك التي رسمتها .

حطّ الحلم على مكان عال من الجدار وحطّ نظرها على حروف اسمها الذي خطّته بما سمح لها به حبو اللّغة الأوّل في الحبر فألفته غريبا عنها وقد أعاقه نقص مدّ فانقلب فعلا مضارعا …لم تكن تعلم أنّ الأفعال تترصّد الأسماء إذا زلّت بها الأحلام لتستردّ مفاتيح المعاني منها و ما أدراها بأنّ الأسماء كائنات انفصاليّة ؟ وكيف يمكن أن يقع الجمع الغفير من الأحلام في فخّ فعل طاغ بمضارعته ؟ …

لم تكن تعرف أيّ شيء عن تلك الفخاخ التي اشّتقّت من كلّ شيء خصومة فقد كانت تنتمي إلى عفو الطّبيعة ولذلك فإنّ ما همّها هو أن يتّضع الرّسم الطّائر قليلا لتعيد المدّ الذي سقط سهوا إلى اسمها وزهوها … ولم تعلم أيضا أنّ ذلك المدّ الذي أكله السّهو سيظلّ شبحه يلازمها فما مدّت يوما حلما إلاّ وارتدّ إليها قاصرا كزهو يحلّق بجناح مكسور، كاسم شاء له ارتفاعه أن يفقد صيغته حصانته ، كحلم حكم عليه تعاليه بأنّ يظلّ معلّقا على جدار عال ، كرسم عالق في ذاكرة طفلة .

اليوم وقد بدأ العمر يحلّق كتلك الغيمة الصّغيرة نحو رسم آخر تدرك أنّ المنازل لا تطير وإن جنّحت النّوافذ وأنّ الأحلام لا تحطّ وإن علّقت على الجدران وأنّنا نضيع وإن تزوّدنا بالمفاتيح لأنّ الأبواب قد أضاعت هويّتها منذ فتحت على مصراعيها ليأهلها هواء ولد في غير أرض الأحلام ولأنّ الأشجار ما عادت حارسة لأيّ طريق ولأنّ الطّريق ما عاد يؤدّي إلاّ إلى الضّيق ولأنّ الأزهار قد نسيت تطاولها وتكبيرها ولأنّ العصافير قد هجرتها أجنحتها فحلّقت آلة الموت عوضا عنها بأجنحة السّخريّة من الأطفال الذين شاخوا وشاخت معهم رسومهم وجدران أقسامهم والأطفال الذين يحلمون بمخابىء تحت الأرض تقيهم ما يقع فوقها والأطفال الذين خصّبت أرحام أمهاتهم بصور المقابر …

أغلقت باب ذاكرتها و دفترها و أعفت ذهنها من البحث عن مفاتيحه.

لا تعليقات

اترك رد