الملف النووي الكوري .. انتصار الارادة وخسارة الطيش


 

يعد برنامج التسليح النووي لكوريا الشمالية الذي بداته في عام 1987 من القرن الماضي هو برنامج حقيقي لم يؤسس للأغراض السلمية فحسب بل تم تنفيذه كبرنامج دفاعي استراتيجي بعد ان خاضت الدولة الكورية عدة حروبواحتلالات حتى انتهى بها الحال لتكون شطرا شماليا من الدولة الأم ، واما الشطر الثاني فهو كوريا الجنوبية ، حيث تم تقسيمها كدولة موحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقداتفق الحلفاء في مؤتمر «بو تسدام» للسلام على اقتسام كورياما بين الاتحاد السوفياتي السابق، والولايات المتحدة الامريكية وهو تقاسم نفوذ وجغرافيا وخطوط أمن ، على أن يكون خطالعرض 38 هو الحد الفاصل ما بين الدولتين الكوريتينالجديدتين .

لقد عاشت جمهورية كوريا الشمالية في ظل التهديدات وعدم الاستقرار طيلة القرنين الماضيين ، مما اضطرت أن تكون حليفا لدولة الاتحاد السوفيتي سابقا وجمهورية الصين ضد تهديدات الولايات المتحدة من خلال اقامتها قاعدة لها في كوريا الجنوبية ، وفي حقيقة الامر انه صراع شيوعي رأسمالي خلال الحرب الباردة حيث سعت الولايات المتحدة من خلال اتفاقية ( بوستدام) على تطويق الاتحاد السوفيتي سابقا واليوم الدول الروسية الممثلة بالجمهوريات الحليفة معها أو بالضد منها للحد من تهديدات وطموحات الدول الروسية .

ان الملف النووي الكوري يعد من أهم الملفات التي تشغل الحيز الأكبر من القلق العالمي وخصوصا الولايات المتحدة والدول الاوربية .بعد أن أعلنت كوريا الشمالية امتلاكها للأسلحةنووية، حيث تؤكد التقارير الاستخبارية على ان كوريا الشمالية فعلا تمتلك هذه الاسلحة بعد ان تعاونت معها كل من الصين وروسيا على انشاء مفاعلات نووية في منطقتين وانها تمتلك بحدود 20 رأسا نوويا كما تشير تقارير الاستخبارات الامريكية . وبالرغم من دخول كوريا في اتفاق الحد من انتشار الأسلحة النووية عام 1994 الا انها انسحبت من هذه المعاهدة في عام 2003 وباشرت في تنفيذ برنامجها النووي كما خططت له رغم تحديات وتهديدات الدول الكبرى ، لكن قد فشلت كل هذه الضغوطات وقرارات مجلس الامن بهذا الصدد التي تحاول الحد من طموحاتها من حيازة الأسلحة النووية

لكن كل ذلك ومما تقدم يعتبر يوم 9 تشرين الاول من عام 2006 هو الاعلان الرسمي من جانب كوريا الشمالية لنجاح أول تجربة نووية اجرتها .

ومن هنا بدأت المخاوف الحقيقية للدول الكبرى سواء الصديقة لها ام المناوئة ، فبذات هذه الضغوط تأخذ مجالها الاوسع من خلال المفاوضات التي أجرتها معها فرق الامم المتحدة للحد أو التخلي عن برنامجها النووي واخضاعه للمراقبة الأممية ، ربما نجحت في عقد اتفاقات معها بعد تقديمها لمغريات جمة لها ، بالإضافة لمساعدتها في تزويد بعض احتياجاتها من الطاقةمن خلال المفاعلات النووية. الا انها استأنفت برنامجها وخاصة بعد مجيء الرئيس (كم جونغ أون عام 2011 ) الذي خلف والده (كم جونغ إل م) والذي يعد أكثر صرامة وتشدداوتحديا من أبيه لكل الجهود الأممية لكبح طموحات دولته ، واضافة لذلك صاحب التسليح النووي برنامجا للصواريخ الباليستية التي تهدد الولايات المتحدة وأوربا وجيرانها ونخص بالذكر كوريا الجنوبية واليابان .

بعد وصول ( دونالد ترامب ) لسدة الحكم كرئيس جمهوري للولايات المتحدة هذا الرجل جاء بشكل مفاجئ بخطابه العنصري العدائي الحالم بإعادة مجد الهيمنة الأمريكية على العالم واعادة سياسة القطب الواحد وامتعاضه من سياسات الرئيس الذي سبقه ( اوباما ) وحمله المسؤولية لضعف الولايات المتحدة ونشوء قوى نووية بالإضافة الى كوريا ألا وهي الجمهورية الاسلامية في ايران وعدم قناعته بالاتفاق النووي المبرم معها من قبل الدول الخمس زائد واحد ، فبعد تسنمه مهامه كرئيس للولايات الامريكية صب جل غضبه على الملفين الكوري والايراني محاولا التهديد والوعيد حتى زعم انه قادر على دك الدولتين بأسلحته النووية في التوقيت المناسب .

يعد زمن ( ترامب ) هو الزمن الذهبي لكوريا الشمالية اذ ان ( ترامب ) يعد شخصية مريضة وغير مسؤولة وتوصف بالبلاهة في السياسة والاستراتيجيات لأنه لا يمتلك أية استراتيجية أو تصور أو رؤى في الملفات المعقدة وخاصة الملفين المذكورتين انفا فمرة يهدد ويدخل قواته في انذار بالحد الأقصى والعالم يترقب بان ( ترامب ) سيقرر ضرب الدولتين الا انه في اليوم الثاني يتراجع عن تصوراته وتصريحاته وعودته لطرح مبادرات الحلول السلمية وعلاوة على ذلك لمسنا ان فريق (ترامب ) الوزاري والاستشاري غير مستقر وغير متوافق معه ويتغير باستمرار وانه على خلاف دائم مع أقرب وزرائه ومستشاريه فهذا يعد طيشا ومراهقة في السياسة الداخلية والخارجية له.

لذا نعتقد ان جمهورية كوريا الشمالية فهمت ( ترامب ) جيدا اذ عدته الرئيس غير المسؤول عن قراراته وتصوراته فهي لاتخشاه مطلقا ، بل على العكس ان القوة النووية والصاروخية الباليستية الكورية أصبحت على أوج عظمتها من خلال امتلاكها لكافة الاسلحة والمعدات وهي قادرة كما تزعم على دك الجغرافية الامريكية وغيرها في اي وقت تشاء وهذا ما اعلنه الرئيس الكوري نهاية عام 2017 ، لذا تعد كوريا هي المنتصر الأول في تحديها للدول الكبرى وخاصة بعد دعوتها لجارتها الجنوبية بإجراء الحوار معها بصفتها المنتصر وليس الخاسر وانها على استعداد للدخول مع الولايات المتحدة بمفاوضات جديدة ومع العالم وفق شروطها هي وليست شروط المجتمع الدولي .

شارك
المقال السابقنافذة الحُلم
المقال التالىلم نَحتفل بالعام الجديد؟
رياض الدليمي - العراق - كاتب واعلامي - ماجستير تربية - دكتوراء فخرية- مدرس - الاصدارات- مجموعة شعرية بعنوان تسلقي عروش الياسمين- مجموعة قصصية بعنوان - غبار العزلة- مجموعة شعرية مشتركة بعنوان - غوايات - مجموعة قصصية مشتركة بعنوان - انطلوجيا القصة- كتاب اقتصادي- رئيس سابق لمجلة الان الثقافية- نائب رئي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد